النفط يقفز 4 % وبرنت يتجاوز 108 دولارات
قفزت أسعار النفط بنحو 4 % خلال تعاملات الاثنين، لتبدأ الأسواق أسبوعاً جديداً تحت ضغط متصاعد من المخاطر الجيوسياسية، بعدما تزامنت هجمات على سفن في منطقة مضيق هرمز مع توقف خط أنابيب «شرق–غرب» السعودي، في تطورات أعادت المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة إلى صدارة حسابات المستثمرين.
وبحلول الساعة 08:46 بتوقيت غرينتش، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت 3.47 دولار، أو 3.32 %، لتصل إلى 108.08 دولارات للبرميل، فيما صعدت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 3.30 دولارات، أو 3.30 %، إلى 103.35 دولارات للبرميل، بعدما سجل الخامان مكاسب قوية خلال الأسبوع الماضي. وأكدت أحدث التغطيات استمرار تداول برنت قرب مستوى 108 دولارات مع تصاعد المخاوف المتعلقة بالإمدادات.
علاوة المخاطر
لا تعكس القفزة الجديدة في الأسعار تغيراً تقليدياً في معادلة العرض والطلب بقدر ما تكشف اتساع «علاوة المخاطر» التي يضيفها المتعاملون إلى سعر البرميل، في ظل تزايد التهديدات التي تواجه طرق نقل الخام والمنشآت النفطية في المنطقة. ويكتسب ذلك أهمية استثنائية لأن التطورات الحالية لا تتركز في نقطة واحدة، وإنما تمتد من مضيق هرمز إلى البنية التحتية السعودية وطرق التصدير عبر البحر الأحمر.
وكان النفط قد ارتفع بنحو 8 % خلال الأسبوع الماضي بفعل الاضطرابات، متجاوزاً مستوى 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ يوليو، ما يعني أن السوق انتقلت سريعاً من مرحلة مراقبة المخاطر إلى تسعير احتمال حدوث نقص فعلي في الإمدادات.
وتزداد حساسية السوق كلما استمرت الأزمة، إذ إن الأسعار فوق 100 دولار تعيد إلى الواجهة مخاوف التضخم العالمي، وترفع فاتورة الطاقة على الاقتصادات المستوردة، كما تزيد تكاليف النقل والصناعة وتضع البنوك المركزية أمام معادلة أكثر تعقيداً في إدارة التضخم والنمو.
مضيق هرمز
جاءت أحدث موجة صعود بعد إعلان هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الأحد، إصابة سفينة في مضيق هرمز بقذيفة أدت إلى اندلاع حريق وإجلاء طاقمها، وهو تطور عزز المخاوف بشأن سلامة الملاحة في أحد أكثر الممرات البحرية أهمية لتجارة الطاقة العالمية.
وفي حادث منفصل، قالت إيران إن شخصاً واحداً لقي مصرعه وأصيب أربعة من أفراد طاقم سفينة تجارية إيرانية تعرضت لهجوم قبالة سواحلها. ومع توالي الحوادث، بات المتعاملون يراقبون ليس فقط كمية النفط المتاحة في السوق، وإنما قدرة الناقلات على عبور الممرات الحيوية بأمان، وكلفة التأمين والشحن المصاحبة لذلك.
وتظهر بيانات أولية لتتبع السفن أن حركة ناقلات السلع عبر هرمز ظلت خلال عطلة نهاية الأسبوع دون متوسط الأيام الأخيرة، ما يقدم مؤشراً إضافياً إلى أن المخاطر الأمنية بدأت تنعكس على حركة الملاحة نفسها، وليس على توقعات المستثمرين فحسب.
الشريان السعودي
المصدر الثاني للضغط على الأسعار يتمثل في توقف خط أنابيب «شرق–غرب» السعودي، الذي يمثل مساراً استراتيجياً لنقل النفط من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر، ويوفر منفذاً مهماً لتجاوز المخاطر المحيطة بمضيق هرمز.
وأكد مصدر مسؤول في وزارة الطاقة السعودية أن خط الأنابيب في منطقتي الرياض والمدينة المنورة تعرض صباح الخميس 10 سبتمبر لعدة استهدافات، ما دفع إلى إيقافه احترازياً، وأسفرت الهجمات عن وقوع إصابات جرى تقديم الرعاية الصحية لأصحابها.
وقالت السلطات السعودية إن فرق الطوارئ والفرق الفنية المختصة باشرت أعمالها فور وقوع الاستهدافات واتخذت الإجراءات اللازمة لتأمين الخط والتحقق من سلامته، وفق إجراءات السلامة وخطط الطوارئ المعتمدة.
وتكتسب هذه التطورات ثقلاً أكبر في السوق لأن الخط يؤدي دوراً محورياً كمسار بديل عندما تتعرض حركة الشحن في الخليج لضغوط. ومن ثم، فإن اجتماع مخاطر هرمز مع تعطل طريق بري بديل يضيق خيارات نقل الخام ويرفع حساسية الأسعار تجاه أي حادث جديد.
إمدادات آسيا
بدأت تداعيات الاضطرابات تنتقل بالفعل إلى حسابات المصافي الآسيوية، التي تترقب تطورات الشحنات السعودية وسط توقعات بتشدد المعروض من الخامات الكبريتية. وتواجه المصافي احتمال تأخر بعض الإمدادات أو ارتفاع المنافسة على خامات بديلة من منتجين آخرين في الخليج.
ويعني ذلك أن تأثير الأزمة قد يمتد إلى ما وراء السعر الفوري للبرميل، ليشمل فروق أسعار الخامات وتكاليف الشحن والتأمين وهوامش التكرير. وكلما طالت فترة توقف خط «شرق–غرب»، ازدادت الحاجة إلى إعادة ترتيب التدفقات التجارية، وهو ما قد يرفع التكلفة النهائية على المستوردين.
ويصبح عنصر الوقت حاسماً هنا؛ فالتوقف القصير يمكن استيعابه جزئياً عبر المخزونات وإعادة جدولة الشحنات، لكن استمرار الاضطراب يحول المشكلة تدريجياً إلى اختبار لقدرة منظومة الإمدادات الإقليمية على تعويض المسارات المتضررة.
سقف الأسعار
يرى محللون أن استمرار الاضطرابات قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من المكاسب. وقال محلل السوق في «آي.جي» توني سيكامور إن الخطر يتمثل في مواصلة الخام ارتفاعه باتجاه أعلى مستوى سجله في أوائل مارس عند 119.48 دولاراً، ما لم تحدث انفراجة عملية على المسار الدبلوماسي أو تتم إعادة تشغيل خط الأنابيب السعودي سريعاً.
ويعني الاقتراب من 120 دولاراً دخول السوق منطقة سعرية أكثر حساسية للاقتصاد العالمي. فارتفاع النفط لا يبقى محصوراً داخل أسواق الطاقة، وإنما ينتقل إلى أسعار الوقود والنقل والمنتجات الصناعية، وقد يبطئ مسار تراجع التضخم في الاقتصادات الكبرى ويغير توقعات أسعار الفائدة.
وفي المقابل، تبقى سرعة استعادة تدفقات النفط عاملاً قادراً على سحب جزء كبير من علاوة المخاطر. لذلك لا يراهن المستثمرون على اتجاه واحد، وإنما يراقبون بصورة متزامنة التطورات العسكرية وحالة المنشآت ومسارات الشحن والاتصالات السياسية.
مسار التهدئة
كان الاجتماع المزمع عقده في سلطنة عُمان بين دول الخليج وإيران يمثل نافذة محتملة لخفض مستوى المخاطر، خصوصاً أنه كان مخصصاً لمناقشة مضيق هرمز. إلا أن وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي أعلن الأحد تأجيل الاجتماع الذي كان مقرراً الاثنين، من دون الإعلان عن موعد جديد.
ويمثل التأجيل انتكاسة للمسار الدبلوماسي في توقيت تحتاج فيه أسواق الطاقة إلى إشارات واضحة بشأن إمكانية احتواء التصعيد وضمان سلامة الملاحة. فكل يوم يمر من دون تقدم سياسي ملموس يبقي علاوة المخاطر مرتفعة ويجعل الأسعار أكثر استجابة للأخبار الأمنية.
ولم تُعقد محادثات سلام منذ انهيار الاتفاق المؤقت في يونيو، في الحرب التي بدأت قبل ستة أشهر، وهو ما يجعل فرص التوصل إلى تسوية سريعة محدودة ويزيد أهمية أي قناة إقليمية تستطيع خفض احتمالات التصعيد.
اختبار الأسواق
تدخل سوق النفط بذلك مرحلة تختلف عن الأسابيع السابقة؛ إذ لم يعد السؤال الرئيسي هو ما إذا كانت التوترات الجيوسياسية ستضيف بضعة دولارات إلى سعر البرميل، وإنما ما إذا كان تزامن تعطل طرق التصدير وتهديد الملاحة سيؤدي إلى نقص مستدام في الإمدادات المتاحة للمشترين. وإذا استمر توقف خط «شرق–غرب» بالتوازي مع اضطرابات هرمز، فقد تتزايد المنافسة بين المستوردين على الشحنات البديلة، بينما ترتفع تكاليف النقل والتأمين. أما عودة الخط للعمل واستقرار حركة الناقلات فستمنح السوق إشارة إلى أن المخاطر التشغيلية يمكن احتواؤها، وقد تحد من اندفاع الأسعار صعوداً.
في الوقت نفسه، تضيف الأسعار الحالية عبئاً جديداً على الاقتصاد العالمي. فبرنت فوق 108 دولارات يعني ارتفاع فاتورة الواردات للدول المستهلكة، واحتمال انتقال جزء من الزيادة إلى التضخم، بينما تستفيد الدول المصدرة مالياً من ارتفاع الإيرادات، وإن كانت تواجه في المقابل مخاطر أمنية وتشغيلية متزايدة على منشآت الإنتاج والتصدير.