أوروبا تتفوق على أميركا في معدلات التوظيف
تبدو واحدة من أكثر الصور النمطية شيوعاً عن الاقتصاد الأوروبي بحاجة إلى إعادة نظر شاملة. فالقارة التي طالما اتهمت بأنها موطن لدولة الرفاه المتضخمة، وأن مواطنيها أقل رغبة في العمل وأكثر اعتماداً على المساعدات الاجتماعية، تقدم اليوم أرقاماً مختلفة تماماً، والمفارقة أن أوروبا، رغم معاناتها الواضحة من ضعف النمو والإنتاجية مقارنة بالولايات المتحدة، نجحت خلال السنوات الماضية في بناء سوق عمل أكثر قدرة على استقطاب قطاعات واسعة من السكان، بما في ذلك النساء والعاملون الأكبر سناً، وهو ما يجعل تحميل أنظمة الرعاية الاجتماعية مسؤولية التعثر الاقتصادي الأوروبي تفسيراً شديد التبسيط.
جذور الصورة
ترتبط الصورة التقليدية جزئياً بتحذيرات أطلقتها المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل في أوائل العقد الماضي، عندما كانت تكرر معادلة لافتة مفادها أن أوروبا تضم نحو 7% من سكان العالم، وتنتج قرابة 25% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، لكنها تتحمل نحو 50% من الإنفاق الاجتماعي عالمياً. وكان الهدف من طرح هذه الأرقام التحذير من تأثير تضخم دولة الرفاه على القدرة التنافسية الأوروبية، لكن الرسالة تحولت بمرور الوقت إلى سردية أوسع تصور الأوروبيين باعتبارهم أقل ميلاً إلى العمل من الأميركيين.
وبموجب هذه الرؤية، أصبح ضعف النمو الأوروبي مرتبطاً بصورة شبه تلقائية بسخاء المساعدات الاجتماعية، وكأن شبكات الأمان الاقتصادي تدفع السكان إلى الابتعاد عن الوظائف. لكن اختبار هذه الفرضية يحتاج إلى أكثر من مقارنة حجم الإنفاق الاجتماعي، إذ يتطلب معرفة ما إذا كان الأوروبيون بالفعل أقل مشاركة في سوق العمل، وما إذا كانت الاقتصادات التي تقدم مزايا اجتماعية أكثر سخاءً تعاني معدلات توظيف أدنى من غيرها.
فاتورة الرفاه
صحيح أن الإنفاق الاجتماعي نما بقوة في الاقتصادات المتقدمة، وأن مستوياته في عدد كبير من الدول الأوروبية ما زالت مرتفعة. لكن الفارق بين أوروبا والولايات المتحدة أقل وضوحاً مما توحي به المقارنات التقليدية، خصوصاً عند إدخال الإنفاق الصحي الأميركي في الحسابات.
فالولايات المتحدة تنفق مبالغ ضخمة على الرعاية الصحية، وبمستويات تتجاوز ما تنفقه غالبية الاقتصادات الأوروبية، رغم أن النظام الأميركي لا يقدم بالضرورة شبكة الأمان الاجتماعي نفسها. وبذلك يعوض ارتفاع تكلفة الصحة الأميركية جزءاً مهماً من الفارق الناتج عن سخاء برامج التقاعد والبطالة والمساعدات الاجتماعية الأوروبية. ومن ثم فإن مقارنة النفقات الإجمالية وحدها لا تكفي للحكم على كفاءة النموذجين.
مفاجأة التوظيف
المفارقة الأكبر تظهر عند الانتقال من الإنفاق إلى أرقام التشغيل الفعلية. فالأوروبيون في الفئة العمرية الأساسية لسوق العمل، بين 25 و54 عاماً، أصبحوا أكثر إقبالاً على العمل مقارنة بنظرائهم في الولايات المتحدة، سواء جرت المقارنة باستخدام بيانات الاتحاد الأوروبي أو منطقة اليورو.
ولا يتوقف التفوق الأوروبي عند العاملين في منتصف حياتهم المهنية، إذ تسجل الفئة العمرية بين 55 و64 عاماً معدلات تشغيل أعلى أيضاً في أوروبا. وهذه النتيجة مهمة لأنها تضرب في جوهر الاعتقاد بأن أنظمة المعاشات والرعاية السخية تدفع الأوروبيين إلى مغادرة سوق العمل مبكراً. فما حدث خلال العقود الأخيرة كان العكس تقريباً، مع نجاح إصلاحات متدرجة في إبقاء أعداد أكبر من المواطنين داخل سوق العمل لفترات أطول.
فجوة الشباب
تبقى الولايات المتحدة متقدمة في تشغيل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً، لكن قراءة الرقم منفرداً قد تكون مضللة. فجزء كبير من انخفاض مشاركة الشباب الأوروبيين في الوظائف يعود إلى بقائهم مدة أطول داخل منظومة التعليم والتدريب، وليس إلى انسحابهم من النشاط الاقتصادي والاجتماعي.
وتصبح الصورة أكثر وضوحاً عند قياس نسبة الشباب الذين لا يعملون ولا يدرسون ولا يتلقون تدريباً، إذ ترتفع هذه النسبة في الولايات المتحدة مقارنة بأوروبا. وبالتالي لا يمكن استخدام انخفاض تشغيل الشباب الأوروبيين دليلاً مباشراً على فشل سوق العمل أو تأثير دولة الرفاه، طالما أن نسبة أكبر منهم تستثمر تلك السنوات في الدراسة والتحصيل الأكاديمي.
الشمال يتقدم
هناك اختبار آخر يضعف فرضية أن سخاء الرعاية الاجتماعية يقتل الحافز على العمل. فدول شمال أوروبا، التي تمتلك بعضاً من أكثر أنظمة الرفاه سخاءً في العالم، تحقق معدلات تشغيل أعلى من الاقتصادات الواقعة في جنوب القارة.
ولو كانت المساعدات الاجتماعية العامل الحاسم في إبعاد المواطنين عن الوظائف، لكان المتوقع أن يحدث العكس تماماً. إلا أن التجربة تشير إلى أن تصميم السياسات والحوافز والضرائب وبرامج التدريب وقدرة الاقتصاد على خلق الوظائف عوامل أكثر أهمية من حجم الإنفاق الاجتماعي وحده. وحتى داخل منطقة اليورو بدأت الفجوات تضيق، مع تسجيل إسبانيا بصورة خاصة تحسناً سريعاً وملموساً في معدلات التوظيف.
تحول تاريخي
الأكثر أهمية أن التفوق الأوروبي الحالي لم يكن موجوداً دائماً. ففي مطلع القرن الحالي، كانت معدلات التشغيل في أوروبا أدنى بكثير من مستوياتها الأميركية، قبل أن تبدأ القارة رحلة طويلة من الإصلاحات رفعت خلالها مشاركة السكان في سوق العمل، إلى درجة تجاوز الولايات المتحدة في عدد من الفئات العمرية الرئيسية.
وهذا التحول يجعل من الصعب تحميل دولة الرفاه مسؤولية اتساع فجوة النمو الحالية بين الاقتصادين. فإذا كانت برامج الرعاية الاجتماعية تمنع الأوروبيين من العمل، فمن الصعب تفسير كيف استطاعت القارة نفسها رفع معدلات تشغيلها بهذه القوة في ظل استمرار تلك البرامج.
وجاء النجاح نتيجة إصلاحات تراكمية في أسواق العمل والمعاشات والحوافز، نفذت في معظمها على المستوى الوطني، وليس من خلال تشريعات موحدة يفرضها الاتحاد الأوروبي. وقد أثبتت التجربة أن التغييرات الصغيرة والمتواصلة تستطيع إحداث تحول اقتصادي عميق عندما تستمر لسنوات.
نساء أوروبا
كان ارتفاع مشاركة النساء في سوق العمل أحد المحركات الرئيسية لهذا التحول. فمقارنة بالولايات المتحدة، استطاعت الاقتصادات الأوروبية زيادة معدلات تشغيل النساء في الفئة العمرية الأساسية، بما وسع قاعدة العمالة ورفع نسبة السكان المشاركين فعلياً في النشاط الاقتصادي.
وفي الوقت نفسه، تمكنت أوروبا من معالجة واحدة من أبرز مشكلاتها في تسعينيات القرن الماضي، وهي التقاعد المبكر. فقد دفعت تعديلات المعاشات والحوافز أعداداً أكبر من كبار السن إلى الاستمرار في وظائفهم، من دون أن تظهر أدلة على أن ذلك جاء على حساب فرص الشباب. وبهذا استطاعت الاقتصادات الأوروبية زيادة المعروض من العمالة من أكثر من اتجاه في الوقت نفسه.
الاستثناء الفرنسي
مع ذلك، لا تتحرك الاقتصادات الأوروبية بالسرعة نفسها، وتقدم فرنسا مثالاً واضحاً على تكلفة تأخر الإصلاحات. فقد ظلت معدلات التوظيف فيها أدنى من عدد من الاقتصادات الأوروبية الأخرى، في ظل الصعوبات السياسية والاجتماعية المتكررة التي واجهتها الحكومات عند محاولة تعديل نظام التقاعد ورفع السن الفعلية للخروج من سوق العمل.
ورغم ذلك، تمكنت فرنسا من تضييق الفجوة مع الولايات المتحدة في تشغيل الفئات الأكبر سناً، ما يعزز فكرة أن الإصلاحات حتى عندما تكون جزئية أو بطيئة يمكن أن تحقق نتائج ملموسة. لكن تجربتها تكشف أيضاً أن الحفاظ على مكاسب سوق العمل يتطلب استمرار التعديلات وعدم التعامل معها باعتبارها عملية تنتهي بمجرد إقرار حزمة إصلاحية واحدة.