أزمة الكبريت تهدد الغذاء والمعادن وصناعات المستقبل
أزمة الكبريت العالمية هي عجز حاد وارتفاع جنوني في أسعار المادة الخام، ناتجان عن اضطرابات الشحن الجيوسياسية وحظر الصادرات، مما يهدد الأمن الغذائي وصناعة الأسمدة والتعدين.
تتعلق أزمة الكبريت العالمية باضطرابات سلاسل الإمداد وتعطل شحنات الطاقة القادمة من منطقة الخليج، إذ يُنتج معظم الكبريت كمنتج ثانوي لتكرير النفط والغاز.
فطبيعة الكبريت كمنتج ثانوي تعني أنه لا يمكن للمصانع ببساطة زيادة إنتاج الكبريت لمواجهة نقص المعروض؛ لأن إنتاجه مرتبط طردياً بمعدلات تكرير النفط والغاز الطبيعي. ومع خفض إنتاج النفط أو تعطل المصافي بسبب الأزمات السياسية، ينخفض إنتاج الكبريت تلقائياً.
من تداعيات الأزمة:
● صناعة الأسمدة: نقص حاد في الأسمدة الفوسفاتية والزراعية لارتباطها المباشر بحمض الكبريتيك.
● قطاع المعادن والتكنولوجيا: ارتفاع تكاليف المعادن الحيوية والبطاريات والصناعات المرتبطة بالكبريت.
● الأسعار: ارتفاع قياسي تاريخي لأسعار الكبريت عالمياً.
أسباب أزمة الكبريت العالمية
أولاً: اضطرابات مضيق هرمز
أدى توتر الملاحة وتعطل مرور الناقلات في الخليج إلى تراجع عمليات تكرير النفط وتوقف تدفق شحنات الكبريت الثانوي.
تسببت اضطرابات مضيق هرمز، التي بدأت أزمة 2026 في 28 فبراير عقب الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، في نقص حاد يبلغ نحو نصف إمدادات الكبريت العالمية المنقولة بحراً من الشرق الأوسط، مما أدى إلى ارتفاع قياسي في الأسعار وتهديد سلاسل التوريد.
* تعتمد أسواق الكبريت العالمية تاريخياً على دول الخليج العربي لتوفير قرابة 50% من الصادرات المنقولة بحراً كمنتج ثانوي من تكرير النفط والغاز. وأدت التوترات والصراعات في المنطقة إلى شلل شبه تام في حركة الشحن عبر مضيق هرمز، مما تسبب في احتجاز مئات آلاف الأطنان من الكبريت داخل الخليج وعرقلة وصولها إلى المستهلكين الكبار، مثل الصين والمغرب والهند.
* تعثر الشحن البحري: توقف وتعثر حركة الملاحة وناقلات الكبريت عبر مضيق هرمز الحيوي.
* تمركز الإمدادات: تركز نسبة ضخمة من صادرات الكبريت المنقول بحراً في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط.
* تباطؤ وتوقف الصادرات: عجز شحنات الخليج عن الوصول بالمرونة المعتادة إلى الأسواق المستهلكة الكبرى، مثل الصين ودول أخرى.
ثانياً: التركز الجغرافي للإنتاج
يعتمد جزء كبير من إمدادات العالم من الكبريت على معالجة النفط والغاز في منطقة الخليج.
ويرتبط التركيز الجغرافي لإنتاج الكبريت بشكل وثيق بقطاعي النفط والغاز، حيث إن أكثر من 80% من الكبريت العالمي يتم إنتاجه كمنتج ثانوي، عديم الرائحة أو مستخلص، أثناء تكرير النفط الخام ومعالجة الغاز الطبيعي السام «الغاز الحامض»، لإزالة الشوائب الكبريتية لأسباب بيئية.
التركيز الجغرافي للإنتاج العالمي:
يتوزع إنتاج الكبريت بشكل رئيسي في المناطق الغنية بمصادر الطاقة الأحفورية:
● الصين: تعد المنتج الأكبر عالمياً للكبريت، سواء المستخرج من التكرير أو من معادن البيريت.
● أمريكا الشمالية: تشكل الولايات المتحدة الأمريكية وكندا مركزاً رئيسياً للإنتاج بفضل عمليات تكرير النفط الضخمة وإنتاج الغاز.
● الشرق الأوسط: تنتج دول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر وإيران كميات هائلة من الكبريت نتيجة لمعالجة الغاز الطبيعي وتكرير النفط.
● روسيا وآسيا الوسطى: تمتلك روسيا وتركمانستان وكازاخستان احتياطيات وإنتاجاً ضخماً مرتبطاً بصناعة الغاز الحامض.
ثالثاً: تركز الاستهلاك العالي
تتصدر الصين قائمة المستهلكين عالمياً لاعتماد صناعاتها الثقيلة والأسمدة الفوسفاتية عليه.
وينبع الاستهلاك المرتفع للكبريت وحمض الكبريتيك المشتق منه من ثلاثة قطاعات رئيسية لا يمكنها الاستغناء عنه:
● صناعة الأسمدة الفوسفاتية «المحرك الأكبر»: يستهلك قطاع الأسمدة وحده ما بين 60 % و70 % من الإنتاج العالمي للكبريت. ويُستخدم حمض الكبريتيك لمعالجة صخور الفوسفات وتحويلها إلى أسمدة ضرورية لنمو المحاصيل عالمياً. ومع اقتراب مواسم الزراعة، يرتفع الطلب بشكل لا يمكن كبحه لضمان الأمن الغذائي.
● بطاريات السيارات الكهربائية «الطلب الجديد»: شهد استهلاك الكبريت توسعاً ضخماً بسبب استخدامه المكثف في استخلاص معدن النيكل عبر تقنية الضغط العالي «HPAL»، خاصة في إندونيسيا، التي تقود أكثر من 60% من إنتاج النيكل العالمي. ويتطلب إنتاج طن واحد من النيكل المخصص للبطاريات ما بين 10 و12 طناً من الكبريت.
● صناعة التعدين والمعادن الاستراتيجية: يُعد حمض الكبريتيك أساسياً في تكرير النحاس والكوبالت، مثل عمليات الاستخلاص بالمذيبات في تشيلي وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وهي معادن تشهد طلباً عالمياً متسارعاً في تقنيات التحول الرقمي والطاقة.
رابعاً: ارتباط وثيق بالصناعات الغذائية
يُستخدم 60 % إلى 70 % من حمض الكبريتيك في صناعة أسمدة الفوسفات، مما يجعل أي نقص يعصف بالأمن الغذائي.
وترتبط أزمة الكبريت العالمية الحالية لعام 2026 ارتباطاً وثيقاً بقطاع الصناعات الغذائية والأمن الغذائي، حيث يُعد الكبريت المادة الأساسية لإنتاج حمض الكبريتيك المستخدم في تصنيع الأسمدة الفوسفاتية، مثل سمادي «DAP» و«MAP»، اللازمة لزيادة إنتاجية المحاصيل الزراعية وتأمين الغذاء العالمي.
وأدى النقص الحاد في الكبريت إلى قفزات قياسية في أسعار الأسمدة، مما أجبر شركات عالمية كبرى على خفض إنتاجها، الأمر الذي يهدد مباشرة بموجة غلاء في أسعار المواد الغذائية وشبح مجاعة يهدد ملايين البشر.
قيود وحظر التصدير من الدول المنتجة الكبرى
● الصين: فرضت حظراً كاملاً على تصدير حمض الكبريتيك لحماية صناعاتها المحلية وأمنها الغذائي، مما حرم الأسواق من أكبر مصدر لهذه المادة.
● روسيا: مددت حظر تصدير الكبريت عالي الجودة لضمان تلبية احتياجات مصانع الأسمدة المحلية لديها.
● دول أخرى: فرضت دول مثل تركيا وزامبيا قيوداً مماثلة على التصدير للحفاظ على مخزونها المحلي.
وهذا أدى إلى:
● تراجع إنتاج عمالقة الأسمدة: اضطرت كبرى الشركات العالمية، مثل مجموعة «OCP» المغربية وشركة «Mosaic» الأمريكية، إلى تقليص عملياتها التشغيلية أو إغلاق بعض وحداتها في البرازيل ولويزيانا بسبب عدم جدوى الإنتاج الاقتصادية في ظل الأسعار الفلكية للكبريت.
خامساً: التوترات الجيوسياسية
زادت الصراعات والتوترات الإقليمية في غرب آسيا من هشاشة حركة الشحن البحري والموانئ.
وتكمن الأسباب الجيوسياسية لأزمة مادة الكبريت العالمية الحالية لعام 2026 بشكل أساسي في اشتعال الصراعات المسلحة في منطقة الشرق الأوسط، «الحرب الأمريكية الإيرانية وتداعياتها»، والنزاع المستمر في أوروبا بين روسيا وأوكرانيا، مما أدى إلى خنق المعابر المائية الحيوية وفرض قيود تصديرية صارمة على هذا العنصر الاستراتيجي، الذي يُعد «ملك الكيماويات» والعصب الأساسي لصناعات الأسمدة الفوسفاتية وتعدين معادن الطاقة المتجددة، كالنيكل والنحاس والليثيوم.
ويمكن تفصيل أبرز هذه الأسباب والنزاعات الجيوسياسية في النقاط التالية:
1 – تضرر المنشآت
تسببت الضربات العسكرية المتبادلة في تضرر منشآت طاقة حيوية، مثل منشأة رأس لفان للغاز في قطر، وبما أن الكبريت يُنتج كمنتج ثانوي لتكرير النفط والغاز، فإن تراجع تكرير النفط الخليجي خفّض تلقائياً كميات الكبريت المنتجة.
2 – الصراع الروسي الأوكراني وحرب المسيرات
● استهداف المصافي الروسية: أدت الهجمات بالطائرات المسيرة الأوكرانية المركزة والمستمرة منذ أواخر عام 2025 على مصافي تكرير النفط داخل روسيا إلى شل قدراتها الإنتاجية والتكريرية.
● حظر التصدير الروسي: رداً على تراجع إنتاجها وحماية لأسواقها المحلية، فرضت روسيا، وهي من أكبر ثلاثة منتجين للكبريت عالمياً، حظراً ممدداً على صادرات الكبريت، مما حرم دولاً تعتمد عليها، مثل المغرب لصناعة الأسمدة، من حصص ضخمة.
3 – سياسات الحمائية والقيود التجارية الدولية «حروب التصدير»
تسببت الأزمة الجيوسياسية في موجة من «الوطنية الاقتصادية» والحمائية لحماية الأمن الغذائي والصناعي الداخلي للدول الكبرى:
● حظر حمض الكبريتيك الصيني: فرضت الصين، أكبر منتج لحمض الكبريتيك في العالم بنسبة تتجاوز 40 %، حظراً صارماً على تصدير حمض الكبريتيك والأسمدة الفوسفاتية لتأمين موسمها الزراعي الداخلي، مما حرم أسواق تعدين النحاس والليثيوم والنيكل في أمريكا الجنوبية «تشيلي» وآسيا «إندونيسيا» من الإمدادات.
● قيود تركيا ودول أخرى: انضمت دول مثل تركيا إلى قائمة الدول التي فرضت قيوداً تصديرية فورية على الكبريت عقب اندلاع الأزمة في الربع الأول من عام 2026 لحماية صناعاتها.
4 – صراع السيطرة على معادن «التحول الأخضر»
● دخل الكبريت في قلب الصراع الجيوسياسي لصناعات الطاقة المتجددة. وتتنافس صناعة الأسمدة لإنتاج الغذاء عالمياً بشكل مباشر مع قطاع صناعة بطاريات السيارات الكهربائية وتعدين النيكل عالي النقاء، المتركز في إندونيسيا بدعم استثماري صيني. وهذا التنافس المحموم، وسط معروض شحيح، دفع الأسعار للقفز بأكثر من 130 % إلى 160 %، ليتحول الكبريت من مجرد «فضلة صناعية غير مرغوبة» إلى سلاح ومادة خام استراتيجية تتسابق القوى الكبرى لتأمينها.
سادساً: التحول نحو الطاقة النظيفة «الأزمة الهيكلية المستقبلية»
مع توجه العالم لتقليل الاعتماد على النفط والغاز والتحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، سيتراجع تكرير النفط ومعالجة الغاز. وهذا التراجع سيؤدي مباشرة إلى انخفاض حاد في إمدادات الكبريت كمنتج ثانوي، في وقت يزداد فيه الطلب عليه.
● نمو الطلب على التقنيات الخضراء: الكبريت عنصر أساسي في تصنيع حمض الكبريتيك، وهو المكون الرئيسي المستخدم في معالجة الفوسفات لإنتاج الأسمدة، وكذلك في استخلاص المعادن الحيوية، مثل الليثيوم والنيكل والكوبالت المستخدمة في بطاريات السيارات الكهربائية.
● تراجع إنتاج الغاز عالي الكبريت: تتطلب بعض الحقول القديمة ذات التركيز العالي من الكبريت تكاليف صيانة مرتفعة، وإغلاقها أو تراجع إنتاجها يؤثر فوراً في المعروض العالمي.
● استجابة الدول: اتجاه الدول المستهلكة الكبرى، مثل الصين، إلى خطط بديلة للتقشف وإعادة التدوير أو البحث عن مصادر إمداد بديلة.