تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬الأدوار‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الكبرى

QSP…144

تكشف‭ ‬التجربة‭ ‬اليابانية‭ ‬أن‭ ‬الاختلالات‭ ‬التجارية‭ ‬لا‭ ‬ترتبط‭ ‬دائماً‭ ‬بعوامل‭ ‬ظرفية‭ ‬أو‭ ‬مؤقتة،‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تستمر‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬رغم‭ ‬تغير‭ ‬الظروف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسات‭ ‬المتبعة‭. ‬فقد‭ ‬ظل‭ ‬الفائض‭ ‬التجاري‭ ‬الياباني‭ ‬قائماً‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬العجز‭ ‬الأميركي‭ ‬لنحو‭ ‬عقدين،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تنجح‭ ‬الدراسات‭ ‬والتحليلات‭ ‬المتعاقبة‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬تفسير‭ ‬موحد‭ ‬وشامل‭ ‬لهذه‭ ‬الظاهرة،‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬سياسة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬معالجتها‭ ‬بصورة‭ ‬نهائية‭.‬
وعلى‭ ‬مدى‭ ‬هذه‭ ‬الفترة،‭ ‬تناول‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الأبحاث‭ ‬والدراسات‭ ‬التجربة‭ ‬اليابانية،‭ ‬كما‭ ‬قدم‭ ‬اقتصاديون‭ ‬ومستشارون‭ ‬وخبراء‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬دولية،‭ ‬بينها‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬وصندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي،‭ ‬تفسيرات‭ ‬متعددة‭ ‬للاختلالات‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تعدد‭ ‬المقاربات‭ ‬لم‭ ‬يفضِ‭ ‬إلى‭ ‬إجماع‭ ‬واضح‭ ‬حول‭ ‬أسباب‭ ‬استمرارها،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬تعقيد‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬التجارة‭ ‬والتدفقات‭ ‬المالية‭ ‬والادخار‭ ‬والاستهلاك‭.‬

التقدم‭ ‬العالمي

وتزداد‭ ‬الصورة‭ ‬تعقيداً‭ ‬عند‭ ‬مقارنتها‭ ‬بقدرة‭ ‬علوم‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬مسائل‭ ‬بالغة‭ ‬التعقيد‭. ‬فقد‭ ‬نجح‭ ‬علماء‭ ‬الفيزياء‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬تقنيات‭ ‬مكّنت‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الفضاء،‭ ‬وتمكن‭ ‬علماء‭ ‬الأحياء‭ ‬من‭ ‬تحديد‭ ‬فيروسات‭ ‬خطيرة‭ ‬وتطوير‭ ‬لقاحات‭ ‬لمواجهتها،‭ ‬فيما‭ ‬أسهم‭ ‬مهندسو‭ ‬المعلومات‭ ‬في‭ ‬إنشاء‭ ‬شبكة‭ ‬الإنترنت‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬ظل‭ ‬تفسير‭ ‬اختلال‭ ‬استمر‭ ‬قرابة‭ ‬عقدين‭ ‬وأثر‭ ‬في‭ ‬اقتصادين‭ ‬من‭ ‬الأكبر‭ ‬والأكثر‭ ‬تقدماً‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬موضع‭ ‬خلاف‭ ‬بين‭ ‬الاقتصاديين‭.‬
ويأخذ‭ ‬هذا‭ ‬الاختلال‭ ‬بعداً‭ ‬أوسع‭ ‬عند‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الصين‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وإلى‭ ‬الفوارق‭ ‬المؤسسية‭ ‬التي‭ ‬تميز‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الآسيوية‭ ‬عن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬الأنظمة‭ ‬المالية‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬توجيه‭ ‬المدخرات‭ ‬ورؤوس‭ ‬الأموال‭.‬
فالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تمتلك‭ ‬نظاماً‭ ‬مالياً‭ ‬متطوراً‭ ‬وأسواقاً‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬كميات‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬الأجنبية‭. ‬وقد‭ ‬أتاح‭ ‬ذلك‭ ‬تدفق‭ ‬الأموال‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي،‭ ‬بما‭ ‬ساعد‭ ‬على‭ ‬تمويل‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬من‭ ‬الاستهلاك‭ ‬والاستثمار،‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬انخفاض‭ ‬معدل‭ ‬الادخار‭ ‬المحلي‭.‬

تطوير‭ ‬الانظمة‭ ‬المالية

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬واجهت‭ ‬اقتصادات‭ ‬آسيوية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬اليابان‭ ‬والصين،‭ ‬قيوداً‭ ‬مرتبطة‭ ‬بمدى‭ ‬تطور‭ ‬أنظمتها‭ ‬المالية‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬المدخرات‭ ‬المحلية‭ ‬إلى‭ ‬استهلاك‭ ‬واستثمارات‭ ‬بالقدر‭ ‬الكافي،‭ ‬ومع‭ ‬تراكم‭ ‬المدخرات،‭ ‬ظل‭ ‬الطلب‭ ‬المحلي‭ ‬على‭ ‬الاستثمار‭ ‬والاستهلاك‭ ‬دون‭ ‬مستوى‭ ‬الموارد‭ ‬المتاحة،‭ ‬لتتجه‭ ‬نسبة‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الأموال‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬فرص‭ ‬توظيف‭ ‬أكثر‭ ‬اتساعاً‭.‬
وهنا‭ ‬برزت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬كوجهة‭ ‬رئيسية‭ ‬لاستيعاب‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬الفوائض‭ ‬الآسيوية‭. ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬توظيف‭ ‬كامل‭ ‬المدخرات‭ ‬داخل‭ ‬اقتصاداتها‭ ‬المحلية،‭ ‬اتجه‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬الخارجية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬السوق‭ ‬الأميركية،‭ ‬لتتشكل‭ ‬علاقة‭ ‬مترابطة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تدفق‭ ‬المدخرات‭ ‬والفوائض‭ ‬من‭ ‬جانب،‭ ‬وتمويل‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬الاستهلاك‭ ‬والاستثمار‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬من‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭.‬
يشكل‭ ‬التركيب‭ ‬السكاني‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬دعمت‭ ‬صعود‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني،‭ ‬إذ‭ ‬وفر‭ ‬للصين‭ ‬قاعدة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬العاملة‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية،‭ ‬ومن‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تظل‭ ‬هذه‭ ‬الميزة‭ ‬مؤثرة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬التالية‭. ‬ومع‭ ‬استمرار‭ ‬العولمة‭ ‬وازدهار‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭ ‬منذ‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬اكتسبت‭ ‬الدول‭ ‬ذات‭ ‬القاعدة‭ ‬السكانية‭ ‬النشطة‭ ‬أهمية‭ ‬متزايدة‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬الإنتاج‭ ‬والاستثمار‭ ‬العالميين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬منح‭ ‬الصين‭ ‬ميزة‭ ‬إضافية‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬نموها‭ ‬السريع‭.‬
ويشير‭ ‬التشابه‭ ‬بين‭ ‬التركيبة‭ ‬السكانية‭ ‬للصين‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الحالية‭ ‬ونظيرتها‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬عام‭ ‬1975‭ ‬إلى‭ ‬حجم‭ ‬هذه‭ ‬الميزة‭. ‬فقد‭ ‬حافظ‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الياباني‭ ‬على‭ ‬وتيرة‭ ‬نمو‭ ‬قوية‭ ‬لنحو‭ ‬15‭ ‬عاماً‭ ‬بعد‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يدعم‭ ‬الرأي‭ ‬القائل‭ ‬إن‭ ‬الصين‭ ‬كانت‭ ‬تمتلك‭ ‬آنذاك‭ ‬هامشاً‭ ‬زمنياً‭ ‬إضافياً‭ ‬للاستفادة‭ ‬من‭ ‬تركيبتها‭ ‬السكانية‭ ‬ودعم‭ ‬نموها‭ ‬الاقتصادي‭.‬
ولم‭ ‬يكن‭ ‬العامل‭ ‬السكاني‭ ‬منفصلاً‭ ‬عن‭ ‬تطور‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬بدورها‭ ‬عنصراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬جذب‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬الأجنبية‭ ‬وربط‭ ‬مناطقها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بعضها‭ ‬ببعض‭. ‬فقد‭ ‬توسعت‭ ‬شبكات‭ ‬الاتصالات‭ ‬والنقل‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة،‭ ‬وتطورت‭ ‬شبكة‭ ‬السكك‭ ‬الحديدية‭ ‬فائقة‭ ‬السرعة،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬الاستثمارات‭ ‬في‭ ‬المطارات‭ ‬وشبكات‭ ‬المترو‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المرافق‭ ‬الأساسية‭.‬

حركة‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال
من‭ ‬جهة‭ ‬اخرى،‭ ‬هذه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬لم‭ ‬تحقق‭ ‬عائد‭ ‬مباشر‭ ‬وفوري‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الحالات،‭ ‬إذ‭ ‬ارتبط‭ ‬جانب‭ ‬مهم‭ ‬منها‭ ‬ببناء‭ ‬قاعدة‭ ‬مادية‭ ‬تدعم‭ ‬حركة‭ ‬العمالة‭ ‬والسلع‭ ‬ورؤوس‭ ‬الأموال،‭ ‬وتساعد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني‭ ‬على‭ ‬الاندماج‭ ‬بصورة‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭. ‬وتمتعت‭ ‬مناطق‭ ‬اقتصادية‭ ‬رئيسية،‭ ‬مثل‭ ‬دلتا‭ ‬نهر‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬ودلتا‭ ‬نهر‭ ‬اليانغتسي،‭ ‬بمستويات‭ ‬متقدمة‭ ‬من‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬بينما‭ ‬عملت‭ ‬مناطق‭ ‬وسط‭ ‬الصين‭ ‬وغربها‭ ‬على‭ ‬تحسين‭ ‬بيئتها‭ ‬الاستثمارية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توسيع‭ ‬شبكات‭ ‬النقل‭ ‬والخدمات‭ ‬والمرافق‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬تلك‭ ‬الاستثمارات‭ ‬لم‭ ‬يحقق‭ ‬النتائج‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المستهدفة‭ ‬بالسرعة‭ ‬المتوقعة،‭ ‬فإنها‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬إحداث‭ ‬حركة‭ ‬واسعة‭ ‬للقوى‭ ‬العاملة‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬الداخلية‭ ‬باتجاه‭ ‬المناطق‭ ‬الساحلية‭ ‬الأكثر‭ ‬نشاطاً‭. ‬وأتاح‭ ‬تحسن‭ ‬شبكات‭ ‬النقل‭ ‬انتقال‭ ‬العمالة،‭ ‬كما‭ ‬نشأت‭ ‬آثار‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬تدفق‭ ‬التحويلات‭ ‬المالية‭ ‬والمعرفة‭ ‬والمهارات‭ ‬إلى‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬غادرها‭ ‬العاملون،‭ ‬بما‭ ‬ساعد‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬فيها‭.‬
ومع‭ ‬انخفاض‭ ‬تكاليف‭ ‬النقل‭ ‬والمعاملات‭ ‬تدريجياً،‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬ربط‭ ‬الأعداد‭ ‬الكبيرة‭ ‬من‭ ‬العمالة‭ ‬الريفية‭ ‬بالمراكز‭ ‬الصناعية‭ ‬والتجارية‭ ‬على‭ ‬الساحل‭ ‬الشرقي‭. ‬وبالتزامن‭ ‬مع‭ ‬اندماج‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬باتت‭ ‬هذه‭ ‬القوة‭ ‬العاملة‭ ‬مرتبطة‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭ ‬بالطلب‭ ‬العالمي،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الإنتاج‭ ‬المحلي‭ ‬الموجه‭ ‬للتصدير‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالأسواق‭ ‬الخارجية‭.‬
في‭ ‬المقابل،‭ ‬أدى‭ ‬وفرة‭ ‬المعروض‭ ‬من‭ ‬العمالة‭ ‬إلى‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬الأجور‭ ‬على‭ ‬الارتفاع‭ ‬بسرعة‭. ‬فدخل‭ ‬العمال‭ ‬القادمين‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬الريفية‭ ‬كان‭ ‬قريباً‭ ‬من‭ ‬مستوى‭ ‬تغطية‭ ‬تكاليف‭ ‬المعيشة‭ ‬الأساسية،‭ ‬بينما‭ ‬ارتفع‭ ‬قليلاً‭ ‬في‭ ‬المدن،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬تدفق‭ ‬فائض‭ ‬العمالة‭ ‬الريفية‭ ‬إلى‭ ‬المراكز‭ ‬الحضرية‭ ‬وارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬البطالة‭ ‬فيها‭. ‬ولذلك‭ ‬ظلت‭ ‬تكلفة‭ ‬العمالة‭ ‬منخفضة‭ ‬نسبياً‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬شكل‭ ‬إحدى‭ ‬المزايا‭ ‬الرئيسية‭ ‬للصناعة‭ ‬الصينية‭.‬
ولم‭ ‬تقتصر‭ ‬وفرة‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬على‭ ‬العمالة‭ ‬التقليدية،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬الكفاءات‭ ‬المتخصصة‭. ‬فقد‭ ‬حققت‭ ‬الصين‭ ‬تقدماً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬الأساسي‭ ‬والتعليم‭ ‬العالي،‭ ‬وأصبحت‭ ‬أعداد‭ ‬المهندسين‭ ‬الذين‭ ‬يتم‭ ‬تدريبهم‭ ‬سنوياً‭ ‬في‭ ‬البر‭ ‬الرئيسي‭ ‬الصيني‭ ‬تتجاوز،‭ ‬وفق‭ ‬المقارنة‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬الدراسة،‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تايوان‭ ‬وهونغ‭ ‬كونغ‭ ‬تدربانه‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬10‭ ‬و20‭ ‬عاماً‭.‬
وهذه‭ ‬التركيبة‭ ‬من‭ ‬العمالة‭ ‬منخفضة‭ ‬التكلفة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬قاعدة‭ ‬متنامية‭ ‬من‭ ‬الكفاءات‭ ‬العلمية‭ ‬والفنية،‭ ‬جعلت‭ ‬الصين‭ ‬بيئة‭ ‬جذابة‭ ‬للشركات‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات‭. ‬فقد‭ ‬وجدت‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬إمكانية‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬العاملة‭ ‬الصينية،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬العمالة‭ ‬المتخصصة،‭ ‬وبين‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬ورؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة،‭ ‬بما‭ ‬أتاح‭ ‬لها‭ ‬الإنتاج‭ ‬داخل‭ ‬السوق‭ ‬الصينية‭ ‬وتعزيز‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الدولية‭.‬
الشركات‭ ‬الأجنبية

كما‭ ‬أتاح‭ ‬العمل‭ ‬داخل‭ ‬الصين‭ ‬للشركات‭ ‬الأجنبية‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬بيئة‭ ‬تشغيلية‭ ‬منخفضة‭ ‬التكلفة،‭ ‬مع‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بقدر‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬السيطرة‭ ‬المباشرة‭ ‬على‭ ‬عمليات‭ ‬الإنتاج‭. ‬وأصبحت‭ ‬كلفة‭ ‬إقامة‭ ‬وتشغيل‭ ‬مشروعات‭ ‬إنتاجية‭ ‬في‭ ‬الصين،‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الشركات،‭ ‬أكثر‭ ‬جاذبية‭ ‬من‭ ‬توجيه‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬إلى‭ ‬استثمارات‭ ‬مالية‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة،‭ ‬ما‭ ‬عزز‭ ‬موقع‭ ‬الصين‭ ‬كمركز‭ ‬للإنتاج‭ ‬وربطها‭ ‬بصورة‭ ‬أعمق‭ ‬بحركة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭.‬
ويرتبط‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬بطبيعة‭ ‬النظامين‭ ‬المالي‭ ‬والقانوني‭ ‬في‭ ‬الصين‭. ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬اتساع‭ ‬حجم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وتعدد‭ ‬فرص‭ ‬الاستثمار،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬الصيني‭ ‬قادراً‭ ‬بالقدر‭ ‬الكافي‭ ‬على‭ ‬تقييم‭ ‬المخاطر‭ ‬والعوائد‭ ‬المرتبطة‭ ‬بآلاف‭ ‬المشاريع‭ ‬الاستثمارية‭ ‬الصغيرة‭ ‬والكبيرة،‭ ‬ما‭ ‬حد‭ ‬من‭ ‬كفاءة‭ ‬تخصيص‭ ‬الموارد‭. ‬وتشير‭ ‬التقديرات‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬20‭ ‬و30‭% ‬من‭ ‬المدخرات‭ ‬المصرفية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬استثمارات‭ ‬مباشرة،‭ ‬فيما‭ ‬اتجه‭ ‬الجزء‭ ‬الآخر‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬إلى‭ ‬شراء‭ ‬السندات‭ ‬الحكومية‭.‬
وأعادت‭ ‬الحكومة‭ ‬توظيف‭ ‬هذه‭ ‬الموارد‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬بما‭ ‬ساعد‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬معدل‭ ‬نمو‭ ‬سنوي‭ ‬للناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬8‭ %‬‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭. ‬وبذلك‭ ‬لعب‭ ‬القطاع‭ ‬المصرفي،‭ ‬بصورة‭ ‬غير‭ ‬مباشرة،‭ ‬دوراً‭ ‬في‭ ‬تمويل‭ ‬التوسع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬القنوات‭ ‬التي‭ ‬تتيحها‭ ‬الدولة،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬ترك‭ ‬عملية‭ ‬تخصيص‭ ‬المدخرات‭ ‬بالكامل‭ ‬لآليات‭ ‬السوق‭.‬

حماية‭ ‬الملكية‭ ‬الفكرية
وفي‭ ‬الجانب‭ ‬القانوني،‭ ‬حققت‭ ‬الصين‭ ‬تقدماً‭ ‬ملحوظاً‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الإطار‭ ‬التشريعي‭ ‬وترسيخ‭ ‬القواعد‭ ‬المنظمة‭ ‬للنشاط‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬حماية‭ ‬حقوق‭ ‬الملكية‭ ‬وضمان‭ ‬تنفيذ‭ ‬العقود‭ ‬ظلا‭ ‬من‭ ‬المجالات‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التطوير‭. ‬وانعكست‭ ‬هذه‭ ‬الثغرات‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬وكفاءة‭ ‬النظام‭ ‬المصرفي‭ ‬وسوق‭ ‬رأس‭ ‬المال،‭ ‬كما‭ ‬أثرت‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬على‭ ‬توجيه‭ ‬المدخرات‭ ‬نحو‭ ‬الاستخدامات‭ ‬الأكثر‭ ‬كفاءة‭.‬
ومن‭ ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬المسار‭ ‬الذي‭ ‬اتخذه‭ ‬النمو‭ ‬الصيني،‭ ‬إذ‭ ‬تداخلت‭ ‬خصائص‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬الواسعة‭ ‬ومنخفضة‭ ‬التكلفة‭ ‬مع‭ ‬طبيعة‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬والقانونية‭ ‬المحلية‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬اتخذ‭ ‬الاستثمار‭ ‬الأجنبي‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬كبير‭ ‬منه‭ ‬شكل‭ ‬إقامة‭ ‬شركات‭ ‬ومشروعات‭ ‬إنتاجية،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاقتصار‭ ‬على‭ ‬استثمارات‭ ‬مالية‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المحلية‭. ‬وتشير‭ ‬البيانات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬60‭ % ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الاستثمار‭ ‬كان‭ ‬موجهاً‭ ‬إلى‭ ‬قطاع‭ ‬التصنيع‭.‬
وكانت‭ ‬هذه‭ ‬التركيبة‭ ‬عاملاً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬جذب‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬الأجنبية‭ ‬إلى‭ ‬الصين؛‭ ‬فالشركات‭ ‬الدولية‭ ‬وجدت‭ ‬في‭ ‬العمالة‭ ‬منخفضة‭ ‬التكلفة‭ ‬بيئة‭ ‬مناسبة‭ ‬للإنتاج،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أتاحت‭ ‬لها‭ ‬طبيعة‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬والقانوني‭ ‬الصيني‭ ‬توجيه‭ ‬استثماراتها‭ ‬إلى‭ ‬مشروعات‭ ‬فعلية‭ ‬يمكنها‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬عملياتها‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬المحلي‭.‬
ويظهر‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬تدفقات‭ ‬الاستثمار‭ ‬الأجنبي‭ ‬المباشر‭ ‬إلى‭ ‬الصين،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬تتجه‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬اقتصادات‭ ‬تمتلك‭ ‬بالفعل‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬من‭ ‬رأس‭ ‬المال‭. ‬ومنذ‭ ‬عام‭ ‬1994،‭ ‬حافظت‭ ‬الحسابات‭ ‬الصينية‭ ‬على‭ ‬فائض،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬ارتفاع‭ ‬المدخرات‭ ‬المحلية‭ ‬وتكوين‭ ‬فائض‭ ‬صافٍ‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬المال،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬مستقبِلاً‭ ‬مهماً‭ ‬للاستثمار‭ ‬الأجنبي‭ ‬ومن‭ ‬الاقتصادات‭ ‬التي‭ ‬تراكم‭ ‬لديها‭ ‬فائض‭ ‬في‭ ‬الموارد‭ ‬المالية‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الصعود‭ ‬السريع‭ ‬لم‭ ‬يقتصر‭ ‬أثره‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني،‭ ‬بل‭ ‬فرض‭ ‬ضغوطاً‭ ‬تنافسية‭ ‬متزايدة‭ ‬على‭ ‬اقتصادات‭ ‬أخرى،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬الدول‭ ‬الآسيوية‭ ‬المجاورة‭. ‬فقد‭ ‬تحولت‭ ‬الصين‭ ‬إلى‭ ‬وجهة‭ ‬رئيسية‭ ‬لكمية‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الاستثمار‭ ‬الأجنبي‭ ‬المباشر،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬توسعت‭ ‬فيه‭ ‬صادراتها‭ ‬بسرعة‭ ‬داخل‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭.‬

رجوع لأعلى