أوروبا تدفع ثمن أمان الشتاء مبكرا
تدخل أوروبا موسم الشتاء وهي تواجه معادلة صعبة بين تكلفة شراء الغاز الآن ومخاطر عدم توافره لاحقاً، بعدما تراجعت مستويات المخزون مقارنة بالعام الماضي ومتوسط السنوات السابقة. فكل كمية تشتريها الدول والشركات وتضخها تحت الأرض تمنحها هامش أمان إضافياً عندما يرتفع الطلب على التدفئة، لكنها في الوقت نفسه تجمد رؤوس الأموال وتضيف تكاليف التمويل والتخزين قبل استخدام الغاز فعلياً.
وبلغت نسبة امتلاء مرافق تخزين الغاز الأوروبية نحو 69 % في 17 سبتمبر، مقابل 80.6 % في الفترة نفسها من العام الماضي، وأقل بكثير من متوسط يقارب 85 % خلال السنوات الخمس السابقة، وفق بيانات جمعية البنية التحتية للغاز في أوروبا. ويعني ذلك أن القارة تقترب من موسم الطلب المرتفع بهامش أمان أقل، فيما يبقى الطقس وأسعار الطاقة وتوافر الإمدادات الخارجية عوامل يصعب التنبؤ بها.
وتوفر المخزونات عادة ما بين 25 و30 % من استهلاك الاتحاد الأوروبي للغاز خلال الشتاء، وفق المفوضية الأوروبية، ما يجعلها عنصراً رئيسياً في أمن الطاقة. لكن رفع المخزون ليس مجانياً، لأن شراء الغاز قبل الحاجة إليه يعني تحمل تكلفة السلعة والتمويل وحجز السعة وضخه وسحبه، وهو ما يحول التخزين إلى نوع من التأمين الذي تُدفع تكلفته قبل معرفة ما إذا كانت الأزمة ستقع بالفعل.
فاتورة الأمان
تبدأ تكلفة التخزين من لحظة شراء الغاز، إذ تظل الأموال مرتبطة بالمخزون حتى استخدامه أو بيعه. وإذا جرى تمويل المشتريات بالاقتراض، تتراكم الفوائد طوال فترة الاحتفاظ بالإمدادات. ويظهر حجم هذا العبء في موازنة الجمعية المجرية لتخزين المواد الهيدروكربونية، حيث مثلت تكاليف التمويل 37 % من إجمالي التكاليف المخططة لأنشطتها خلال 2025.
ولا تتوقف النفقات عند التمويل، إذ يتحمل المشتري رسوم حجز مساحات التخزين وتكاليف ضخ الغاز وسحبه. ولذلك لا يكفي شراء الغاز صيفاً بسعر منخفض وبيعه شتاء بسعر أعلى، بل يجب أن يكون الفارق بين السعرين كبيراً بما يكفي لتغطية جميع هذه النفقات وتحقيق عائد اقتصادي.
كما تختلف الحسابات وفق نوع منشأة التخزين. فالكهوف الملحية يمكن أن تسمح بما يصل إلى 12 دورة سحب وإعادة تعبئة سنوياً، مقارنة بدورة واحدة عادة في الحقول المستنفدة أو الطبقات المائية. ورغم ارتفاع تكلفة إنشاء الكهوف الملحية لكل وحدة من السعة، فإن سرعة استخدامها المتكرر تمنحها مرونة أكبر لمواجهة تغير الطلب والأسعار.
وتصبح المشكلة أكثر تعقيداً عندما تختفي الحوافز التجارية للتخزين في الوقت الذي ترغب فيه الحكومات بزيادة المخزون. ففي يوليو، حذرت وكالة الاتحاد الأوروبي لتعاون منظمي الطاقة «إيسر» من أن التوترات في الشرق الأوسط رفعت الأسعار وقلصت الفارق المعتاد بين أسعار الصيف والشتاء، ما أضعف الجدوى التجارية من شراء الغاز وتخزينه.
وكانت نقطة البداية الأوروبية منخفضة بالفعل، إذ بلغت نسبة امتلاء المخزونات 28 % فقط في الأول من أبريل 2026. وقدرت «إيسر» أن تلبية الطلب الصيفي والوصول بالمخزون إلى 90 % قبل الشتاء يتطلبان زيادة واردات الغاز الطبيعي المسال بنحو 13 % مقارنة بمستويات 2025.
مرونة الشراء
لا يعني تأجيل المشتريات بالضرورة توفير الأموال، لأن الانتظار يحمل مخاطره الخاصة. فإذا جاء الشتاء بارداً وارتفع الطلب بالتزامن مع اضطراب الإمدادات، قد تضطر الشركات والحكومات إلى شراء الغاز بأسعار أعلى بكثير، أو مواجهة استنزاف سريع للمخزون. وحذر جاك شاربلز، من معهد أكسفورد لدراسات الطاقة، من أن شتاء بارداً ضمن المستويات المعتادة قد يترك المخزونات مستنزفة بشدة ويزيد احتياجات إعادة التعبئة لاحقاً.
وفي المقابل، قد يؤدي فرض مواعيد صارمة لملء المخازن إلى نتيجة عكسية، لأن إلزام المشترين بالشراء قبل تاريخ محدد يركز الطلب في فترة قصيرة ويمنح الموردين قدرة أكبر على رفع الأسعار. ولهذا عدل الاتحاد الأوروبي قواعد التخزين في 2025 ومددها حتى نهاية 2027، مع الإبقاء على مستهدف امتلاء يبلغ 90 %، لكنه سمح بتحقيقه في أي وقت بين الأول من أكتوبر والأول من ديسمبر بدلاً من موعد ثابت.
وتبرز أهمية هذه المرونة مع اعتماد أوروبا الكبير على الخارج. فقد استهلك الاتحاد الأوروبي نحو 339 مليار متر مكعب من الغاز خلال 2025، بما يعادل قرابة 8 % من الاستهلاك العالمي المقدر بنحو 4.29 تريليون متر مكعب، بينما لم يغط الإنتاج المحلي سوى نحو 10 % من احتياجات الاتحاد.
لكن تكلفة تأمين الإمدادات لا يتحملها التجار دائماً وحدهم. ففي ألمانيا، فُرضت خلال أزمة الطاقة في 2022 رسوم لتغطية تكلفة ملء مخزونات الغاز، وانتقلت إلى المستهلكين عبر الفواتير. وبلغت حصتها نحو 2.4 % من سعر الغاز للأسر وصغار العملاء ونحو 5 % لكبار العملاء، قبل أن تقرر برلين إلغاءها اعتباراً من يناير 2026 وتحميل الحكومة الاتحادية تكلفتها. وقُدرت الالتزامات المتراكمة التي سيتحملها صندوق المناخ والتحول بما يصل إلى 3.4 مليار يورو، ما يعني انتقال التكلفة من فاتورة المستهلك إلى المال العام.
الأمان له فاتورة دائمة
لا تقتصر معادلة التخزين على الغاز، إذ تواجه الدول المشكلة نفسها عند الاحتفاظ باحتياطيات النفط والحبوب والسلع الاستراتيجية. وتلزم وكالة الطاقة الدولية الدول الأعضاء المستوردة الصافية للنفط بالاحتفاظ بمخزونات تعادل وارداتها الصافية لمدة 90 يوماً على الأقل، بينما أظهرت أزمة الأرز في اليابان قيمة المخزون الغذائي عندما طرحت الحكومة 210 آلاف طن من احتياطيات الطوارئ خلال مزادين في مارس 2025 لزيادة المعروض والحد من ارتفاع الأسعار.
وهكذا، لا يمكن قياس نجاح التخزين فقط بمقارنة سعر الشراء بسعر السوق لاحقاً. فإذا جاء الشتاء دافئاً وهبط الغاز، قد تبدو المشتريات المبكرة مكلفة، لكن إذا حدث نقص حاد فقد تصبح الكميات المخزنة أكثر قيمة من فارق السعر نفسه. لذلك تتمثل المعضلة الأوروبية في تحديد الثمن المقبول للأمان: شراء المزيد الآن وتحمل التمويل والتخزين واحتمال الخسارة، أو الانتظار والمخاطرة بدخول الشتاء بإمدادات أقل في وقت قد تصبح فيه السلعة المطلوبة أكثر تكلفة، أو أصعب في الحصول عليها.