حسناء طالب: المستثمرون أصبحوا أكثر انتقائية في تمويل المشروعات
لم يكن النجاح يوماً وليد الصدفة، بل هو نتاج شغف لا يلين، وعزم يتجاوز القيود، ورؤية ثاقبة تستشرف الفرص حيث يرى الآخرون العقبات. وفي عالم المال والأعمال، الذي يتطلب جهداً مضاعفاً لإثبات الحضور وترسيخ المكانة، استطاعت سيدة الأعمال حسناء طالب أن تفرض اسمها باقتدار، منتقلةً من صاحبة فكرة إلى قائدة مشروع يسعى إلى إحداث فارق في السوق.
وقد رُشّحت حسناء طالب للقب «نجمة وول ستريت» من قبل سوق ناسداك للأوراق المالية، كما حظيت بتقدير من وزارة الخارجية الأميركية لجهودها المتميزة في مجال الاستثمار.
وتشغل حسناء طالب منصب المدير في شركة «مينتيبلاي كابيتال»، المتخصصة في الخدمات المصرفية الاستثمارية والاستشارات المالية للشركات، والتي تتخذ من دولة الإمارات العربية المتحدة مقراً لها. كما تعمل تنفيذيةً مالية ومستثمرةً مؤسسية، وتشغل منصب شريكة منطقة دول مجلس التعاون الخليجي في شركة «فيول فينتشر كابيتال»، المتخصصة في رأس المال الاستثماري، ومقرها الولايات المتحدة الأميركية.
في هذا الحوار، نسلط الضوء على محطات من رحلتها المهنية، ونتناول رؤيتها للقيادة والاستثمار، وتقييمها لواقع الأسواق المالية والقطاع المصرفي، إلى جانب قراءتها للفرص والتحديات في عالم المال والأعمال.
● ما الفكرة أو الموقف الذي ألهمكِ تأسيس شركة «مينتيبلاي كابيتال»؟
- انبثقت فكرة «مينتيبلاي» من أمر لاحظته مراراً طوال مسيرتي المهنية، وهو أن هناك العديد من المؤسسين الطموحين الذين يمتلكون مشاريع تجارية واعدة، لكن قلة قليلة منهم تعرف كيفية عرض مشاريعها على مستثمرين جادين، أو كيفية هيكلة الصفقات بصورة سليمة، أو كيفية التفكير في رأس المال من المنظور نفسه الذي يتبناه المستثمر المؤسسي.
لقد أمضيت سنوات طويلة أعمل في الجانب الآخر من الطاولة، حيث عملت في مجالات الأسواق المالية، وإدارة الأصول، والخدمات المصرفية الاستثمارية، والاستشارات. ومن خلال هذه التجارب، اطلعت عن كثب على طريقة تفكير المستثمرين، وما يبحثون عنه، وأسباب تعثر الصفقات، والعوامل التي تجعل المشروع التجاري جاذباً للاستثمار.
لذلك، كانت الفكرة وراء تأسيس «مينتيبلاي» بسيطة للغاية؛ إذ أردت نقل هذا المستوى من التفكير الاستراتيجي إلى الشركات المستعدة للاستفادة منه.
لم أرغب في تأسيس شركة استشارات تقليدية تكتفي بإعداد العروض التقديمية وإرسال رسائل البريد الإلكتروني، بل أردت بناء شركة قادرة على الجلوس مع رائد الأعمال، وفهم طبيعة عمله وهيكل رأس المال لديه، ثم تحقيق المواءمة بينهما بطريقة منطقية وفعالة.
● هل الخطوة الأولى التي اتخذتِها لتحويل الفكرة إلى مشروع تجاري ملموس وفعّال على أرض الواقع؟
- تمثلت الخطوة الأولى في تحديد هويتنا بدقة، وتوضيح ما نريد أن نكون عليه.
لقد خصصت وقتاً طويلاً للتفكير في نوع الشركة التي يمكنني أن أضع ثقتي فيها شخصياً، وتساءلت: ما الذي كنت سأنتظره من المستشار لو كنت أنا المستثمر؟ وما الذي سيدفعني إلى أخذ رأيه على محمل الجد؟
وانطلاقاً من ذلك، بنينا أعمالنا على ركائز أساسية تشمل الخدمات المصرفية الاستثمارية الاستراتيجية، والاستشارات المالية، وتمويل الشركات، واستشارات رأس المال الخاص، والاستراتيجيات التنظيمية. وبدأنا بالتركيز على جوهر العمل نفسه، إلى جانب بناء العلاقات المرتبطة به.
بالنسبة إليّ، كانت السمعة دائماً أهم من المظهر؛ إذ يمكنك إنشاء موقع إلكتروني رائع في يوم واحد، لكنك لا تستطيع بناء المصداقية في يوم واحد.
● ما أبرز التحديات المالية أو اللوجستية التي واجهتِها خلال مرحلة التأسيس، وكيف تغلبتِ عليها؟
- إن تأسيس عمل تجاري يعلّمكِ بسرعة كبيرة أن امتلاك الخبرة شيء، وامتلاك شركة شيء مختلف تماماً.
تمثّل التحدي الأكبر في بناء كيان متطور وعالي المستوى، من دون محاولة الظهور بحجم أكبر من حجمه الفعلي. أردتُ أن تتبنى شركة «مينتيبلاي» معايير مؤسسية رفيعة منذ البداية، لكنني حرصتُ أيضاً على الانضباط في إدارة التكاليف والموارد البشرية والوقت.
أما التحدي الآخر، فكان التحلي بالصبر؛ إذ قد يستغرق إتمام الصفقة الواحدة في مجال الخدمات المصرفية الاستثمارية أشهراً من العمل، وقد تمر فترات طويلة يُبذل خلالها جهد كبير من دون تحقيق إنجاز ملموس أو الإعلان عن نتائج للجمهور.
لقد تعلمتُ ألا أقيس التقدم المحرز بناءً على الإيرادات أو التغطية الإعلامية فحسب، فهناك أمور أخرى لا تقل أهمية، مثل الحصول على تفويض قوي، وبناء علاقة جادة مع مستثمر، ووضع هيكل جيد للصفقة، وكسب ولاء العميل بما يدفعه إلى تجديد تعامله معنا.
رحلة النجاح والنمو
● حديثنا عن الاستراتيجية الجوهرية التي ساعدت شركتكِ على الانتقال من مرحلة التأسيس إلى مستواها الحالي من التميز والنجاح؟
- التزمنا بشدة بمجالات خبرتنا ومعرفتنا الفعلية.
لم أؤمن يوماً بمحاولة إرضاء الجميع أو تقديم كل شيء لكل الناس؛ إذ تبلغ شركة «مينتيبلاي» ذروة قوتها عندما نتعامل مع مشكلات مالية واستراتيجية معقدة، فهنا تكمن القيمة الحقيقية لخبرتنا.
كما نتبنى رؤية طويلة الأمد؛ ففي حين تسعى بعض الشركات إلى زيادة حجم أعمالها، أفضّل التركيز على عدد أقل من المشاريع التي تتسم بالجودة العالية، ويشارك فيها أطراف جادون ومحترفون.
ومن العوامل الأخرى التي ساعدتنا شبكة علاقاتي وخبرتي المتنوعة في الأسواق المختلفة. فالأعمال لا تُدار بمعزل عن الآخرين، إذ يمكن لمستثمر أو مستشار أو محامٍ أو جهة تنظيمية أو بنك أو شريك استراتيجي مناسب أن يغيّر مسار الصفقة ونتيجتها بالكامل.
● كيف تصفين بيئة العمل داخل شركتكِ، وما معاييركِ في اختيار أعضاء الفريق؟
- أولي اهتماماً كبيراً لطريقة تفكير الأفراد.
يمكنني تعليم الموظف إجراءات العمل، أو كيفية إعداد النماذج المالية والتحضير للاجتماعات، لكن من الصعب جداً تعليم مهارات التقدير السليم للأمور، والنزاهة، والفضول الفكري.
أريد أن يحيط بي أشخاص يمتلكون الجرأة على القول: «أنا لا أتفق مع هذا الرأي»، متى كان لديهم ما يبرر موقفهم؛ فأنا لا أحتاج إلى أشخاص يكتفون بالموافقة على رأي المسؤول الأول خلال الاجتماعات.
كما أنني صارمة جداً فيما يتعلق بمعايير الجودة؛ فإذا كانت الوثيقة ستُعرض على مستثمر، فيجب أن تكون دقيقة وخالية من الأخطاء. وإذا قدمنا معلومة إلى عميل، فيجب أن نكون قادرين على الدفاع عنها وتبريرها؛ ففي مجال عملنا، قد تتحول الأخطاء البسيطة إلى أخطاء باهظة التكلفة.
● في سوق شديدة التنافسية، ما الميزة التنافسية التي تجعل شركتكِ فريدة من نوعها؟
- إنها مزيج من التفكير المؤسسي وفهم عقلية ريادة الأعمال.
أدرك تماماً ما يعنيه بناء عمل تجاري، لأنني خضت هذه التجربة بنفسي. وفي الوقت نفسه، أفهم طريقة تفكير المستثمرين، لأنني أمضيت جزءاً كبيراً من مسيرتي المهنية في الجانب الآخر من الطاولة, وهذا المزيج ليس شائعاً.
كما أننا لا نؤمن بتقديم نصائح عامة أو نمطية للعملاء؛ فلكل شركة هيكل رأسمالي مختلف، وملف مخاطر خاص، وأهداف متباينة. ففي بعض الأحيان، يكون الحل الأمثل توفير رأس المال، وفي أحيان أخرى يكون العثور على شريك استراتيجي، أو إعادة الهيكلة، أو حتى عدم اتخاذ أي إجراء في الوقت الراهن.
فالنصيحة الجيدة لا تعني إخبار الناس بما يودون سماعه، بل إخبارهم بما يحتاجون حقاً إلى سماعه.
التحديات والدروس المستفادة
● ما أصعب قرار اضطررتِ إلى اتخاذه بصفتكِ رئيسة تنفيذية أو مالكة للشركة حتى الآن؟
- تمثّل بعض أصعب القرارات التي اتخذتها في قول «لا».
عندما تبني شركة، ولا سيما في سنواتها الأولى، تبدو كل فرصة مهمة؛ لذا عليكِ أن تدركي أن ليس كل فرصة تستحق وقتكِ.
لقد تراجعت عن فرص بدت مغرية من الناحية المالية، لأنها لم تكن مناسبة من الناحية الاستراتيجية، أو لأنني لم أكن مقتنعة بأن العلاقة ستنجح على المدى الطويل.
وهذا أمر صعب؛ لأن قول «نعم» يمنح شعوراً بالإنجاز والإنتاجية، بينما يتطلب قول «لا» قدراً كبيراً من الثقة بالنفس.
● كيف تتعاملين مع الفشل أو أزمات السوق غير المتوقعة؟
- أحاول تجنب اتخاذ القرارات بناءً على العاطفة، خصوصاً عندما تسود أجواء التوتر والاضطراب.
تتمثل خطوتي الأولى دائماً في فهم ما تغيّر فعلياً: ما المشكلة الحقيقية؟ وما الذي لا يعدو كونه ضجيجاً؟ وما الذي يُعد مؤقتاً، وما الذي قد يستمر على المدى الطويل؟
يمكن للأسواق أن تتحرك بسرعة هائلة، لكن الذعر غالباً ما يسبق ظهور الحقائق.
لقد عاصرت دورات سوقية عديدة بما يكفي لأدرك أن الفترات العصيبة لا تدوم إلى الأبد، لكن القرارات الخاطئة التي تُتخذ خلالها قد تترك آثارها لسنوات.
لذلك، أعود دائماً إلى الأساسيات، وفي مقدمتها السيولة، والمخاطر، والتدفقات النقدية، وحجم التعرض للمخاطر، والافتراضات التي تستند إليها القرارات، واحتمالات الخسارة.
● لو أتيحت لكِ فرصة العودة بالزمن إلى الوراء، فما الذي كنتِ ستفعلينه بشكل مختلف؟
- كنتُ سأثق بنفسي في وقت أبكر.
لقد أمضيتُ سنوات أتساءل: هل أنا مستعدة؟ هل أمتلك المعرفة الكافية؟ هل سيأخذني الناس على محمل الجد؟ وهل أتحرك بسرعة مفرطة؟
والأمر الطريف أن الأشخاص الذين تقلقين بشأن إبهارهم لا يفكرون فيكِ بالقدر الذي تتخيلينه.
كما كنتُ سأدرك في وقت مبكر أنكِ لستِ بحاجة إلى موافقة الجميع لاتخاذ القرار الصائب.
تمكين المرأة وتحقيق التوازن
● كيف ترين المشهد الحالي لسيدات الأعمال العربيات مقارنة بالسنوات الماضية؟
- لقد تغير المشهد بشكل جذري.
هناك المزيد من النساء العربيات اللواتي يؤسسن شركات، ويدرن مؤسسات استثمارية، ويشغلن مقاعد في مجالس الإدارة، ويشاركن في اتخاذ قرارات جوهرية. والأهم من ذلك، أعتقد أن طبيعة النقاش قد تغيرت؛ إذ لم تعد المرأة تُنظر إليها باعتبارها مجرد مشاركة في عالم الأعمال، بل أصبحت صاحبة قرار في تخصيص رأس المال، ومسؤولة تنفيذية، ومالكة للشركات.
كما أن المنطقة نفسها قد تغيرت، وأصبح هناك مجال أوسع بكثير أمام النساء الطموحات اللواتي يرغبن في بناء مشاريع ذات قيمة وأثر كبير.
لكنني لا أعتقد أن المهمة قد اكتملت؛ فالفرص متاحة، إلا أن على النساء إثبات أنفسهن في بيئات قد تُقابل فيها أخطاء المرأة أحياناً بأحكام أكثر قسوة.
ولهذا السبب، أؤمن بأهمية الحضور والظهور؛ فكل امرأة تشغل موقعاً في دائرة صنع القرار تجعل وجود المرأة في هذا الموقع أمراً طبيعياً ومعتاداً بالنسبة إلى من تأتي بعدها.
● ما الصور النمطية التي واجهتِها كامرأة في عالم الأعمال، وكيف تغلبتِ عليها؟
- واجهت صوراً نمطية مختلفة في مراحل مختلفة.
أحياناً يُقال إنكِ صغيرة السن جداً، وأحياناً أخرى إنكِ طموحة أكثر من اللازم. وفي بعض الأحيان، يفترض الناس أنكِ، بمجرد ظهوركِ وبروزكِ، تهتمين بالمظهر والصورة أكثر من اهتمامكِ بالجوهر والمضمون.
لم أحاول يوماً دحض تلك الافتراضات بالجدال والنقاش، بل فضّلت الرد عليها من خلال العمل الجاد والإنجاز المتميز.
إذا قلّل أحدهم من شأني، كنتُ أدع النتائج تتحدث عن نفسها. وإذا ظن أحدهم أنني لا أفهم الأسواق، كنتُ أثبت درايتي العميقة بما يدور فيها. وإذا شكك أحدهم في قدرتي على قيادة عمل تجاري، كنتُ أؤسس شركة بالفعل.
لستِ مضطرة دائماً إلى الدفاع عن نفسكِ؛ فأحياناً، كل ما تحتاجينه هو الاستمرار في تحقيق الإنجازات.
● كيف توازني بين المسؤوليات المهنية والحياة الشخصية؟
- لا أعتقد أن هناك معادلة مثالية.
هناك فترات يتطلب فيها العمل مني جهداً ووقتاً أكبر، وهناك فترات أختار فيها التراجع قليلاً عن وتيرة العمل بشكل متعمد. والأهم هو أن أكون واعية بهذا الأمر، بدلاً من السماح للعمل بالاستحواذ على كل شيء بصورة تلقائية.
لقد تعلمت أيضاً أن الانشغال الدائم لا يعني بالضرورة الإنتاجية؛ لذا أصبحت أكثر حرصاً على حماية وقتي.
وعلى الصعيد الشخصي، أصبحت أدرك بشكل أفضل أن الراحة ليست كسلاً؛ فالقرارات تكون أفضل عندما يكون الذهن صافياً.
المبادرات والأنشطة
● أطلقت شركة «مينتيبلاي كابيتال» مبادرة في دولة الإمارات العربية المتحدة تُعنى بتقديم خدمات الاستشارات المالية وتطوير الهياكل الرأسمالية وفق المعايير المؤسسية للشركات الناشئة والصغيرة. ما الهدف الرئيسي من هذه المبادرة، وما توقعاتكم بشأنها؟
- هناك فجوة كبيرة بين الشركات الصغيرة الواعدة والشركات المستعدة تماماً للحصول على رأس مال مؤسسي.
يعتقد كثير من رواد الأعمال أن جمع التمويل يقتصر على إيجاد مستثمر، لكن هذا غير صحيح؛ فرأس المال له هيكل وتكلفة وتوقعات، كما يرتبط بقواعد الحوكمة وعواقب تترتب على الحصول عليه.
يتمثل هدفنا في مساعدة الشركات على تعزيز جاهزيتها المالية. وهذا يعني فهم بياناتها المالية، وهيكلها الرأسمالي، وتقييمها، وخياراتها الاستراتيجية، إلى جانب إدراك ما سيطلبه المستثمر منها فعلياً.
أعتقد أن هناك فرصة هائلة في دولة الإمارات العربية المتحدة والمنطقة ككل، نظراً إلى وجود شركات متميزة تحتاج فقط إلى تطوير أساليبها في التعامل مع رأس المال.
● تقود الشركة حالياً مبادرة استثمارية كبرى لإدارة عملية تخارج استراتيجي لمجموعة كبيرة ومتنوعة في قطاع الأغذية والمشروبات. هل تعتزمون دخول مجالات وقطاعات أخرى غير الأغذية والمشروبات؟
- بالتأكيد. يُعد قطاع الأغذية والمشروبات أحد المجالات التي نعمل فيها، لكن شركة «مينتيبلاي» ليست متخصصة في هذا القطاع وحده.
ينطلق عملنا من الفرص الاستراتيجية الحقيقية التي نرصدها. ونعمل مع الشركات التي يمكن أن يسهم فيها رأس المال، أو إعادة الهيكلة، أو الشراكات الاستراتيجية، أو عمليات الاستحواذ، أو التخارج في خلق قيمة مضافة.
ندرس مجموعة واسعة من القطاعات، بما في ذلك التكنولوجيا، والرعاية الصحية، والخدمات المالية، والضيافة، وغيرها من المجالات التي تتمتع فيها الشركات بأسس تشغيلية قوية، وتتطلب صفقاتها تفكيراً متعمقاً.
أهتم بجودة الفرصة أكثر من اهتمامي بحصر أنشطتنا في قطاع واحد لمجرد الالتزام بتصنيف قطاعي محدد.
● قدمتم برنامج «المليون الأول»، وهو برنامج تلفزيوني أسبوعي يركز على موضوعات الثقافة المالية، مثل أساسيات الاستثمار، وتسويق الأسهم، وتقييم الأعمال. كيف تصفين تجربتكِ في قطاع الإعلام؟
- كانت تجربة مختلفة تماماً عن العمل في القطاع المالي.
في مجال التمويل، يمكنك قضاء 20 دقيقة في شرح فكرة واحدة لشخص يفهم المصطلحات المالية. أما التلفزيون، فيفرض عليك شرح الفكرة نفسها خلال 30 ثانية فقط، وبطريقة يفهمها شخص لم يسبق له العمل في هذا المجال.
وكان ذلك في الواقع من أكثر جوانب التجربة التي استمتعت بها.
علّمتني هذه التجربة أن الثقافة المالية لا ينبغي أن تكون معقدة. فكثيراً ما يعتقد الناس أن الاستثمار حكر على الأثرياء أو المتخصصين في مجال التمويل، وهذا غير صحيح.
سواء كنت أتحدث إلى مستثمر، أو مؤسس شركة، أو حتى شخص يشاهد التلفزيون في منزله، فإنني أريد له أن ينهي الحوار وقد تعلّم شيئاً جديداً لم يكن يعرفه من قبل.
فلسفة الإدارة والقيادة
● بصفتكِ سيدة أعمال ناجحة، ما رأيكِ في الوضع الراهن للاقتصاد العالمي، وإلى أين يتجه الاقتصاد المالي والاستثماري؟
- أعتقد أننا ندخل مرحلة يصبح فيها المستثمرون أكثر انتقائية.
لسنوات، شهد العالم وفرة في الأموال منخفضة التكلفة، وسيولة مرتفعة، واستعداداً لتمويل النمو بأي ثمن تقريباً. وفي ظل هذه البيئة، كانت السرعة تحظى بالتقدير. أما اليوم، فأصبح رأس المال يطرح أسئلة أكثر دقة.
● أين يكمن التدفق النقدي؟ ما الميزة التنافسية الحقيقية؟ ما المخاطر؟ ماذا سيحدث إذا تباطأ النمو؟ ومن سيحقق العائد فعلياً؟
- أعتقد أن هذا تطور صحي.
سيستمر تدفق رؤوس الأموال على مستوى العالم، لكنه سيكون أكثر انضباطاً. وسيركز المستثمرون بدرجة أكبر على البنية التحتية، والتكنولوجيا، والرعاية الصحية، والائتمان الخاص، والأصول الاستراتيجية، والشركات المرتبطة بالنمو الاقتصادي طويل الأجل.
فالعالم لا يعاني نقصاً في رؤوس الأموال، بل تكمن المنافسة الحقيقية في الفرص النوعية.
● هناك تحولات رقمية تشكّل مستقبل القطاع المصرفي اليوم، ما هي أبرز هذه التحولات؟
- الذكاء الاصطناعي أحد هذه التوجهات بلا شك، لكنني لا أعتقد أنه العامل الحاسم الوحيد.
يتمثل التحول الأكبر في رقمنة التجربة المالية برمتها، من خلال المدفوعات الفورية، والخدمات المصرفية المفتوحة، وتحسين جودة البيانات، وأنظمة إدارة المخاطر الآلية، والهوية الرقمية، والترميز، وتسريع عملية اتخاذ القرارات بدرجة كبيرة.
تواجه نماذج العمل المصرفي التقليدية تحديات متزايدة، لأن العملاء يتوقعون اليوم السرعة والسهولة نفسيهما في الخدمات المالية اللتين اعتادوا عليهما في مختلف جوانب حياتهم الأخرى.
وفي الوقت نفسه، كلما ازداد الاعتماد على التمويل الرقمي، ازدادت أهمية الثقة وإدارة المخاطر.
قد تُسرّع التكنولوجيا اتخاذ القرارات الخاطئة، لكنها لا تجعلها بالضرورة قرارات أفضل.
● هناك طفرة في التمويل المستدام والاستثمار الأخضر في المنطقة، ما هي توقعاتك لمستقبل القطاع في المنطقة؟
- نظرتي إيجابية للغاية، لا سيما في منطقة الخليج.
لكنني أعتقد أن التمويل المستدام بحاجة إلى أن يصبح أكثر واقعية وعملية؛ إذ لا يمكن أن يقتصر الأمر على مجرد إضافة كلمة «أخضر» إلى منتج استثماري.
في نهاية المطاف، يبحث المستثمرون عن العوائد، والنتائج القابلة للقياس، والمصداقية.
تمتلك المنطقة رأس المال، وتتزايد طموحاتها في تمويل التحول في قطاع الطاقة، ومشاريع المياه، والبنية التحتية، وتكنولوجيا المناخ، وغيرها من المجالات التي ستكتسب أهمية بالغة خلال العقود المقبلة.
وتكمن الفرصة الأكبر في إيجاد مشاريع تتمتع بجدوى اقتصادية، وتحقق في الوقت نفسه فوائد بيئية أو اجتماعية ملموسة.
الرؤية المستقبلية والنصائح
● أين ترين شركة «مينتيبلاي كابيتال» خلال السنوات الخمس المقبلة؟ وهل هناك خطط لمزيد من التوسع إقليمياً أو عالمياً؟
- أرى أن شركة «مينتيبلاي كابيتال» ستصبح بنكاً استثمارياً عابراً للحدود وأكثر رسوخاً، مع توسيع نطاق علاقاتها العالمية وتعميقها، لا سيما في البلدان التي نتوسع فيها حالياً، مثل البرازيل وتشيلي والمغرب.
أريد أن تصبح الشركة الوجهة التي يلجأ إليها العملاء عند التعامل مع الصفقات المعقدة، أو اتخاذ القرارات الاستراتيجية، أو مواجهة التحديات المتعلقة برأس المال، والتي تتطلب تفكيراً عميقاً وجاداً.
تُعد دول مجلس التعاون الخليجي جزءاً رئيسياً من مستقبلنا، لكنني أرى أيضاً فرصاً كبيرة في الربط بين رؤوس الأموال في هذه المنطقة والأسواق الأخرى.
تشهد المنطقة نمواً متزايداً في الثروات ورؤوس الأموال المؤسسية، وأريد لشركة «مينتيبلاي كابيتال» أن تؤدي دوراً فاعلاً ومدروساً في إدارة هذه العلاقات وتعزيز الروابط بين أطرافها.
● كيف تنصحين الشباب والشابات الراغبين في دخول عالم ريادة الأعمال اليوم؟
- لا تؤسس شركة لمجرد رغبتك في أن يُطلق عليك لقب «رائد أعمال».
ابدأ مشروعك لأنك وجدت مشكلة حقيقية تفهمها وتدرك أبعادها بصورة أفضل من معظم الناس.
ولا تخلط بين لفت الانتباه وتحقيق التقدم الفعلي؛ فوسائل التواصل الاجتماعي قد توحي بأن الجميع يحققون النجاح طوال الوقت، في حين أن معظم الشركات الحقيقية تُبنى بهدوء، وتتطلب اتخاذ قرارات صعبة، والتعامل مع أفكار قوبلت بالرفض، والعمل لساعات طويلة، ومواجهة الكثير من حالات عدم اليقين.
تعلّم فن البيع، واقرأ القوائم المالية، وافهم آلية التدفقات النقدية، واكتسب مهارات التفاوض، وتعلّم كيفية توظيف أشخاص يفوقونك كفاءةً.
والأهم من ذلك كله، استمر في السعي ولا تنسحب من الميدان.
فالكثير من الناس يتمتعون بالموهبة، وهناك الكثير من الأشخاص الأذكياء، لكن الذين ينجحون في بناء شيء ذي قيمة هم غالباً أولئك الذين يرفضون الانسحاب عندما تزداد الأمور صعوبة.
● ما الرسالة الأخيرة التي تودين توجيهها إلى كل امرأة تسعى إلى تحقيق حلمها المهني؟
- لا تقلّلي من شأن نفسك، ولا تتصرفي بتواضع مبالغ فيه لمجرد إشعار الآخرين بالراحة في حضورك.
لستِ بحاجة إلى أن تكوني عدوانية لتكوني قوية، ولا إلى التصرف كرجل لتتمكني من القيادة، كما أنكِ لستِ بحاجة إلى إذن من أحد كي تأخذي طموحك على محمل الجد.
ستمرّين بلحظات يشكك فيها الآخرون في قدراتك، وأخرى تشككين فيها أنتِ أيضاً في نفسك.
ومع ذلك، واصلي المضي قدماً.
لقد نشأتُ في بيئة اتسمت بالكثير من عدم اليقين، لكن أمراً واحداً كان واضحاً وجلياً بالنسبة إليّ دائماً، وهو أنني أردتُ المزيد من حياتي.
وقد ساعدني هذا الإيمان على تجاوز الكثير من اللحظات العصيبة.
لذا، فإن رسالتي إلى النساء بسيطة: ابنِين مساراتكن المهنية، وأسّسن مشاريعكن الخاصة، واحتللن أماكنكن المستحقة، واطلبن الفرص، وتعلّمن لغة الأرقام.
وعندما تصلين أخيراً إلى ذلك الموقع المهم، لا تهدري طاقتكِ في التساؤل عما إذا كنتِ تنتمين حقاً إلى هذا المكان، بل استثمري وقتكِ في إحداث تغيير حقيقي فيه.