عوائد السندات الأميركية تدخل منطقة الخطر
ظل الصمود الاستثنائي للأسواق المالية أمام سلسلة متلاحقة من الصدمات أحد أكثر ألغاز المشهد الاستثماري العالمي إثارة للحيرة، بعدما تمكنت الأسهم والعملات وسندات الشركات من استيعاب اضطرابات تراوحت بين المخاوف الحادة بشأن إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط، والمخاطر المستجدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والروبوتات المستقلة، من دون أن تتحول إلى موجة بيع واسعة ومستدامة. لكن الاضطراب العنيف الذي ضرب أسواق السندات الحكومية أخيراً يهدد بتغيير هذه المعادلة، بعدما تجاوز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات حاجز 5 % ووصل خلال إحدى الجلسات إلى 5.22 %، مسجلاً زيادة تتجاوز نقطة مئوية كاملة منذ بداية العام، في حركة تحمل تداعيات تتجاوز سوق الدين الأميركية إلى مختلف فئات الأصول والأسواق العالمية.
شبكة الأمان
وتبدو مرونة الأسواق أكثر إثارة للاستغراب إذا ما قورنت بالسنوات التي أعقبت الأزمة المالية العالمية، عندما كان الاعتقاد السائد أن البنوك المركزية هي التي صنعت شبكة أمان للمستثمرين من خلال برامج شراء السندات والسياسات النقدية فائقة التيسير، التي خفضت العوائد ودفعت رؤوس الأموال نحو الأسهم والأصول الأعلى مخاطرة. وكان تدخل السلطات النقدية آنذاك عاملاً رئيسياً في تخفيف الصدمات الاقتصادية وتعزيز شهية المخاطرة، حتى ترسخت لدى المستثمرين قناعة بأن البنوك المركزية ستكون حاضرة كلما تعرضت الأسواق لضغوط شديدة.
لكن المفارقة أن قدرة الأسواق على امتصاص الصدمات استمرت حتى بعد انعكاس مسار تلك السياسات والانتقال إلى بيئة نقدية أكثر تشدداً. ومع تقليص برامج شراء الأصول وارتفاع أسعار الفائدة، كان يفترض نظرياً أن تصبح الأسواق أكثر عرضة للتقلبات، إلا أن الأسهم والأصول الخطرة احتفظت بقدر كبير من قوتها، مدعومة بأرباح الشركات وزخم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي والسيولة الاستثمارية الباحثة عن العائد. غير أن سوق السندات بدأت ترسل إشارة مختلفة وأكثر خطورة.
ضغوط متراكمة
وتتعرض السندات الحكومية العالمية لضغوط متصاعدة منذ أشهر بفعل مجموعة من العوامل التي تراكمت تدريجياً قبل أن تتحول إلى موجة بيع حادة. ويأتي في مقدمتها التضخم الذي تلقى دفعة إضافية من ارتفاع أسعار النفط، إلى جانب استمرار قوة الاقتصاد الأميركي بما يقلص مساحة خفض أسعار الفائدة ويعزز احتمالات بقائها مرتفعة لفترة أطول، فضلاً عن تفاقم مستويات الدين الحكومي والحاجة المتزايدة إلى إصدار كميات ضخمة من السندات لتمويل العجز.
وظهر في الوقت نفسه منافس جديد للحكومات على أموال المستثمرين، يتمثل في شركات التكنولوجيا الكبرى التي تتجه بصورة متزايدة إلى أسواق الدين لتمويل استثماراتها الضخمة، خصوصاً المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي. ويعني تزايد المعروض من أدوات الدين أن المستثمر بات أمام خيارات أوسع، ما يجبر الحكومات على تقديم عوائد أكثر جاذبية لاستقطاب رؤوس الأموال، ويضيف ضغطاً جديداً إلى سوق كانت تعاني بالفعل ارتفاع التضخم واتساع الاحتياجات التمويلية.
حاجز الخمسة
ورغم أن هذه الضغوط ليست جديدة على المتعاملين، فإن التحول الذي وقع أخيراً تمثل في سرعة الحركة وحدتها. فقد تجاوز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات، الذي يمثل أحد أهم المؤشرات المرجعية لتسعير الأموال والأصول في العالم، مستوى 5 % للمرة الأولى منذ عام 2007، ثم لامس 5.22 % في إحدى الجلسات. وقد تبدو زيادة نقطة مئوية منذ بداية العام محدودة خارج الأسواق المالية، لكنها في عالم السندات تمثل تحولاً ضخماً في تكلفة رأس المال وفي تقييمات الأصول.
وتنبع خطورة التطور من عاملين متزامنين هما مستوى العائد وسرعة الوصول إليه. فالاختراق السريع لحاجز 5 % لم يكن نتيجة حدث كارثي مفاجئ، وإنما جاء عقب بيانات إيجابية لمسوح أنشطة الأعمال، ما أدى إلى ارتفاع العوائد بصورة فورية وحادة. ولم تشهد السوق تحركاً مماثلاً في سرعته خلال السنوات الأخيرة إلا عقب صدمة الرسوم الجمركية التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أبريل من العام الماضي، الأمر الذي عزز المخاوف من وجود عوامل هيكلية تضخم تحركات الأسعار.
رهانات المضاربين
وتتجه الأنظار بصورة خاصة إلى الدور المتنامي لصناديق التحوط في سوق سندات الخزانة الأميركية، إذ أصبحت هذه المؤسسات عنصراً مؤثراً في توفير السيولة والحفاظ على انسيابية التداول، لكنها قد تتحول في الوقت نفسه إلى مصدر هشاشة إذا اضطرت إلى فك مراكز ضخمة بصورة متزامنة. وكان فرع مجلس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك قد حذر من هذه المخاطر، في ظل الاعتماد المتزايد على استراتيجيات استثمارية تستخدم مستويات مرتفعة من الرافعة المالية.
ويبدو أن عدداً من الصناديق لم يكن مستعداً للقفزة المفاجئة في العوائد، ما دفعها إلى الإسراع في الخروج من مراكزها وتقليص رهاناتها، وهو ما يمكن أن يفاقم حركة السوق ذاتها. فحين تبدأ الخسائر، تتحول عمليات البيع من قرار استثماري إلى ضرورة لخفض المخاطر وتوفير السيولة، لتصبح الزيادة في العوائد سبباً لمزيد من البيع، ويصبح البيع بدوره وقوداً لارتفاع إضافي في العوائد.
عدوى محتملة
وسبق أن شهدت أسواق الدين في المملكة المتحدة وأوروبا نموذجاً مصغراً لهذه الديناميكية، عندما فوجئت صناديق التحوط بالتصعيد العسكري المرتبط بإيران، واضطرت إلى التخلي سريعاً عن رهانات كانت تراهن على خفض أسعار الفائدة والتحول إلى توقع رفعها. لكن انتقال الظاهرة إلى سوق سندات الخزانة الأميركية يرفع مستوى المخاطر بدرجة كبيرة، نظراً إلى الدور المركزي لهذه السوق في النظام المالي العالمي واستخدام عوائدها أساساً لتسعير مجموعة واسعة من القروض والاستثمارات.
ويرى ديريك هالبيني، محلل الأسواق لدى مجموعة «إم يو إف جي» المالية، أن الأسواق دخلت بالفعل «منطقة الخطر». فمديرو صناديق التحوط الذين تكبدوا خسائر في مراكز السندات قد يضطرون إلى بيع أصول أخرى لا ترتبط مباشرة بالخزانة الأميركية، سواء لتوفير السيولة أو تلبية طلبات المستثمرين لاسترداد أموالهم. ومن هنا يمكن أن تنتقل الصدمة من السندات إلى العملات والأسهم وغيرها من الأصول عبر روابط لا تظهر خطورتها إلا عند تعرض المحافظ لضغوط حقيقية.
ضغط عالمي
أما المشكلة الثانية فتتمثل في المستوى المرتفع نفسه لعوائد الخزانة الأميركية، وتأثيره في تكاليف الاقتراض حول العالم. وقد تكون الولايات المتحدة أقدر من غيرها على تحمل هذا المستوى في الوقت الراهن، في ظل قوة اقتصادها واستمرار النمو، بينما يساعد التضخم المرتفع نسبياً في تخفيف القيمة الحقيقية لأعباء الدين. ولا يعني ذلك أن تكلفة الاقتراض المرتفعة لا تمثل تحدياً لواشنطن، لكنها تبدو أكثر قدرة على استيعابها مقارنة باقتصادات تجمع بين النمو الضعيف والمديونية المرتفعة.
ويبدو الوضع أكثر حساسية في المملكة المتحدة وفرنسا، لأن تكاليف الاقتراض فيهما تتأثر بدرجة كبيرة بحركة السوق الأميركية. وتستعد بريطانيا لميزانية جديدة في وقت وصلت فيه تكلفة الاقتراض القياسية إلى نحو 5.4 %، ما يفرض قيوداً إضافية على السياسة المالية ويقلص المساحة المتاحة أمام الحكومة للمناورة بين الإنفاق والضرائب وخدمة الدين.