ناسداك يتراجع تحت ضغط التكنولوجيا والنفط والعوائد المرتفعة
شهدت الأسواق الأميركية جلسة متقلبة اتسمت بالحذر والضغوط البيعية، بعدما أغلق مؤشر ناسداك لأسهم التكنولوجيا على تراجع واضح، متأثراً بعمليات جني أرباح واسعة وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية وأسعار النفط، في وقت تتزايد فيه المخاوف من استمرار التضخم وارتفاع تكاليف الاقتراض لفترة أطول من المتوقع.
وجاءت الضغوط الأساسية من قطاع التكنولوجيا وأسهم النمو، التي تعد الأكثر حساسية لتحركات أسعار الفائدة والعوائد، فيما بقي المستثمرون يراقبون تطورات الحرب الأميركية الإيرانية وانعكاساتها على سوق الطاقة والتضخم العالمي.
وتراجع مؤشر ناسداك المجمع بنحو 0.52% ليغلق عند مستوى 26089 نقطة، فاقداً أكثر من 135 نقطة، في حين انخفض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بصورة طفيفة، بينما تمكن مؤشر داو جونز الصناعي من الإغلاق على ارتفاع محدود بدعم من بعض الأسهم الدفاعية والصناعية.
ويعكس هذا الأداء المتباين حالة الانقسام داخل وول ستريت، حيث تواجه أسهم التكنولوجيا ضغوطاً قوية نتيجة ارتفاع العوائد، بينما تستفيد بعض القطاعات التقليدية نسبياً من ارتفاع أسعار الطاقة والتوقعات التضخمية.
التكنولوجيا تحت الضغط
قاد قطاع التكنولوجيا موجة التراجع في الأسواق الأميركية، بعدما اتجه المستثمرون إلى جني الأرباح من أسهم النمو التي حققت مكاسب قوية خلال الأشهر الماضية.
وتعد أسهم التكنولوجيا الأكثر تأثراً بارتفاع أسعار الفائدة، لأن تقييماتها تعتمد بدرجة كبيرة على الأرباح المستقبلية، ما يجعل ارتفاع العوائد عاملاً سلبياً مباشراً على جاذبيتها الاستثمارية.
ومع صعود عوائد سندات الخزانة الأميركية إلى أعلى مستوياتها منذ فبراير 2025، تعرضت شركات التكنولوجيا الكبرى لضغوط واضحة دفعت مؤشر ناسداك إلى المنطقة الحمراء.
ويرى محللون أن المستثمرين أصبحوا أكثر حساسية تجاه أي ارتفاع في العوائد، خصوصاً مع تزايد القلق من أن التضخم قد يبقى مرتفعاً لفترة أطول بسبب أزمة الطاقة الحالية.
كما أن ارتفاع تكاليف التمويل والاقتراض يضغط على الشركات التي تعتمد على التوسع والاستثمار المستقبلي، وهو ما يفسر تراجع شهية المستثمرين تجاه قطاع التكنولوجيا خلال الجلسات الأخيرة.
عوائد السندات
التحرك الأبرز في الأسواق جاء من سوق السندات الأميركية، حيث ارتفع العائد على سندات الخزانة لأجل عشر سنوات إلى أعلى مستوى له منذ فبراير 2025 خلال التداولات.
ويعد هذا العائد المعيار الرئيسي لتكاليف الاقتراض العالمية، كما يشكل مرجعاً مهماً لتسعير الأصول المالية المختلفة حول العالم.
وجاء ارتفاع العوائد نتيجة تصاعد المخاوف من استمرار التضخم العالمي، خاصة بعد ارتفاع أسعار النفط وتزايد المخاطر المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية. وتخشى الأسواق من أن يؤدي استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة إلى عرقلة جهود البنوك المركزية في السيطرة على التضخم، ما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
كما أن ارتفاع العوائد يزيد تكلفة التمويل على الشركات والأفراد، ويضغط على النشاط الاقتصادي والأسواق المالية في الوقت نفسه.
ويرى متعاملون أن الأسواق بدأت فعلياً بإعادة تسعير توقعات الفائدة الأميركية، بعدما كانت تراهن في وقت سابق على خفض أسرع للفائدة خلال النصف الثاني من العام.
النفط يعيد التضخم
ارتفاع أسعار النفط بقي المحرك الرئيسي لمعنويات الأسواق العالمية خلال الجلسات الأخيرة.
فقد صعد الخام الأميركي بأكثر من 3% عند التسوية بعد جلسة متقلبة، مدعوماً بمخاوف مستمرة بشأن إمدادات الطاقة العالمية واضطرابات الشحن في مضيق هرمز.
ورغم تراجع النفط جزئياً بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن تأجيل ضربة عسكرية ضد إيران، فإن المخاوف الأساسية المتعلقة بالإمدادات بقيت حاضرة بقوة في الأسواق.
ويخشى المستثمرون من أن يؤدي أي تعطيل طويل الأمد لحركة النفط عبر مضيق هرمز إلى ارتفاعات أكبر في أسعار الخام، وهو ما قد ينعكس مباشرة على معدلات التضخم العالمية.
كما أن ارتفاع تكاليف الطاقة يؤثر على مختلف القطاعات الاقتصادية، من النقل والصناعة إلى الاستهلاك، ما يعيد الضغوط التضخمية إلى الواجهة بقوة.
ترامب يخفف التصعيد
في تطور ساهم في تهدئة جزئية للأسواق، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأجيل هجوم عسكري كان مقرراً ضد إيران، مؤكداً أن الولايات المتحدة ستواصل منح المسار الدبلوماسي فرصة إضافية.
لكن ترامب أشار في الوقت نفسه إلى أن واشنطن مستعدة لاستئناف الهجمات إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، وهو ما أبقى حالة الترقب قائمة داخل الأسواق.
هذا الموقف المزدوج خلق نوعاً من التوازن المؤقت؛ فمن جهة خفف احتمال التصعيد الفوري، ومن جهة أخرى أبقى المخاطر الجيوسياسية قائمة ومفتوحة على جميع الاحتمالات.
كما أن المستثمرين باتوا يتعاملون بحذر شديد مع أي تصريحات سياسية، بعدما أصبحت الأسواق شديدة الحساسية تجاه التطورات المرتبطة بالحرب والطاقة.
داو جونز يصمد
في المقابل، تمكن مؤشر داو جونز الصناعي من الإغلاق على ارتفاع محدود بلغ نحو 0.33%، مضيفاً أكثر من 159 نقطة.
ويعكس هذا الأداء تماسك بعض القطاعات التقليدية والدفاعية التي استفادت نسبياً من ارتفاع أسعار الطاقة والتوقعات التضخمية.
فعادة ما تتأثر أسهم التكنولوجيا بصورة أكبر بارتفاع العوائد، بينما تستطيع بعض القطاعات الصناعية والطاقة والسلع الأساسية الاستفادة من بيئة التضخم المرتفع.
كما أن المستثمرين يميلون خلال فترات التقلب إلى إعادة توزيع محافظهم الاستثمارية بعيداً عن أسهم النمو المرتفعة التقييم نحو الأسهم الأكثر استقراراً وربحية.
إعادة تسعير الأسواق
تشير التحركات الأخيرة في وول ستريت إلى أن الأسواق بدأت مرحلة جديدة من إعادة التسعير الشامل للمخاطر.
فبعد أشهر من الرهان على خفض أسعار الفائدة وتراجع التضخم، جاءت أزمة الطاقة والتوترات الجيوسياسية لتعيد رسم توقعات المستثمرين بصورة سريعة.
وأصبحت الأسواق حالياً أكثر اقتناعاً بأن التضخم قد يبقى مرتفعاً لفترة أطول مما كان متوقعاً، خاصة إذا استمرت أسعار النفط والطاقة عند مستويات مرتفعة.
كما أن ارتفاع العوائد الأميركية يعكس تحولاً في توقعات المستثمرين بشأن السياسة النقدية والاقتصاد العالمي.
ويرى محللون أن استمرار هذا الاتجاه قد يفرض ضغوطاً إضافية على أسواق الأسهم، خصوصاً قطاع التكنولوجيا الذي قاد المكاسب خلال الفترة الماضية.
تقلبات مرتفعة
البيئة الحالية في الأسواق الأميركية تتسم بدرجة عالية من التقلب وعدم اليقين.
فالأسهم تتحرك يومياً وفق تطورات الحرب وأسعار النفط وتحركات السندات، في وقت يراقب فيه المستثمرون أي إشارات جديدة من البيت الأبيض أو الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.
كما أن ارتفاع حساسية الأسواق للأخبار السياسية والاقتصادية يجعل التداولات أكثر عنفاً وتقلباً، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالنمو والتكنولوجيا.
ويحذر خبراء من أن المرحلة المقبلة قد تشهد استمراراً للتذبذب الحاد، خاصة إذا بقيت أزمة الطاقة دون حل واضح أو عادت احتمالات التصعيد العسكري للواجهة.
الأسواق تترقب
تتجه أنظار المستثمرين حالياً إلى عدة ملفات رئيسية ستحدد اتجاه وول ستريت خلال الأسابيع المقبلة.
في مقدمة هذه الملفات تطورات الحرب الأميركية الإيرانية، ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز، وأسعار النفط والطاقة، إضافة إلى بيانات التضخم الأميركية وتحركات الاحتياطي الفيدرالي.
كما تترقب الأسواق أي مؤشرات على استقرار العوائد الأميركية، لأن استمرار ارتفاعها قد يفرض ضغوطاً إضافية على الأسهم العالمية.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو وول ستريت أمام مرحلة معقدة تتداخل فيها السياسة بالطاقة بالتضخم والسياسات النقدية، ما يجعل الأسواق أكثر حساسية وتقلباً من أي وقت مضى.