تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إصلاحات‭ ‬الخليج‭ ‬تحصّن‭ ‬اقتصاده‭ ‬من‭ ‬صدمات‭ ‬الحرب

إصلاحات‭ ‬الخليج‭ ‬تحصّن‭ ‬اقتصاده‭ ‬من‭ ‬صدمات‭ ‬الحرب

أثبتت‭ ‬الإصلاحات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية‭ ‬التي‭ ‬نفذتها‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬أهميتها‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬قدرة‭ ‬اقتصادات‭ ‬المنطقة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬تداعيات‭ ‬الحرب‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬رغم‭ ‬الخسائر‭ ‬التي‭ ‬لحقت‭ ‬بإنتاج‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬وحركة‭ ‬التجارة‭ ‬والطاقة‭. ‬وبينما‭ ‬تشير‭ ‬توقعات‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬إلى‭ ‬انكماش‭ ‬اقتصادي‭ ‬حاد‭ ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬الجاري،‭ ‬تؤكد‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬أن‭ ‬بناء‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬المالية‭ ‬وتنويع‭ ‬مصادر‭ ‬الإيرادات‭ ‬والاستثمار‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬تخفيف‭ ‬حدة‭ ‬الصدمات‭. ‬وتبرز‭ ‬التجربة‭ ‬السعودية‭ ‬نموذجاً‭ ‬لهذه‭ ‬التحولات،‭ ‬بعدما‭ ‬ساعدت‭ ‬الإصلاحات‭ ‬المالية‭ ‬ومشروعات‭ ‬الطاقة‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬واستمرار‭ ‬تدفقات‭ ‬الصادرات‭ ‬النفطية،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تواجه‭ ‬فيه‭ ‬اقتصادات‭ ‬أخرى‭ ‬بالشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وشمال‭ ‬أفريقيا‭ ‬ضغوطاً‭ ‬متزايدة‭ ‬نتيجة‭ ‬محدودية‭ ‬مواردها‭ ‬المالية‭ ‬وضعف‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬الأزمات‭ ‬المتلاحقة‭.‬
أكد‭ ‬وزير‭ ‬المالية‭ ‬السعودي‭ ‬محمد‭ ‬الجدعان‭ ‬أن‭ ‬الإصلاحات‭ ‬الهيكلية‭ ‬التي‭ ‬طبقتها‭ ‬معظم‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬شكلت‭ ‬عاملاً‭ ‬رئيسياً‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬التداعيات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للحرب‭ ‬مع‭ ‬إيران‭.‬
وأوضح‭ ‬الجدعان،‭ ‬الذي‭ ‬يرأس‭ ‬اللجنة‭ ‬الدولية‭ ‬للشؤون‭ ‬النقدية‭ ‬والمالية‭ ‬التابعة‭ ‬لصندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي،‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬إصلاحات‭ ‬اقتصادية‭ ‬وبناء‭ ‬مصدات‭ ‬مالية‭ ‬منحها‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الصدمات‭ ‬مقارنة‭ ‬بدول‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وشمال‭ ‬أفريقيا‭.‬
وأشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬اقتصادات‭ ‬المنطقة‭ ‬دخلت‭ ‬الأزمة‭ ‬وهي‭ ‬تعاني‭ ‬بالفعل‭ ‬ضغوطاً‭ ‬اقتصادية‭ ‬ومالية‭ ‬متراكمة،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬التداعيات‭ ‬الجديدة‭ ‬أكثر‭ ‬محدودية‭.‬
وتعكس‭ ‬هذه‭ ‬المقارنة‭ ‬أهمية‭ ‬الإصلاحات‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬مرونة‭ ‬الاقتصادات،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬نتائجها‭ ‬على‭ ‬تحسين‭ ‬مؤشرات‭ ‬النمو‭ ‬خلال‭ ‬الظروف‭ ‬الطبيعية،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬توفير‭ ‬أدوات‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬الأزمات‭ ‬الاستثنائية‭.‬

تنويع‭ ‬الإيرادات
أشادت‭ ‬المديرة‭ ‬العامة‭ ‬لصندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬كريستالينا‭ ‬غورغييفا‭ ‬بالإجراءات‭ ‬التي‭ ‬اتخذتها‭ ‬السعودية‭ ‬لتنويع‭ ‬مصادر‭ ‬دخلها،‭ ‬مشيرة‭ ‬إلى‭ ‬دور‭ ‬الإصلاحات‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬قدرة‭ ‬المملكة‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬الصدمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المتكررة‭.‬
ومن‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬تطبيق‭ ‬ضريبة‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة،‭ ‬التي‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬توسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬الإيرادات‭ ‬غير‭ ‬النفطية‭ ‬وتقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬المباشر‭ ‬على‭ ‬عائدات‭ ‬الخام‭ ‬في‭ ‬تمويل‭ ‬الإنفاق‭ ‬الحكومي‭.‬
وتكتسب‭ ‬هذه‭ ‬الخطوات‭ ‬أهمية‭ ‬إضافية‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬الاضطرابات‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬عندما‭ ‬تتعرض‭ ‬إيرادات‭ ‬الطاقة‭ ‬لتقلبات‭ ‬حادة‭ ‬نتيجة‭ ‬تغير‭ ‬مستويات‭ ‬الإنتاج‭ ‬والصادرات‭ ‬والأسعار‭.‬
كما‭ ‬تساعد‭ ‬الإيرادات‭ ‬الأكثر‭ ‬تنوعاً‭ ‬الحكومات‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬استمرارية‭ ‬الخدمات‭ ‬العامة‭ ‬والمشروعات‭ ‬الأساسية،‭ ‬وتقليل‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تعديلات‭ ‬مفاجئة‭ ‬في‭ ‬الإنفاق‭ ‬عند‭ ‬حدوث‭ ‬صدمات‭ ‬خارجية‭.‬
وتؤكد‭ ‬التجربة‭ ‬الخليجية‭ ‬أن‭ ‬قوة‭ ‬المالية‭ ‬العامة‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬بحجم‭ ‬الإيرادات‭ ‬النفطية‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬بقدرة‭ ‬الاقتصادات‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬مصادر‭ ‬تمويل‭ ‬مستدامة‭ ‬وإدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬المستقبلية‭.‬

توقعات‭ ‬الانكماش
رغم‭ ‬التحسن‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الأزمات،‭ ‬تشير‭ ‬تقديرات‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬إلى‭ ‬حجم‭ ‬التأثير‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المباشر‭ ‬للحرب‭ ‬واضطرابات‭ ‬إمدادات‭ ‬الطاقة‭.‬
فقد‭ ‬توقع‭ ‬البنك‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬صادر‭ ‬مطلع‭ ‬أكتوبر‭ ‬انكماش‭ ‬اقتصادات‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬بنسبة‭ ‬4‭.‬3‭% ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2026،‭ ‬مقارنة‭ ‬بتوقعاته‭ ‬السابقة‭ ‬في‭ ‬يونيو‭ ‬التي‭ ‬رجحت‭ ‬نمواً‭ ‬بنسبة‭ ‬1‭.‬3‭%.‬
ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬التوقعات‭ ‬تأثير‭ ‬تعطل‭ ‬حركة‭ ‬الملاحة‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬وما‭ ‬ترتب‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬اضطرابات‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬وتصديرهما‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭.‬
وتوضح‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬أن‭ ‬امتلاك‭ ‬احتياطيات‭ ‬مالية‭ ‬قوية‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬وقوع‭ ‬الخسائر‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬لكنه‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬انتقال‭ ‬آثارها‭ ‬إلى‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬والإنفاق‭ ‬الحكومي‭.‬

أمن‭ ‬الطاقة
جدد‭ ‬الجدعان‭ ‬تأكيد‭ ‬أهمية‭ ‬الاستثمارات‭ ‬السعودية‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للطاقة،‭ ‬معتبراً‭ ‬أنها‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬تجنيب‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬أزمة‭ ‬أكثر‭ ‬حدة‭ ‬خلال‭ ‬الحرب‭.‬
وأشار‭ ‬خصوصاً‭ ‬إلى‭ ‬خط‭ ‬أنابيب‭ ‬‮«‬شرق‭-‬غرب‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬وفر‭ ‬مساراً‭ ‬بديلاً‭ ‬لتصدير‭ ‬النفط‭ ‬السعودي‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬وساعد‭ ‬المملكة‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬جزء‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬صادراتها‭ ‬رغم‭ ‬الاضطرابات‭ ‬الإقليمية‭.‬
ويعكس‭ ‬دور‭ ‬الخط‭ ‬أهمية‭ ‬تنويع‭ ‬مسارات‭ ‬نقل‭ ‬الطاقة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تنويع‭ ‬مصادر‭ ‬الدخل،‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الأمن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وتقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬المعرضة‭ ‬للمخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭.‬
كما‭ ‬يبرز‭ ‬القيمة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للاستثمارات‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬مرتفعة‭ ‬التكلفة‭ ‬خلال‭ ‬الظروف‭ ‬الطبيعية،‭ ‬لكنها‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬حيوية‭ ‬لضمان‭ ‬استمرارية‭ ‬الإمدادات‭ ‬عند‭ ‬وقوع‭ ‬الأزمات‭.‬

تعافٍ‭ ‬مرتقب
يتوقع‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬أن‭ ‬تسجل‭ ‬اقتصادات‭ ‬المنطقة،‭ ‬باستثناء‭ ‬إيران،‭ ‬نمواً‭ ‬بنسبة‭ ‬7.8%‭ ‬خلال‭ ‬عام‭ ‬2027،‭ ‬بشرط‭ ‬تراجع‭ ‬الصراع‭ ‬بحلول‭ ‬نهاية‭ ‬العام‭ ‬الجاري‭.‬
لكن‭ ‬المؤسسة‭ ‬الدولية‭ ‬حذرت‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬جانباً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النمو‭ ‬المحتمل‭ ‬قد‭ ‬ينتج‭ ‬عن‭ ‬استعادة‭ ‬مستويات‭ ‬الإنتاج‭ ‬التي‭ ‬فقدتها‭ ‬الاقتصادات‭ ‬خلال‭ ‬الحرب،‭ ‬وليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬عن‭ ‬تحسن‭ ‬مستدام‭ ‬في‭ ‬الإنتاجية‭. ‬ويعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الارتفاع‭ ‬القوي‭ ‬المتوقع‭ ‬في‭ ‬معدلات‭ ‬النمو‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬وحده‭ ‬للحكم‭ ‬على‭ ‬متانة‭ ‬التعافي،‭ ‬إذ‭ ‬يتطلب‭ ‬الأمر‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬أداء‭ ‬القطاعات‭ ‬غير‭ ‬النفطية‭ ‬والاستثمار‭ ‬والإنتاجية‭ ‬وفرص‭ ‬العمل‭.‬
مستقبل‭ ‬النمو‭ ‬مرهون‭ ‬باستمرار‭ ‬الإصلاحات
تكشف‭ ‬الأزمة‭ ‬الحالية‭ ‬أن‭ ‬الإصلاحات‭ ‬المالية‭ ‬والاستثمارات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬أصبحت‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬أدوات‭ ‬حماية‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الخليجية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الاضطرابات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والعالمية‭.‬
ورغم‭ ‬توقعات‭ ‬الانكماش‭ ‬خلال‭ ‬2026،‭ ‬فإن‭ ‬قدرة‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬استقرارها‭ ‬المالي‭ ‬ومواصلة‭ ‬الأنشطة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ستظل‭ ‬مرتبطة‭ ‬بقوة‭ ‬احتياطياتها‭ ‬ومرونة‭ ‬سياساتها‭ ‬الاقتصادية‭.‬
وفي‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة،‭ ‬سيشكل‭ ‬استمرار‭ ‬تنويع‭ ‬الإيرادات‭ ‬وتطوير‭ ‬القطاعات‭ ‬غير‭ ‬النفطية‭ ‬وتعزيز‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭ ‬عوامل‭ ‬حاسمة‭ ‬لتحويل‭ ‬التعافي‭ ‬المتوقع‭ ‬إلى‭ ‬نمو‭ ‬اقتصادي‭ ‬أكثر‭ ‬استدامة،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاكتفاء‭ ‬باستعادة‭ ‬مستويات‭ ‬الإنتاج‭ ‬السابقة‭ ‬للحرب‭.‬

رجوع لأعلى