إعادة توزيع الأدوار بين القوى الاقتصادية الكبرى
تكشف التجربة اليابانية أن الاختلالات التجارية لا ترتبط دائماً بعوامل ظرفية أو مؤقتة، بل يمكن أن تستمر لسنوات طويلة رغم تغير الظروف الاقتصادية والسياسات المتبعة. فقد ظل الفائض التجاري الياباني قائماً في مقابل العجز الأميركي لنحو عقدين، من دون أن تنجح الدراسات والتحليلات المتعاقبة في الوصول إلى تفسير موحد وشامل لهذه الظاهرة، أو إلى سياسة قادرة على معالجتها بصورة نهائية.
وعلى مدى هذه الفترة، تناول عدد كبير من الأبحاث والدراسات التجربة اليابانية، كما قدم اقتصاديون ومستشارون وخبراء في مؤسسات دولية، بينها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، تفسيرات متعددة للاختلالات في الاقتصاد العالمي. إلا أن تعدد المقاربات لم يفضِ إلى إجماع واضح حول أسباب استمرارها، بما يعكس تعقيد العلاقة بين التجارة والتدفقات المالية والادخار والاستهلاك.
التقدم العالمي
وتزداد الصورة تعقيداً عند مقارنتها بقدرة علوم أخرى على التعامل مع مسائل بالغة التعقيد. فقد نجح علماء الفيزياء في تطوير تقنيات مكّنت الإنسان من الوصول إلى الفضاء، وتمكن علماء الأحياء من تحديد فيروسات خطيرة وتطوير لقاحات لمواجهتها، فيما أسهم مهندسو المعلومات في إنشاء شبكة الإنترنت. وفي المقابل، ظل تفسير اختلال استمر قرابة عقدين وأثر في اقتصادين من الأكبر والأكثر تقدماً في العالم موضع خلاف بين الاقتصاديين.
ويأخذ هذا الاختلال بعداً أوسع عند النظر إلى العلاقة بين الصين والولايات المتحدة، وإلى الفوارق المؤسسية التي تميز الاقتصادات الآسيوية عن الاقتصاد الأميركي، خصوصاً في بنية الأنظمة المالية وقدرتها على توجيه المدخرات ورؤوس الأموال.
فالولايات المتحدة تمتلك نظاماً مالياً متطوراً وأسواقاً قادرة على استقطاب كميات ضخمة من رؤوس الأموال الأجنبية. وقد أتاح ذلك تدفق الأموال من الخارج إلى الاقتصاد الأميركي، بما ساعد على تمويل مستويات مرتفعة من الاستهلاك والاستثمار، حتى مع انخفاض معدل الادخار المحلي.
تطوير الانظمة المالية
وفي المقابل، واجهت اقتصادات آسيوية، من بينها اليابان والصين، قيوداً مرتبطة بمدى تطور أنظمتها المالية وقدرتها على تحويل المدخرات المحلية إلى استهلاك واستثمارات بالقدر الكافي، ومع تراكم المدخرات، ظل الطلب المحلي على الاستثمار والاستهلاك دون مستوى الموارد المتاحة، لتتجه نسبة من تلك الأموال إلى الخارج بحثاً عن فرص توظيف أكثر اتساعاً.
وهنا برزت الولايات المتحدة كوجهة رئيسية لاستيعاب جانب من الفوائض الآسيوية. فبدلاً من توظيف كامل المدخرات داخل اقتصاداتها المحلية، اتجه جزء كبير منها إلى الأسواق الخارجية، وفي مقدمتها السوق الأميركية، لتتشكل علاقة مترابطة بين الطرفين تقوم على تدفق المدخرات والفوائض من جانب، وتمويل جانب من الاستهلاك والاستثمار من الخارج من الجانب الآخر.
يشكل التركيب السكاني أحد أبرز العوامل التي دعمت صعود الاقتصاد الصيني، إذ وفر للصين قاعدة واسعة من القوى العاملة خلال العقود الماضية، ومن المتوقع أن تظل هذه الميزة مؤثرة خلال السنوات التالية. ومع استمرار العولمة وازدهار الاقتصادات المتقدمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، اكتسبت الدول ذات القاعدة السكانية النشطة أهمية متزايدة في حركة الإنتاج والاستثمار العالميين، وهو ما منح الصين ميزة إضافية في مسار نموها السريع.
ويشير التشابه بين التركيبة السكانية للصين في المرحلة الحالية ونظيرتها في اليابان عام 1975 إلى حجم هذه الميزة. فقد حافظ الاقتصاد الياباني على وتيرة نمو قوية لنحو 15 عاماً بعد تلك المرحلة، وهو ما يدعم الرأي القائل إن الصين كانت تمتلك آنذاك هامشاً زمنياً إضافياً للاستفادة من تركيبتها السكانية ودعم نموها الاقتصادي.
ولم يكن العامل السكاني منفصلاً عن تطور البنية التحتية، التي أصبحت بدورها عنصراً رئيسياً في قدرة الصين على جذب رؤوس الأموال الأجنبية وربط مناطقها الاقتصادية بعضها ببعض. فقد توسعت شبكات الاتصالات والنقل بصورة كبيرة، وتطورت شبكة السكك الحديدية فائقة السرعة، بالتوازي مع الاستثمارات في المطارات وشبكات المترو وغيرها من المرافق الأساسية.
حركة رؤوس الأموال
من جهة اخرى، هذه الاستثمارات لم تحقق عائد مباشر وفوري في جميع الحالات، إذ ارتبط جانب مهم منها ببناء قاعدة مادية تدعم حركة العمالة والسلع ورؤوس الأموال، وتساعد الاقتصاد الصيني على الاندماج بصورة أعمق في الاقتصاد العالمي. وتمتعت مناطق اقتصادية رئيسية، مثل دلتا نهر اللؤلؤ ودلتا نهر اليانغتسي، بمستويات متقدمة من البنية التحتية، بينما عملت مناطق وسط الصين وغربها على تحسين بيئتها الاستثمارية من خلال توسيع شبكات النقل والخدمات والمرافق.
ورغم أن بعض تلك الاستثمارات لم يحقق النتائج الاقتصادية المستهدفة بالسرعة المتوقعة، فإنها أسهمت في إحداث حركة واسعة للقوى العاملة من المناطق الداخلية باتجاه المناطق الساحلية الأكثر نشاطاً. وأتاح تحسن شبكات النقل انتقال العمالة، كما نشأت آثار غير مباشرة تمثلت في تدفق التحويلات المالية والمعرفة والمهارات إلى المناطق التي غادرها العاملون، بما ساعد على دعم النشاط الاقتصادي فيها.
ومع انخفاض تكاليف النقل والمعاملات تدريجياً، أصبح من الممكن ربط الأعداد الكبيرة من العمالة الريفية بالمراكز الصناعية والتجارية على الساحل الشرقي. وبالتزامن مع اندماج الصين في الاقتصاد العالمي، باتت هذه القوة العاملة مرتبطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالطلب العالمي، سواء من خلال الإنتاج المحلي الموجه للتصدير أو عبر سلاسل الإمداد المرتبطة بالأسواق الخارجية.
في المقابل، أدى وفرة المعروض من العمالة إلى الحد من قدرة الأجور على الارتفاع بسرعة. فدخل العمال القادمين من المناطق الريفية كان قريباً من مستوى تغطية تكاليف المعيشة الأساسية، بينما ارتفع قليلاً في المدن، في ظل استمرار تدفق فائض العمالة الريفية إلى المراكز الحضرية وارتفاع معدلات البطالة فيها. ولذلك ظلت تكلفة العمالة منخفضة نسبياً لفترة طويلة، وهو ما شكل إحدى المزايا الرئيسية للصناعة الصينية.
ولم تقتصر وفرة الموارد البشرية على العمالة التقليدية، بل امتدت إلى الكفاءات المتخصصة. فقد حققت الصين تقدماً كبيراً في التعليم الأساسي والتعليم العالي، وأصبحت أعداد المهندسين الذين يتم تدريبهم سنوياً في البر الرئيسي الصيني تتجاوز، وفق المقارنة الواردة في الدراسة، ما كانت تايوان وهونغ كونغ تدربانه خلال فترة تتراوح بين 10 و20 عاماً.
وهذه التركيبة من العمالة منخفضة التكلفة، إلى جانب قاعدة متنامية من الكفاءات العلمية والفنية، جعلت الصين بيئة جذابة للشركات متعددة الجنسيات. فقد وجدت هذه الشركات إمكانية الجمع بين القوى العاملة الصينية، بما فيها العمالة المتخصصة، وبين التكنولوجيا ورؤوس الأموال القادمة من الاقتصادات المتقدمة، بما أتاح لها الإنتاج داخل السوق الصينية وتعزيز قدرتها على المنافسة في الأسواق الدولية.
الشركات الأجنبية
كما أتاح العمل داخل الصين للشركات الأجنبية الاستفادة من بيئة تشغيلية منخفضة التكلفة، مع الاحتفاظ بقدر أكبر من السيطرة المباشرة على عمليات الإنتاج. وأصبحت كلفة إقامة وتشغيل مشروعات إنتاجية في الصين، بالنسبة إلى العديد من الشركات، أكثر جاذبية من توجيه رؤوس الأموال إلى استثمارات مالية في الاقتصادات المتقدمة، ما عزز موقع الصين كمركز للإنتاج وربطها بصورة أعمق بحركة الاقتصاد العالمي.
ويرتبط جانب من هذه الصورة بطبيعة النظامين المالي والقانوني في الصين. فعلى الرغم من اتساع حجم الاقتصاد وتعدد فرص الاستثمار، لم يكن النظام المالي الصيني قادراً بالقدر الكافي على تقييم المخاطر والعوائد المرتبطة بآلاف المشاريع الاستثمارية الصغيرة والكبيرة، ما حد من كفاءة تخصيص الموارد. وتشير التقديرات الواردة في الدراسة إلى أن ما بين 20 و30% من المدخرات المصرفية لم تكن تدخل في استثمارات مباشرة، فيما اتجه الجزء الآخر بدرجة كبيرة إلى شراء السندات الحكومية.
وأعادت الحكومة توظيف هذه الموارد في مشاريع البنية التحتية، بما ساعد على دعم النشاط الاقتصادي والحفاظ على معدل نمو سنوي للناتج المحلي الإجمالي في حدود 8 % خلال تلك المرحلة. وبذلك لعب القطاع المصرفي، بصورة غير مباشرة، دوراً في تمويل التوسع الاقتصادي من خلال القنوات التي تتيحها الدولة، بدلاً من ترك عملية تخصيص المدخرات بالكامل لآليات السوق.
حماية الملكية الفكرية
وفي الجانب القانوني، حققت الصين تقدماً ملحوظاً في بناء الإطار التشريعي وترسيخ القواعد المنظمة للنشاط الاقتصادي، إلا أن حماية حقوق الملكية وضمان تنفيذ العقود ظلا من المجالات التي تحتاج إلى مزيد من التطوير. وانعكست هذه الثغرات على استقرار وكفاءة النظام المصرفي وسوق رأس المال، كما أثرت في قدرة النظام المالي على توجيه المدخرات نحو الاستخدامات الأكثر كفاءة.
ومن هنا يمكن فهم جانب من المسار الذي اتخذه النمو الصيني، إذ تداخلت خصائص سوق العمل الواسعة ومنخفضة التكلفة مع طبيعة المؤسسات المالية والقانونية المحلية. ونتيجة لذلك، اتخذ الاستثمار الأجنبي المباشر في الصين في جانب كبير منه شكل إقامة شركات ومشروعات إنتاجية، بدلاً من الاقتصار على استثمارات مالية في الأسواق المحلية. وتشير البيانات إلى أن نحو 60 % من هذا الاستثمار كان موجهاً إلى قطاع التصنيع.
وكانت هذه التركيبة عاملاً مهماً في جذب رؤوس الأموال الأجنبية إلى الصين؛ فالشركات الدولية وجدت في العمالة منخفضة التكلفة بيئة مناسبة للإنتاج، في حين أتاحت لها طبيعة النظام المالي والقانوني الصيني توجيه استثماراتها إلى مشروعات فعلية يمكنها التحكم في عملياتها بصورة مباشرة، بدلاً من الاعتماد على الاستثمارات المالية في سوق رأس المال المحلي.
ويظهر ذلك في استمرار تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الصين، في الوقت الذي كانت فيه رؤوس الأموال تتجه أيضاً إلى اقتصادات تمتلك بالفعل مستويات مرتفعة من رأس المال. ومنذ عام 1994، حافظت الحسابات الصينية على فائض، بما يعكس ارتفاع المدخرات المحلية وتكوين فائض صافٍ في رأس المال، وهو ما جعل الصين في الوقت نفسه مستقبِلاً مهماً للاستثمار الأجنبي ومن الاقتصادات التي تراكم لديها فائض في الموارد المالية.
غير أن هذا الصعود السريع لم يقتصر أثره على الاقتصاد الصيني، بل فرض ضغوطاً تنافسية متزايدة على اقتصادات أخرى، ولا سيما الدول الآسيوية المجاورة. فقد تحولت الصين إلى وجهة رئيسية لكمية كبيرة من الاستثمار الأجنبي المباشر، في الوقت الذي توسعت فيه صادراتها بسرعة داخل الأسواق العالمية.