الأسواق تتجاهل تحذيرات كارثة الروبوتات
تبدو الأسواق المالية وكأنها دخلت مرحلة يصعب فيها التمييز بين الخيال العلمي والمخاطر الاستثمارية الحقيقية، بعدما أصبح مديرو الصناديق يناقشون كيفية توزيع أصول محافظهم لمواجهة ما يوصف بـ«كارثة الروبوتات»، في وقت تتوالى فيه تحذيرات قادة شركات الذكاء الاصطناعي من مخاطر محتملة للتكنولوجيا التي طوروها.
وبحسب تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز»، فإن اللافت ليس غرابة التحذيرات في حد ذاتها، وإنما رد فعل الأسواق المحدود تجاهها. فرغم الحديث عن قدرة أدوات الذكاء الاصطناعي مستقبلاً على العمل بدرجة أكبر من الاستقلالية واحتمالات خروجها عن السيطرة، لم تشهد الأسهم موجة بيع واسعة، كما لم تتجه الأموال بقوة نحو السندات الحكومية أو الذهب بحثاً عن الأمان.
أسهم صامدة
بدت التحذيرات، من الناحية النظرية، بمثابة اختبـار حاسـم لسـوق أسهـم أصبحت شـديدة الارتباط بشركات التكنولوجيـا عموماً والذكاء الاصطناعي خصوصاً. فالقطاع الذي قاد جانباً مهماً من مكاسب الأسواق بات في الوقت نفسه مصدر التحذيرات من مخاطر قد تكون واسعة النطاق.
لكن رد الفعل ظل محدوداً. واستهلت الأسهم الأسبوع ببعض التقلبات، خصوصاً في الأسواق الأكثر ارتباطاً بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، إذ خسرت البورصة الكورية أكثر من 3 %، إلا أن الصورة في السوق الأمريكية كانت مختلفة، ولم تعكس تحركات مؤشري «إس أند بي 500» و«ناسداك» مستوى القلق الذي توحي به التصريحات الصادرة عن بعض قادة التكنولوجيا.
وترى «فايننشال تايمز» أن هذه المفارقة تستحق الانتباه، إذ إن المستثمرين يواجهون تحذيرات استثنائية من شركات تقع في قلب موجة الصعود الحالية، ومع ذلك لم تتغير شهية المخاطرة بصورة جوهرية.
ملاذات هادئة
الأمر لا يقتصر على صمود الأسهم، فالجانب الآخر من المعادلة الاستثمارية لم يسجل بدوره حركة كبيرة. ففي الأزمات والمخاوف الحادة، يتجه المستثمرون عادة إلى أصول الملاذ الآمن، وفي مقدمتها السندات الحكومية الأمريكية والذهب، بينما يستفيد الدولار تاريخياً من موجات البحث عن السيولة والأمان.
لكن السندات الأمريكية ظلت عند مستويات ضعيفة مقارنة بتاريخها الطويل، ما يوحي بأن المخاوف المرتبطة بالعجز المالي والميزانيات لا تزال أكثر حضوراً لدى المستثمرين من سيناريوهات الذكاء الاصطناعي المتطرفة.
أما الذهب، فلم يشهد بدوره موجة تحوط استثنائية يمكن ربطها بهذه التحذيرات. ووفق قراءة الصحيفة، فإن غياب رد الفعل قد يكون في حد ذاته مؤشراً مهماً إلى الطريقة التي تنظر بها الأسواق إلى المخاطر الجديدة، وإلى ترتيبها مقارنة بالمخاطر الاقتصادية والمالية القائمة بالفعل.
مفارقة التكنولوجيا
يكمن أحد التفسيرات المحتملة لهذه اللامبالاة في أن التحذيرات نفسها قد لا تكون سلبية بالكامل بالنسبة إلى الشركات المرتبطة بمنظومة الذكاء الاصطناعي. فعمالقة التكنولوجيا ومزودو البنية التحتية للحوسبة السحابية يسابقون الزمن لبناء قدرات حوسبة ضخمة، ويلجأ بعضهم إلى أسواق السندات للحصول على مليارات الدولارات اللازمة لتمويل هذا التوسع. ولا يأتي الاقتراض بالضرورة نتيجة ضائقة مالية، بل يعكس الحجم الهائل للاستثمارات المطلوبة لبناء مراكز البيانات والبنية التحتية وتوفير قدرات المعالجة اللازمة للنماذج المتطورة.
ومن هذا المنظور، قد يكون إبطاء وتيرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي وجعلها أكثر عقلانية أمراً مفيداً للأسواق، بدلاً من اعتباره مؤشراً سلبياً. بل إن أحد المستثمرين طرح، بشبه مزاح، احتمال ظهور قطاع اقتصادي جديد متخصص في حماية الشركات والمجتمعات من وكلاء الذكاء الاصطناعي الخطرين، بما يخلق بدوره فرصة استثمارية جديدة.
تحوط مستحيل
أما الاحتمال الثالث، والأكثر تطرفاً، فهو أن المستثمرين قد يتعاملون مع التحذيرات باعتبارها خطراً حقيقياً، لكنهم لا يرون وسيلة مالية عملية للتحوط منه. فإذا تحقق سيناريو كارثي واسع النطاق بسبب أدوات ذكاء اصطناعي ذاتية التطوير، فإن مفهوم «الأصل الآمن» نفسه قد يفقد معناه.
وبالتالي، يصبح تغيير توزيع المحفظة الاستثمارية استجابة لمثل هذا السيناريو قليل الجدوى. فالسندات أو الذهب أو السيولة لا توفر حماية ذات معنى من خطر وجودي شامل، وهو ما يجعل الاستمرار في الاستراتيجية الاستثمارية المعتادة أكثر منطقية بالنسبة إلى مدير الصندوق.
وهذه المفارقة تفسر جزئياً لماذا لا تؤدي المخاطر الأكثر تطرفاً بالضرورة إلى أكبر تحركات في الأسواق؛ فالمستثمر يحتاج إلى خطر يمكن قياسه وتسعيره، وإلى أداة يمكن استخدامها للتحوط منه، حتى تتحول المخاوف النظرية إلى تدفقات مالية فعلية.
ذاكرة الأزمات
تستند رصانة الأسواق أيضاً إلى خبرة تكونت خلال السنوات الماضية، إذ تجاوزت الأسهم سلسلة طويلة من الصدمات منذ جائحة كورونا، شملت اضطرابات جيوسياسية وحروباً تضم دولاً رئيسية منتجة للطاقة، فضلاً عن أزمة البنوك الإقليمية الأمريكية وغيرها من موجات عدم اليقين.
وخلف هذه القدرة على امتصاص الصدمات يقف افتراض راسخ لدى شريحة من المستثمرين بأن الحكومات والبنوك المركزية ستتدخل عندما تتراجع الأسواق بدرجة تهدد الاقتصاد أو الاستقرار المالي، وهو تصور تعزز منذ الأزمة المالية العالمية في 2008.
ويخلق هذا الاعتقاد شبكة أمان نفسية للأسواق، حتى عندما لا تكون هناك ضمانات فعلية بالتدخل. فالمستثمرون اعتادوا على استجابات نقدية ومالية واسعة خلال الأزمات السابقة، ما يجعل التخلي الكامل عن الأصول الخطرة قراراً مرتفع التكلفة إذا لم يتحقق السيناريو المتشائم.
معضلة السندات
يزداد الأمر تعقيداً لأن البدائل التقليدية للأسهم ليست جذابة بالضرورة. فمدير الصندوق الذي يبيع أسهم التكنولوجيا تحسباً لمخاطر الذكاء الاصطناعي قد يجد نفسه مضطراً إلى الاحتفاظ بسندات تواجه ضغوطاً من العجز الحكومي والاختلالات المالية وارتفاع الاقتراض.
وهنا تصبح المقارنة بين خطر افتراضي بالغ الضخامة ومشكلة مالية قائمة وملموسة أكثر صعوبة. فالمخاطر المرتبطة بالميزانيات الحكومية يمكن قياسها ومراقبتها في أسعار السندات والعوائد، بينما يصعب تحديد احتمال وقوع السيناريوهات المتطرفة للذكاء الاصطناعي أو توقيتها أو حجم تأثيرها الاقتصادي.
لذلك يفضل كثير من المستثمرين، عملياً، عدم التخلي عن الأصول التي حققت مكاسب قوية لمواجهة خطر لا يعرفون كيفية تسعيره، خصوصاً إذا كان التحول نحو الأصول الدفاعية ينطوي بدوره على مخاطر واضحة.
الأسواق تواصل الرقص رغم التحذيرات
تخلص قراءة «فايننشال تايمز» إلى مفارقة تعكس المزاج الاستثماري الحالي: التحذيرات بشأن الذكاء الاصطناعي قد تكون استثنائية، لكن الأسواق لا تزال تتعامل معها باعتبارها أقل إلحاحاً من المخاطر المالية التي يمكن قياسها وتسعيرها. وبين أسهم التكنولوجيا التي تواصل الاستفادة من طفرة الذكاء الاصطناعي، وسندات تضغط عليها الاختلالات المالية، ومخاطر وجودية يصعب التحوط منها، يجد مديرو الأموال أسباباً قليلة لتغيير محافظهم جذرياً. وطالما استمرت طفرة الذكاء الاصطناعي في دعم الأرباح والتقييمات وشهية المستثمرين، ستظل الأسواق أقرب إلى مواصلة الرهان عليها بدلاً من الانسحاب تحسباً لسيناريو لا يمكن تحديد موعده أو حتى معرفة مدى احتمالية تحققه.