النفط العالمي بين وفرة الإنتاج وضغوط الحرب
تشهد أسواق النفط العالمية مرحلة استثنائية من إعادة التوازن بين الإنتاج والإمدادات والأسعار، في ظل تداعيات الحرب في الشرق الأوسط والتحولات المتسارعة في السياسات الأميركية تجاه صادرات الطاقة الروسية. وبينما سجلت منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك» زيادة ملحوظة في إنتاجها خلال سبتمبر، تتجه التوقعات الدولية إلى استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة نسبياً، رغم تحسن حركة الشحن عبر مضيق هرمز وتزايد المؤشرات على ضعف الطلب العالمي. وتكشف هذه التطورات عن سوق تتداخل فيها الاعتبارات الجيوسياسية مع الحسابات الاقتصادية، وسط مساعٍ من كبار المنتجين والمستهلكين لاحتواء تداعيات واحدة من أعنف صدمات الإمدادات النفطية في التاريخ الحديث.
قفزة الإنتاج
أظهر مسح أجرته وكالة «رويترز» ارتفاع إنتاج النفط الخام لدى أعضاء «أوبك» الأحد عشر بمقدار 1.78 مليون برميل يومياً خلال سبتمبر، ليصل إجمالي الإنتاج إلى 21.49 مليون برميل يومياً، مقارنة بالشهر السابق، في زيادة تعكس محاولات المنتجين تعزيز الإمدادات رغم استمرار القيود التي فرضتها الحرب الإيرانية والحصار الأميركي على شحنات طهران.
وتصدرت السعودية والعراق قائمة الدول التي سجلت أكبر الزيادات، في وقت يسعى فيه كبار المنتجين إلى استعادة مستويات الإنتاج وتعزيز حضورهم في الأسواق العالمية. وتكتسب هذه الزيادة أهمية خاصة بالنظر إلى الظروف الاستثنائية المحيطة بحركة التجارة النفطية، إذ لا تزال المخاطر الأمنية واللوجستية تؤثر في قدرة بعض الدول على تصدير كامل إنتاجها.
وكان سبعة أعضاء في تحالف «أوبك+» قد اتفقوا على زيادة الإنتاج خلال سبتمبر، غيـر أن استمـرار الصراع في المنطقة حال دون تنفيذ تلك الزيادات بالكامل. ويعتمد مسح «رويترز» على بيانات شركات تتبع تدفقات النفط ومعلومات من مصادر داخل الشركات النفطية والمنظمة ومستشارين متخصصين، ما يجعله مؤشراً مهماً على تطورات المعروض الفعلي.
توقعات الأسعار
في موازاة ارتفاع الإنتاج، توقع البنك الدولي أن يتجاوز متوسط سعر خام برنت 90 دولاراً للبرميل خلال عام 2026، في مراجعة تعكس التحول الكبير الذي طرأ على أساسيات السوق منذ اندلاع الصراع في الشرق الأوسط.
وأوضح نائب كبير الاقتصاديين بمجموعة البنك الدولي، أيهان كوسي، أن التوقعات مطلع العام كانت تشير إلى تراوح الأسعار بين 65 و70 دولاراً للبرميل، مع احتمالات انخفاضها دون 60 دولاراً نتيجة وفرة المعروض وضعف الطلب.
لكن الاضطرابات الجيوسياسية قلبت تلك الحسابات، بعدما تحولت السوق من توقعات الفائض وانخفاض الأسعار إلى مواجهة صدمة حادة في الإمدادات. وكان البنك الدولي قد رجح في أبريل وصول متوسط برنت إلى 86 دولاراً خلال العام الجاري، مقابل 69 دولاراً في 2025، قبل أن تشير تقديراته الأحدث إلى مستويات أعلى، بما يعكس استمرار تأثير المخاطر السياسية في تسعير النفط.
خسائر المعروض
تكشف تقديرات البنك الدولي عن حجم الاختلال الذي أصاب سوق الطاقة العالمية خلال المراحل الأولى من الحرب، بعدما تسببت الهجمات على البنية التحتية النفطية واضطرابات الملاحة في انخفاض أولي للمعروض العالمي بنحو 10 ملايين برميل يومياً.
ويمثل هذا الحجم من الانقطاع صدمة استثنائية لسوق تعتمد على التدفقات المنتظمة لتلبية احتياجات الاقتصادات الصناعية والناشئة. كما أسهمت المخاوف المرتبطة باستمرار الاضطرابات في رفع علاوة المخاطر الجيوسياسية التي تدخل ضمن حسابات الأسعار وتكاليف النقل والتأمين.
وتجاوزت تداعيات الأزمة المنتجين المباشرين، لتشمل المستوردين والمصافي وشركات الشحن، بعدما أصبحت القدرة على إيصال الخام إلى الأسواق عاملاً لا يقل أهمية عن القدرة الإنتاجية نفسها. ويعني ذلك أن زيادة الإنتاج المعلنة لا تضمن بالضرورة ارتفاع الإمدادات المتاحة للمستهلكين إذا استمرت القيود التشغيلية واللوجستية.
تعافي الملاحة
رغم ضخامة الصدمة، بدأت حركة شحن النفط عبر مضيق هرمز تستعيد مستوياتها الطبيعية تدريجياً، وفق تصريحات كوسي، الذي أكد أن التدفقـات عبـر الممـر البحـري الاستراتيجي عادت تقريباً إلى مستويات ما قبل الصراع.
ويمثل هذا التحسن تطوراً مهماً بالنسبة إلى أسواق الطاقة، نظراً للدور المحوري الذي يؤديه المضيق في نقل صادرات النفط والغاز من منطقة الخليج إلى الأسواق الدولية.
وكان تعطل الملاحة قد دفع سعر خام برنت إلى نحو 120 دولاراً للبرميل خلال مرحلة سابقة من العام، بارتفاع يقارب الثلثين مقارنة بمستواه عشية اندلاع الحرب.
غير أن استعادة حركة الشحن لا تعني انتهاء الأزمة بصورة كاملة، إذ لا تزال أسواق المنتجات النفطية المكررة تواجه اختلالات أكثر تعقيداً، انعكست في ارتفاع أسعار بعض المشتقات بصورة تفوق الزيادات المسجلة في الخام. وتبرز هنا أهمية قدرات التكرير وسلاسل الإمداد في تحديد سرعة عودة الاستقرار إلى أسواق الوقود العالمية.
ضغوط الطلب
على الجانب الآخر من معادلة السوق، يبرز تراجع الطلب العالمي باعتباره عاملاً رئيسياً في الحد من الارتفاعات الحادة للأسعار، رغم استمرار المخاطر المرتبطة بالإمدادات.
ويرى البنك الدولي أن العالم قد يشهد خلال العام نفسه واحدة من أكبر صدمات العرض وأحد أكبر التراجعات في الطلب على النفط خلال العصر الحديث، في مفارقة تعكس الطبيعة المعقدة للأزمة الحالية.
ويسهم ضعف الاستهلاك في تخفيف الضغوط السعرية الناجمة عن اضطرابات الإنتاج والشحن، خصوصاً مع استمرار توافر كميات من الخام في الأسواق العالمية.
لكن هذا التوازن يبقى هشاً، إذ يتوقف استقرار الأسعار على سرعة تعافي الإمدادات واتجاه النشاط الاقتصادي العالمي. كما أن استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة قد يضغط على معدلات النمو والاستهلاك، ما يخلق حلقة متبادلة التأثير بين أسعار النفط وأداء الاقتصاد العالمي.
استثناء روسي
وفي تطور موازٍ، اتخذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطوة لتخفيف القيود التجارية المفروضــة على صادرات الطاقة الروسية، بإعلانه تعليق تطبيق عقوبات ورسوم جمركية ضخمة تضمنها قانون وقعه الشهر الماضي.
واستند القرار إلى بند قانوني يسمح بالإعفاء عندما تقتضي المصلحة الوطنية الأميركية ذلك، مع إبقاء الرسوم قائمة من الناحية التشريعية وإمكانية إعادة تفعيلها لاحقاً.
وكان القانون يمنح الإدارة الأميركية مهلة 30 يوماً لفرض رسـوم بنسبـة 100 % على واردات الولايات المتحدة من أكبر خمسة مشترين للنفط الروسي، إضافة إلى رسوم تصل إلى 500 % على وارداتها من منتجات الطاقة الروسية.
ويعكس تعليق التنفيذ رغبة واشنطن في تجنب اضطرابات إضافية في أسواق الوقود، إلى جانب تفادي تصعيد تجاري محتمل مع الصين والهند وتركيا، التي تعد من أبرز المشترين للطاقة الروسية.
حسابات واشنطن
ترتبط الخطوة الأميركية بصورة مباشرة بمساعي إدارة ترمب لخفض أسعار الديزل المحلية، التي تتحرك عند مستويات قياسية، قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر.
وكان الرئيس الأميركي قد أعلن توجهاً للعمل مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين على زيادة إمدادات الديزل الروسية للأسواق العالمية، في محاولة لمعالجة الاختلالات التي أصابت سوق المشتقات النفطية.
لكن هذا التوجه يواجه اعتراضات داخل الكونغرس، بما فيها انتقادات من مشرعين جمهوريين يرون أن تخفيف العقوبات قد يضعف الضغوط الاقتصادية المفروضة على موسكو بسبب الحرب في أوكرانيا.
ويضع القرار الإدارة الأميركية أمام معادلة صعبة، تجمع بين الحاجة إلى احتواء أسعار الوقود والمحافظة على أدوات الضغط السياسي والاقتصادي، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي وتصاعد حساسية المستهلكين تجاه تكاليف الطاقة.