كلمات المرور تتحول إلى صناعة بمليارات الدولارات
لم يكن عالم الحاسوب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، فيرناندو كورباتو، يتوقع أن الابتكار الذي قدمه عام 1961 لتنظيم استخدام الحواسيب المركزية سيتحول بعد أكثر من ستة عقود إلى أحد أكبر مجالات الإنفاق في الاقتصاد الرقمي. فقد ابتكر آنذاك مفهوم كلمة المرور ليمنح كل باحث مساحة خاصة على الحاسوب دون أن يتمكن الآخرون من الوصول إلى ملفاته، إلا أن هذا الحل البسيط أصبح اليوم حجر الأساس لأمن الهوية الرقمية، ومحوراً لصناعة تقدر قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات.
وباتت كلمات المرور جزءاً أساسياً من الحياة اليومية لمليارات الأشخاص حول العالم، لكن خلف هذا الإجراء الروتيني تقف منظومة معقدة من التقنيات والاستثمارات التي تهدف إلى حماية الحسابات والبيانات من التهديدات السيبرانية المتزايدة. ومع تصاعد الهجمات الإلكترونية واتساع الاقتصاد الرقمي، لم تعد كلمة المرور مجرد وسيلة للدخول إلى الحسابات، بل أصبحت مفتاحاً لحماية الأصول المالية والبيانات الشخصية واستمرارية الأعمال.
استثمارات متنامية
أدى تصاعد المخاطر الإلكترونية إلى توسع غير مسبوق في الإنفاق على حلول إدارة الهوية والوصول، والتي تشمل برامج إدارة كلمات المرور، وأنظمة المصادقة متعددة العوامل، وتقنيات تسجيل الدخول البيومترية، وإدارة الحسابات ذات الصلاحيات المرتفعة، وغيرها من الأدوات التي تهدف إلى ضمان أن الشخص الذي يسجل الدخول هو المستخدم المصرح له بالفعل.
وتشير بيانات ستراتفيو ريسيرش إلى أن سوق إدارة الهوية والوصول بلغ نحو 21.52 مليار دولار خلال عام 2025، مع توقعات بارتفاعه إلى 24.56 مليار دولار خلال عام 2026، مدفوعاً بتزايد الهجمات السيبرانية، وتشديد المتطلبات التنظيمية، واتساع نطاق العمل عن بُعد، الذي زاد الحاجة إلى أنظمة تحقق أكثر تطوراً.
كما تنفق المؤسسات، بحسب بعض التقديرات، أكثر من 480 دولاراً سنوياً لكل موظف على تقنيات حماية الهوية الرقمية، بما يشمل رموز المصادقة متعددة العوامل، وخزائن كلمات المرور المؤسسية، وأنظمة التحقق الإضافية.
ويستند هذا الإنفاق إلى معادلة اقتصادية واضحة، فتكلفة الاستثمار في حماية الهوية الرقمية تظل أقل بكثير من الخسائر التي قد تنجم عن اختراق إلكتروني واحد، سواء من حيث التعويضات المالية أو توقف الأعمال أو فقدان ثقة العملاء.
وتكشف بيانات مايكروسوفت حجم التحدي، إذ تؤكد الشركة أنها ترصد أكثر من 7000 هجوم على كلمات المرور كل ثانية، في حين يقدر تقرير آي بي إم لتكلفة اختراق البيانات متوسط خسائر الحادثة الواحدة عالمياً بنحو 4.88 مليون دولار.
تكلفة النسيان
ولا ترتبط فاتورة كلمات المرور بالهجمات الإلكترونية فقط، بل تمتد أيضاً إلى التكاليف التشغيلية اليومية التي تتحملها المؤسسات نتيجة نسيان الموظفين لكلمات المرور أو الحاجة إلى إعادة تعيينها بصورة متكررة.
وتشير تقديرات جارتنر إلى أن ما بين 20 % و50% من إجمالي طلبات الدعم الفني داخل المؤسسات ترتبط بإعادة ضبط كلمات المرور، وهو ما يجعلها من أكثر المهام استهلاكاً لوقت فرق تقنية المعلومات.
كما لا تقتصر الخسائر على فرق الدعم الفني، بل تشمل أيضاً الوقت الذي يفقده الموظفون في انتظار استعادة إمكانية الدخول إلى أنظمة العمل، وما يترتب على ذلك من انخفاض الإنتاجية وتعطل سير الأعمال.
وتوضح دراسة صادرة عن فورستر أن متوسط التكلفة الإجمالية لإعادة تعيين كلمة مرور واحدة عبر مكتب الدعم الفني يبلغ نحو 70 دولاراً، بعد احتساب ساعات العمل الضائعة وأجور فرق الدعم.
أما في المؤسسات متوسطة الحجم، فتشير بيانات شركة 1Password إلى أن الموظف يقضي في المتوسط 12.6 دقيقة أسبوعياً في كتابة كلمات المرور أو إدارتها أو إعادة تعيينها، وهو ما يعادل نحو 11 ساعة سنوياً لكل موظف.
وفي شركة تضم 10 آلاف موظف، يمكن أن تتحول هذه الدقائق إلى خسائر إنتاجية تقدر بنحو 3.3 مليون دولار سنوياً، وهو ما يفسر تسارع الشركات نحو اعتماد تقنيات تسجيل الدخول الموحد، وإعادة تعيين كلمات المرور ذاتياً، وحتى أنظمة الدخول دون كلمة مرور.
فاتورة الاختراقات
وتزداد قناعة المؤسسات بأهمية الاستثمار في أمن الهوية الرقمية عند النظر إلى تكلفة الاختراقات الإلكترونية الكبرى، التي تكلف الشركات والحكومات مليارات الدولارات سنوياً.
ففي عام 2017، تعرضت شركة إكويفاكس لاختراق أدى إلى تسريب البيانات الشخصية لنحو 147 مليون شخص، وانتهى الأمر بتسويات والتزامات تجاوزت 1.7 مليار دولار.
كما تعرضت شركة إم جي إم ريزورتس عام 2023 لهجوم إلكتروني أدى إلى تعطيل الفنادق والكازينوهات وأنظمة الحجز لعدة أيام، وقدرت الشركة الأثر المالي المباشر للهجوم بنحو 100 مليون دولار، بخلاف تكاليف التحقيقات واستعادة الأنظمة.
وفي عام 2024، أعلنت شركة تشينج هيلث كير التابعة لمجموعة يونايتد هيلث أن الهجوم الإلكتروني الذي استهدفها تسبب في خسائر تجاوزت 3 مليارات دولار، بعدما أدى إلى تعطيل معالجة المطالبات الطبية في آلاف المستشفيات والصيدليات الأميركية.
ولم تكن المؤسسات الحكومية بمنأى عن هذه التهديدات، إذ تعرضت هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية عام 2017 لهجوم إلكتروني أدى إلى إلغاء نحو 19 ألف موعد طبي وتعطيل أكثر من 80 مؤسسة صحية، فيما قدرت التكلفة المباشرة للهجوم بنحو 92 مليون جنيه إسترليني.
وتوضح هذه الأمثلة أن الإنفاق على إدارة الهوية والمصادقة متعددة العوامل وبرامج حماية كلمات المرور لم يعد بنداً تقنياً ثانوياً، بل أصبح استثماراً استراتيجياً يهدف إلى تجنب خسائر قد تصل إلى مئات الملايين أو حتى مليارات الدولارات.