تخطي إلى المحتوى الرئيسي

‮‬إلنينيو‮‬‭ ‬تهدد‭ ‬أمن‭ ‬الغذاء‭ ‬العالمي

‮‬إلنينيو‮‬‭ ‬تهدد‭ ‬أمن‭ ‬الغذاء‭ ‬العالمي

تتجه‭ ‬الأنظار‭ ‬إلى‭ ‬ظاهرة‭ ‬‮«‬إل‭ ‬نينيو‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تزداد‭ ‬التحذيرات‭ ‬من‭ ‬أنها‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أشد‭ ‬الموجات‭ ‬المناخية‭ ‬ضراوة‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الحية،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬يأتي‭ ‬وصولها‭ ‬وسط‭ ‬ظروف‭ ‬اقتصادية‭ ‬وغذائية‭ ‬شديدة‭ ‬الحساسية،‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬اضطرابات‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬والحبوب‭ ‬مع‭ ‬آثار‭ ‬التغير‭ ‬المناخي‭ ‬والجفاف‭ ‬والفيضانات‭.‬
ومع‭ ‬بدء‭ ‬تأثير‭ ‬الظاهرة‭ ‬بالفعل‭ ‬وتوقع‭ ‬وصولها‭ ‬إلى‭ ‬ذروتها‭ ‬بحلول‭ ‬نهاية‭ ‬العام،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬السؤال‭ ‬مقتصراً‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬الأضرار‭ ‬المناخية‭ ‬المنتظرة،‭ ‬وإنما‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬مدى‭ ‬استعداد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬منظومة‭ ‬إنتاج‭ ‬وتجارة‭ ‬الغذاء،‭ ‬لامتصاص‭ ‬الصدمة‭ ‬ومنع‭ ‬تحولها‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬واسعة‭.‬
وتزداد‭ ‬المخاطر‭ ‬بعدما‭ ‬عادت‭ ‬أسعار‭ ‬الغذاء‭ ‬إلى‭ ‬الارتفاع‭ ‬الحاد‭ ‬منذ‭ ‬منتصف‭ ‬أغسطس،‭ ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬النسبي‭ ‬رغم‭ ‬نقص‭ ‬إمدادات‭ ‬النفط‭ ‬والأسمدة‭ ‬الناجم‭ ‬عن‭ ‬حرب‭ ‬إيران‭. ‬وجاء‭ ‬الضغط‭ ‬الجديد‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬الهجمات‭ ‬الروسية‭ ‬والأوكرانية‭ ‬المتبادلة‭ ‬التي‭ ‬طالت‭ ‬حركة‭ ‬الشحن،‭ ‬وأدت‭ ‬إلى‭ ‬تضييق‭ ‬تدفقات‭ ‬الحبوب‭ ‬عبر‭ ‬البحر‭ ‬الأسود‭.‬
وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬سلطت‭ ‬موجات‭ ‬الجفاف‭ ‬التي‭ ‬اجتاحت‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬الكرة‭ ‬الشمالي‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬التغير‭ ‬المناخي‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬صدمات‭ ‬جديدة‭ ‬وتضخيم‭ ‬تأثير‭ ‬الاضطرابات‭ ‬القائمة،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬وصول‭ ‬‮«‬إل‭ ‬نينيو‮»‬‭ ‬اختباراً‭ ‬لقدرة‭ ‬النظام‭ ‬الغذائي‭ ‬العالمي‭ ‬على‭ ‬التكيف‭.‬

دروس‭ ‬التاريخ
تكشف‭ ‬التجارب‭ ‬التاريخية‭ ‬أن‭ ‬الظواهر‭ ‬المناخية‭ ‬القاسية‭ ‬لا‭ ‬تتحول‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬كوارث‭ ‬إنسانية‭ ‬واسعة،‭ ‬وأن‭ ‬الفارق‭ ‬الأساسي‭ ‬بين‭ ‬الصدمة‭ ‬والأزمة‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬الاستعداد‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬تداعياتها‭.‬
فخلال‭ ‬موجة‭ ‬‮«‬إل‭ ‬نينيو‮»‬‭ ‬الشهيرة‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1877‭ ‬و1878،‭ ‬أدت‭ ‬الأضرار‭ ‬والمجاعات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬وفاة‭ ‬نحو‭ ‬50‭ ‬مليون‭ ‬شخص،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬فيه‭ ‬عدد‭ ‬سكان‭ ‬العالم‭ ‬يتجاوز‭ ‬نحو‭ ‬1‭.‬4‭ ‬مليار‭ ‬نسمة‭.‬
لكن‭ ‬الصورة‭ ‬تغيرت‭ ‬جذرياً‭ ‬بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن،‭ ‬بفضل‭ ‬التطور‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬الإنتاجية‭ ‬الزراعية،‭ ‬وتحسن‭ ‬شبكات‭ ‬النقل‭ ‬والتجارة،‭ ‬وبناء‭ ‬مؤسسات‭ ‬حكومية‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الاستجابة‭ ‬للكوارث‭.‬
وخلال‭ ‬موجة‭ ‬1997‭ ‬و1998،‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬أقوى‭ ‬موجات‭ ‬‮«‬إل‭ ‬نينيو‮»‬‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬بلغ‭ ‬عدد‭ ‬الوفيات‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬الجفاف‭ ‬والفيضانات‭ ‬نحو‭ ‬22‭ ‬ألف‭ ‬شخص‭ ‬فقط،‭ ‬بما‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬0‭.‬001‭ % ‬من‭ ‬سكان‭ ‬العالم‭ ‬آنذاك‭.‬
ويبرز‭ ‬الفارق‭ ‬الهائل‭ ‬بين‭ ‬التجربتين‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬لعبه‭ ‬التقدم‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والمؤسسي،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬المجتمعات‭ ‬مضطرة‭ ‬إلى‭ ‬الاعتماد‭ ‬حصراً‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تنتجه‭ ‬محلياً،‭ ‬كما‭ ‬أصبحت‭ ‬الحكومات‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التنبؤ‭ ‬بالكوارث‭ ‬وتحريك‭ ‬الإمدادات‭ ‬وتوجيه‭ ‬المساعدات‭ ‬إلى‭ ‬المناطق‭ ‬المتضررة‭.‬

التجارة‭ ‬تنقذ
ويعد‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬الدروس‭ ‬المستخلصة‭ ‬من‭ ‬موجات‭ ‬‮«‬إل‭ ‬نينيو‮»‬‭ ‬السابقة،‭ ‬إذ‭ ‬تصبح‭ ‬سياسات‭ ‬الاكتفاء‭ ‬الذاتي‭ ‬الغذائي‭ ‬والقيود‭ ‬التجارية‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة‭ ‬خلال‭ ‬الأزمات‭ ‬المناخية‭.‬
وتتميز‭ ‬‮«‬إل‭ ‬نينيو‮»‬‭ ‬بعدم‭ ‬تماثل‭ ‬تأثيراتها‭ ‬بين‭ ‬مناطق‭ ‬العالم؛‭ ‬فبينما‭ ‬تتعرض‭ ‬دولة‭ ‬للجفاف‭ ‬وانخفاض‭ ‬المحاصيل،‭ ‬قد‭ ‬تستفيد‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬الأمطار‭ ‬وتحصد‭ ‬إنتاجاً‭ ‬أكبر،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تضرب‭ ‬فيه‭ ‬الفيضانات‭ ‬منطقة‭ ‬ما،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحسن‭ ‬الظروف‭ ‬الزراعية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬أخرى‭.‬
وهنا‭ ‬تتحول‭ ‬التجارة‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬لإعادة‭ ‬توزيع‭ ‬الغذاء‭ ‬عالمياً،‭ ‬إذ‭ ‬تنقل‭ ‬الفوائض‭ ‬من‭ ‬البلدان‭ ‬التي‭ ‬تحسن‭ ‬فيها‭ ‬الإنتاج‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬محاصيلها‭ ‬للضرر،‭ ‬بما‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬المعروض‭ ‬ويمنع‭ ‬الارتفاعات‭ ‬المفرطة‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭.‬
وتظهر‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬الآلية‭ ‬بصورة‭ ‬واضحة‭ ‬عند‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬موجة‭ ‬1997‭ ‬و1998،‭ ‬عندما‭ ‬تسببت‭ ‬‮«‬إل‭ ‬نينيو‮»‬‭ ‬في‭ ‬اضطرابات‭ ‬واسعة‭ ‬للنشاط‭ ‬الزراعي‭ ‬في‭ ‬آسيا،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬زراعة‭ ‬الأرز،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬الآسيوية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تضغط‭ ‬بقوة‭ ‬على‭ ‬اقتصادات‭ ‬القارة‭.‬

تجربة‭ ‬بنجلاديش
كانت‭ ‬بنجلاديش‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬واجهت‭ ‬الاختبار‭ ‬آنذاك،‭ ‬بعدما‭ ‬انخفض‭ ‬إنتاج‭ ‬الأرز‭ ‬لديها‭ ‬بنحو‭ ‬20‭ %‬،‭ ‬وهو‭ ‬تراجع‭ ‬شديد‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬مكتظة‭ ‬بالسكان‭ ‬وتعتمد‭ ‬على‭ ‬الأرز‭ ‬كسلعة‭ ‬غذائية‭ ‬أساسية‭.‬
ورغم‭ ‬حجم‭ ‬الصدمة،‭ ‬لم‭ ‬تتكرر‭ ‬الكارثة‭ ‬التي‭ ‬عاشتها‭ ‬البلاد‭ ‬خلال‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬عندما‭ ‬أسفرت‭ ‬فيضانات‭ ‬أعقبتها‭ ‬مجاعة‭ ‬عن‭ ‬وفاة‭ ‬نحو‭ ‬1‭.‬5‭ ‬مليون‭ ‬شخص‭.‬
وكان‭ ‬أحد‭ ‬الاختلافات‭ ‬الرئيسية‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬بنجلاديش‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬حررت‭ ‬تجارة‭ ‬الغذاء‭ ‬بحلول‭ ‬أواخر‭ ‬التسعينيات،‭ ‬ما‭ ‬سمح‭ ‬للتجار‭ ‬باستيراد‭ ‬الأرز‭ ‬من‭ ‬الهند‭ ‬لتعويض‭ ‬تراجع‭ ‬المحصول‭ ‬المحلي،‭ ‬وبالتالي‭ ‬المساهمة‭ ‬في‭ ‬استقرار‭ ‬الأسعار‭ ‬وتجنب‭ ‬الانزلاق‭ ‬نحو‭ ‬مجاعة‭ ‬واسعة‭.‬
وتقدم‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬نموذجاً‭ ‬عملياً‭ ‬لكيفية‭ ‬تحول‭ ‬التجارة‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬نشاط‭ ‬اقتصادي‭ ‬إلى‭ ‬شبكة‭ ‬أمان‭ ‬خلال‭ ‬الأزمات‭.‬
وأكد‭ ‬بول‭ ‬دوروش‭ ‬من‭ ‬المعهد‭ ‬الدولي‭ ‬لبحوث‭ ‬السياسات‭ ‬الغذائية‭ ‬أن‭ ‬رفع‭ ‬الإنتاجية‭ ‬الزراعية‭ ‬المحلية‭ ‬يظل‭ ‬ضرورياً‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬لكن‭ ‬التجارة‭ ‬تؤدي‭ ‬دوراً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬حالات‭ ‬الطوارئ‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬توفير‭ ‬كميات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الغذاء‭ ‬بسرعة‭.‬

خريطة‭ ‬متباينة
ومن‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬يتكرر‭ ‬التفاوت‭ ‬الجغرافي‭ ‬نفسه‭ ‬خلال‭ ‬موجة‭ ‬‮«‬إل‭ ‬نينيو‮»‬‭ ‬الحالية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬حرية‭ ‬حركة‭ ‬السلع‭ ‬الزراعية‭ ‬بين‭ ‬الأسواق‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭.‬
وتشير‭ ‬التوقعات‭ ‬إلى‭ ‬احتمال‭ ‬تعرض‭ ‬إنتاج‭ ‬الغذاء‭ ‬في‭ ‬أمريكا‭ ‬الوسطى‭ ‬وشمال‭ ‬البرازيل‭ ‬لضغوط‭ ‬بسبب‭ ‬الجفاف،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬زيادة‭ ‬الأمطار‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬البرازيل‭ ‬والأرجنتين‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬محاصيل‭ ‬الذرة‭ ‬وفول‭ ‬الصويا‭.‬
ويعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬تراجع‭ ‬الإنتاج‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬تلقائياً‭ ‬إلى‭ ‬نقص‭ ‬عالمي‭ ‬إذا‭ ‬استطاعت‭ ‬الأسواق‭ ‬توجيه‭ ‬الإنتاج‭ ‬الإضافي‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى‭ ‬نحو‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬عجزاً‭.‬
وأظهرت‭ ‬أبحاث‭ ‬تناولت‭ ‬دول‭ ‬جنوب‭ ‬الصحراء‭ ‬الأفريقية‭ ‬أن‭ ‬حجم‭ ‬الواردات‭ ‬يمثل‭ ‬عاملاً‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬تخفيف‭ ‬الأزمات‭ ‬الغذائية‭ ‬من‭ ‬القرب‭ ‬الجغرافي‭ ‬للشركاء‭ ‬التجاريين،‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬الحجة‭ ‬لصالح‭ ‬أسواق‭ ‬عالمية‭ ‬مفتوحة‭ ‬ومتنوعة‭ ‬المصادر‭.‬
ومن‭ ‬هنا،‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬القيود‭ ‬على‭ ‬الصادرات‭ ‬أو‭ ‬سياسات‭ ‬التخزين‭ ‬المفرط‭ ‬التي‭ ‬تتبناها‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬لحماية‭ ‬أسواقها‭ ‬المحلية‭ ‬إلى‭ ‬نتيجة‭ ‬عكسية،‭ ‬عبر‭ ‬زيادة‭ ‬نقص‭ ‬المعروض‭ ‬عالمياً‭ ‬ودفع‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬أعلى‭.‬

استعداد‭ ‬مبكر
ولا‭ ‬يعني‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الأسواق‭ ‬تقليص‭ ‬دور‭ ‬الحكومات،‭ ‬بل‭ ‬يتطلب‭ ‬منها‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬المجالات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬الأسواق‭ ‬وحدها‭ ‬التعامل‭ ‬معها،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬حماية‭ ‬السكان‭ ‬الأكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للخطر‭ ‬والاستثمار‭ ‬في‭ ‬أنظمة‭ ‬الإنذار‭ ‬والاستجابة‭ ‬المبكرة‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬أطلق‭ ‬برنامج‭ ‬الأغذية‭ ‬العالمي‭ ‬ومنظمة‭ ‬الأغذية‭ ‬والزراعة‭ ‬‮«‬الفاو‮»‬‭ ‬نداءً‭ ‬لاتخاذ‭ ‬تدابير‭ ‬وقائية‭ ‬قبل‭ ‬اشتداد‭ ‬تأثيرات‭ ‬‮«‬إل‭ ‬نينيو‮»‬،‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬بصورة‭ ‬دقيقة‭ ‬على‭ ‬الفئات‭ ‬الأكثر‭ ‬هشاشة‭.‬
وتستهدف‭ ‬الخطط‭ ‬حماية‭ ‬8‭.‬8‭ ‬ملايين‭ ‬شخص‭ ‬في‭ ‬22‭ ‬دولة،‭ ‬بميزانية‭ ‬تبلغ‭ ‬202‭ ‬مليون‭ ‬دولار،‭ ‬وهو‭ ‬مبلغ‭ ‬محدود‭ ‬نسبياً‭ ‬مقارنة‭ ‬بالخسائر‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والإنسانية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنتج‭ ‬عن‭ ‬التأخر‭ ‬في‭ ‬التحرك‭.‬
كما‭ ‬بدأت‭ ‬دول‭ ‬عدة‭ ‬تجهيز‭ ‬استجاباتها‭ ‬الخاصة،‭ ‬ومن‭ ‬بينها‭ ‬البرازيل‭ ‬التي‭ ‬استعانت‭ ‬بنحو‭ ‬4600‭ ‬موظف‭ ‬لمواجهة‭ ‬حرائق‭ ‬الغابات،‭ ‬في‭ ‬مثال‭ ‬على‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الكوارث‭ ‬بعد‭ ‬وقوعها‭ ‬إلى‭ ‬الاستعداد‭ ‬لها‭ ‬مسبقاً‭.‬

إنذار‭ ‬فعال
ويمثل‭ ‬تطور‭ ‬أنظمة‭ ‬الإنذار‭ ‬المبكر‭ ‬أحد‭ ‬أكبر‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬غيرت‭ ‬قدرة‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الكوارث‭ ‬المناخية‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭.‬
وأشار‭ ‬تقرير‭ ‬لاتفاقية‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬الإطارية‭ ‬بشأن‭ ‬تغير‭ ‬المناخ‭ ‬في‭ ‬2021‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عدد‭ ‬الكوارث‭ ‬المناخية‭ ‬المسجلة‭ ‬تضاعف‭ ‬خمس‭ ‬مرات‭ ‬خلال‭ ‬نصف‭ ‬قرن،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬إجمالي‭ ‬الوفيات‭ ‬الناجمة‭ ‬عنها‭ ‬انخفض‭ ‬بنحو‭ ‬الثلثين‭.‬
وتوضح‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬أن‭ ‬ارتفاع‭ ‬وتيرة‭ ‬الظواهر‭ ‬المتطرفة‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬ارتفاعاً‭ ‬مماثلاً‭ ‬في‭ ‬الخسائر‭ ‬البشرية،‭ ‬إذا‭ ‬توافرت‭ ‬المعلومات‭ ‬الدقيقة‭ ‬ووصلت‭ ‬التحذيرات‭ ‬إلى‭ ‬السكان‭ ‬والسلطات‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭.‬
وتقدم‭ ‬واقعة‭ ‬شهدتها‭ ‬نيبال‭ ‬مثالاً‭ ‬واضحاً‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬بعدما‭ ‬ساهمت‭ ‬اتصالات‭ ‬هاتفية‭ ‬أجريت‭ ‬مع‭ ‬مدير‭ ‬مدرسة‭ ‬قبل‭ ‬دقائق‭ ‬من‭ ‬وصول‭ ‬الفيضانات‭ ‬في‭ ‬إنقاذ‭ ‬نحو‭ ‬900‭ ‬تلميذ‭ ‬من‭ ‬خطر‭ ‬الغرق‭.‬
ويكشف‭ ‬المثال‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬أكثر‭ ‬أدوات‭ ‬مواجهة‭ ‬الكوارث‭ ‬فاعلية‭ ‬ليست‭ ‬بالضرورة‭ ‬مشروعات‭ ‬ضخمة‭ ‬ومكلفة،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬تبدأ‭ ‬بمعلومة‭ ‬دقيقة‭ ‬ونظام‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬إيصالها‭ ‬سريعاً‭ ‬إلى‭ ‬الشخص‭ ‬المناسب‭.‬

أسواق‭ ‬مفتوحة
يبقى‭ ‬الخطر‭ ‬الأكبر‭ ‬خلال‭ ‬موجة‭ ‬‮«‬إل‭ ‬نينيو‮»‬‭ ‬المقبلة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تتزامن‭ ‬الصدمات‭ ‬المناخية‭ ‬مع‭ ‬قرارات‭ ‬اقتصادية‭ ‬تزيدها‭ ‬حدة،‭ ‬مثل‭ ‬فرض‭ ‬قيود‭ ‬على‭ ‬صادرات‭ ‬الغذاء‭ ‬أو‭ ‬محاولة‭ ‬الدول‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بالإنتاج‭ ‬داخل‭ ‬حدودها‭ ‬خوفاً‭ ‬من‭ ‬النقص‭.‬
فالأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬موازنة‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬التفاوت‭ ‬بين‭ ‬المناطق‭ ‬المتضررة‭ ‬والمستفيدة،‭ ‬بشرط‭ ‬ألا‭ ‬تعيق‭ ‬الحكومات‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تظل‭ ‬مسؤولية‭ ‬الدول‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الفئات‭ ‬الهشة،‭ ‬وتمويل‭ ‬برامج‭ ‬الاستعداد،‭ ‬وتحسين‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والإنذار‭ ‬المبكر‭.‬
وكلما‭ ‬نجح‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬إبقاء‭ ‬قنوات‭ ‬التجارة‭ ‬مفتوحة‭ ‬وتنويع‭ ‬مصادر‭ ‬الإمدادات،‭ ‬تراجعت‭ ‬احتمالات‭ ‬تحول‭ ‬انخفاض‭ ‬محصول‭ ‬محلي‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬غذاء‭ ‬دولية‭.‬

رجوع لأعلى