تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإصلاح‭ ‬والانفتاح‭.. ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية

QSO…133

يُكثر‭ ‬بعض‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬من‭ ‬وصف‭ ‬التحول‭ ‬الذي‭ ‬شهده‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬معجزة‭ ‬اقتصادية‮»‬،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التعبير‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬الصورة‭ ‬كاملة‭. ‬فالنمو‭ ‬الصيني‭ ‬كان‭ ‬سريعاً‭ ‬بالفعل،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬في‭ ‬سرعته‭ ‬معدلات‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬حققتها‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬تاريخية‭ ‬مختلفة‭. ‬ومن‭ ‬منظور‭ ‬اقتصادي،‭ ‬يمكن‭ ‬تفسير‭ ‬هذا‭ ‬الصعود‭ ‬والتنبؤ‭ ‬بمساراته‭ ‬باعتباره،‭ ‬في‭ ‬جوهره،‭ ‬عملية‭ ‬للحاق‭ ‬بركب‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭ ‬ومواكبة‭ ‬ما‭ ‬حققته‭ ‬من‭ ‬مستويات‭ ‬إنتاج‭ ‬وتطور‭.‬
ولفهم‭ ‬التحول‭ ‬الصيني،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬التاريخ‭. ‬فقد‭ ‬امتلكت‭ ‬الصين‭ ‬حضارة‭ ‬عريقة‭ ‬امتدت‭ ‬آلاف‭ ‬السنين،‭ ‬وكانت‭ ‬قبل‭ ‬نحو‭ ‬200‭ ‬عام‭ ‬تمثل‭ ‬أكبر‭ ‬قوة‭ ‬اقتصادية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي‭ ‬قد‭ ‬دخل‭ ‬حتى‭ ‬قائمة‭ ‬أكبر‭ ‬عشرة‭ ‬اقتصادات‭ ‬عالمياً‭. ‬أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فأصبحت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الأكبر،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬سكانها‭ ‬يمثلون‭ ‬نحو‭ ‬5‭ % ‬فقط‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬سكان‭ ‬العالم،‭ ‬مقابل‭ ‬نحو‭ ‬20‭ % ‬للصين‭.‬
ويظل‭ ‬الصعود‭ ‬الأميركي‭ ‬حالة‭ ‬استثنائية‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬ويمكن‭ ‬النظر‭ ‬إليه‭ ‬باعتباره‭ ‬نموذجاً‭ ‬فريداً‭ ‬لتكوين‭ ‬الثروة‭ ‬الحديثة‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬انتقلت‭ ‬الصين‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬تاريخية‭ ‬محدودة‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬حضاري‭ ‬واقتصادي‭ ‬متقدم‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬فقيرة،‭ ‬وهو‭ ‬تحول‭ ‬يطرح‭ ‬سؤالاً‭ ‬أساسياً‭ ‬حول‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬قادت‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭.‬
ولا‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الإجابة‭ ‬ترتبط‭ ‬بموارد‭ ‬الصين‭ ‬أو‭ ‬بقدرات‭ ‬شعبها‭ ‬أو‭ ‬قادتها،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬أسباب‭ ‬تجعل‭ ‬الصينيين‭ ‬أقل‭ ‬قدرة‭ ‬أو‭ ‬ذكاءً‭ ‬من‭ ‬الأميركيين‭. ‬وكان‭ ‬العامل‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثيراً‭ ‬هو‭ ‬اختلاف‭ ‬الأنظمة‭ ‬التي‭ ‬حكمت‭ ‬مسار‭ ‬التطور‭ ‬في‭ ‬البلدين‭. ‬فعلى‭ ‬مدى‭ ‬القرنين‭ ‬الماضيين،‭ ‬تمثل‭ ‬الفارق‭ ‬الأبرز‭ ‬بين‭ ‬التجربتين‭ ‬الصينية‭ ‬والأميركية‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬المؤسسية‭ ‬والسياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تشكلت‭ ‬داخل‭ ‬كل‭ ‬منهما‭.‬
وقد‭ ‬ورثت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬مقومات‭ ‬الحضارة‭ ‬الأوروبية‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الحديث‭ ‬والنظام‭ ‬السياسي‭ ‬الغربي،‭ ‬كما‭ ‬استقطبت‭ ‬أعداداً‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬المواهب‭ ‬والكفاءات‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭. ‬ومع‭ ‬اتساع‭ ‬الأراضي‭ ‬الجديدة‭ ‬ووفرة‭ ‬الموارد،‭ ‬تمكن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة‭ ‬نسبياً‭ ‬من‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬رائدة‭ ‬على‭ ‬المستويات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬والثقافية‭.‬
وعندما‭ ‬اتجهت‭ ‬الصين‭ ‬إلى‭ ‬سياسة‭ ‬الإصلاح‭ ‬والانفتاح،‭ ‬أصبح‭ ‬تغيير‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والمؤسساتي‭ ‬ضرورة‭ ‬لمواكبة‭ ‬المرحلة‭ ‬الجديدة‭. ‬فالتعديلات‭ ‬التي‭ ‬تطال‭ ‬المؤسسات‭ ‬والقواعد‭ ‬المنظمة‭ ‬للنشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬تنعكس‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬الإنتاجية‭ ‬وقدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬على‭ ‬النمو‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬أشار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أنجوس‭ ‬ماديسون،‭ ‬في‭ ‬وصفه‭ ‬لإصلاح‭ ‬ميجي‭ ‬في‭ ‬اليابان،‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬يمكن‭ ‬إسقاط‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬ملامحها‭ ‬على‭ ‬مسار‭ ‬الإصلاح‭ ‬والانفتاح‭ ‬الذي‭ ‬بدأته‭ ‬الصين‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1979‭. ‬والمثير‭ ‬في‭ ‬المقارنة‭ ‬أن‭ ‬اختلاف‭ ‬الأسماء‭ ‬والتواريخ‭ ‬لا‭ ‬يغير‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬جوهر‭ ‬التجربتين؛‭ ‬إذ‭ ‬تكشف‭ ‬السنوات‭ ‬الخمس‭ ‬والعشرون‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬مسيرة‭ ‬الصين،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تجربة‭ ‬النمور‭ ‬الآسيوية‭ ‬الأربعة‭ ‬وإصلاح‭ ‬ميجي‭ ‬الياباني‭ ‬الذي‭ ‬سبقها‭ ‬بنحو‭ ‬150‭ ‬عاماً،‭ ‬عن‭ ‬الدور‭ ‬الحاسم‭ ‬للأنظمة‭ ‬والمؤسسات‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬عملية‭ ‬التطور‭ ‬الاقتصادي‭.‬
وخلال‭ ‬السنوات‭ ‬الخمس‭ ‬والعشرين‭ ‬الأخيرة،‭ ‬اتسمت‭ ‬الإصلاحات‭ ‬الصينية‭ ‬بقدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الملاءمة‭ ‬لاحتياجات‭ ‬النمو،‭ ‬وأسهمت‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬المؤسسية‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬السرعة‭ ‬التي‭ ‬اتخذها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬توسعه‭.‬
ويأتي‭ ‬الاستقرار‭ ‬السياسي‭ ‬والحكومي‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭. ‬فقد‭ ‬أسهم‭ ‬استمرار‭ ‬الحكومة‭ ‬بقيادة‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬الصيني‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬درجة‭ ‬مرتفعة‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬وهو‭ ‬عامل‭ ‬اكتسب‭ ‬أهمية‭ ‬كبيرة‭ ‬بالنسبة‭ ‬للنشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاستثماري‭.‬
وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكلفة‭ ‬العمالة‭ ‬الصينية‭ ‬كانت‭ ‬منخفضة‭ ‬مقارنة‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات،‭ ‬فإن‭ ‬مستويات‭ ‬الأجور‭ ‬ظلت‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬نظيراتها‭ ‬في‭ ‬أفريقيا‭ ‬والهند‭ ‬وإندونيسيا‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬كان‭ ‬الاستقرار‭ ‬أحد‭ ‬الأسباب‭ ‬الرئيسية‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬المستثمرين‭ ‬الأجانب‭ ‬يفضلون‭ ‬الصين،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ما‭ ‬لمسوه‭ ‬من‭ ‬كفاءة‭ ‬إدارية‭ ‬نسبية‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬الحكومة،‭ ‬وهي‭ ‬كفاءة‭ ‬تركت‭ ‬انطباعاً‭ ‬قوياً‭ ‬لدى‭ ‬قطاع‭ ‬الأعمال‭.‬
ولم‭ ‬تقتصر‭ ‬هذه‭ ‬الكفاءة‭ ‬على‭ ‬الحكومة‭ ‬المركزية،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬الإدارات‭ ‬المحلية،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬أصبحت‭ ‬فيه‭ ‬المنافسة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بين‭ ‬المناطق‭ ‬الصينية‭ ‬شديدة‭. ‬كما‭ ‬لعبت‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الحكومية‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إنشاء‭ ‬المطارات‭ ‬والموانئ‭ ‬والسكك‭ ‬الحديدية‭ ‬والطرق‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المشروعات‭ ‬التي‭ ‬وفرت‭ ‬قاعدة‭ ‬أساسية‭ ‬للتوسع‭.‬

انفتاح‭ ‬اقتصادي‭ ‬يسرّع‭ ‬
الاندماج‭ ‬الخارجي

كان‭ ‬الانفتاح‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬دعمت‭ ‬مسار‭ ‬النمو‭ ‬الصيني،‭ ‬إذ‭ ‬اتخذت‭ ‬الصين‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬إصلاحاتها‭ ‬نهجاً‭ ‬واسعاً‭ ‬في‭ ‬فتح‭ ‬اقتصادها‭ ‬أمام‭ ‬العالم‭. ‬وبات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني‭ ‬أكثر‭ ‬انفتاحاً‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الياباني‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬مماثلة،‭ ‬حيث‭ ‬أُتيح‭ ‬للشركات‭ ‬والمنتجين‭ ‬العمل‭ ‬داخل‭ ‬السوق‭ ‬الصينية‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬متعددة،‭ ‬سواء‭ ‬تعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالصناعات‭ ‬عالية‭ ‬التقنية‭ ‬أو‭ ‬بالسلع‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬التقليدية‭.‬
واتسمت‭ ‬سياسة‭ ‬جذب‭ ‬الاستثمار‭ ‬الأجنبي‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الانفتاح‭ ‬أيضاً‭. ‬فمنذ‭ ‬المراحل‭ ‬الأولى‭ ‬للإصلاح،‭ ‬سمحت‭ ‬الصين‭ ‬للشركات‭ ‬الأجنبية‭ ‬المملوكة‭ ‬بالكامل‭ ‬لمستثمرين‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬بالعمل‭ ‬داخل‭ ‬أراضيها‭ ‬مع‭ ‬قدر‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬القيود،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬توفير‭ ‬حوافز‭ ‬ضريبية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المزايا‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬الهدف‭ ‬مجرد‭ ‬جذب‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال،‭ ‬بل‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬كحلقة‭ ‬وصل‭ ‬مباشرة‭ ‬بين‭ ‬العمالة‭ ‬الصينية‭ ‬منخفضة‭ ‬التكلفة‭ ‬والسوق‭ ‬المحلية‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وكبرى‭ ‬الشركات‭ ‬العالمية‭ ‬وأفضل‭ ‬الممارسات‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والأسواق‭ ‬المالية‭ ‬الدولية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬
وأتاح‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬للصين‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الخبرات‭ ‬والأساليب‭ ‬الإدارية‭ ‬والتقنية‭ ‬العالمية،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬انتظار‭ ‬اكتمال‭ ‬تطوير‭ ‬منظومتها‭ ‬المصرفية‭ ‬وأسواق‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬المحلية‭ ‬إلى‭ ‬المستويات‭ ‬نفسها‭ ‬القائمة‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭. ‬فقد‭ ‬أدت‭ ‬الشركات‭ ‬الأجنبية‭ ‬دوراً‭ ‬وسيطاً‭ ‬نقل‭ ‬عبره‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني‭ ‬المعرفة‭ ‬والخبرات‭ ‬والاتصالات‭ ‬التجارية‭ ‬إلى‭ ‬السوق‭ ‬المحلية‭.‬
وكانت‭ ‬آثار‭ ‬هذا‭ ‬الارتباط‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬واسعة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التفاوت‭ ‬الكبير‭ ‬بين‭ ‬الأقاليم‭ ‬الصينية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬مستوى‭ ‬التنمية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أن‭ ‬مستويات‭ ‬التعليم‭ ‬والتدريب‭ ‬لدى‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬بدايات‭ ‬الإصلاح‭ ‬بالمستوى‭ ‬الذي‭ ‬يتطلبه‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحديث‭. ‬ومع‭ ‬دخول‭ ‬الشركات‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات‭ ‬إلى‭ ‬الصين،‭ ‬نشأت‭ ‬روابط‭ ‬جديدة‭ ‬بين‭ ‬السكان‭ ‬والمناطق‭ ‬والقطاعات‭ ‬المختلفة‭ ‬وبين‭ ‬أكثر‭ ‬النظم‭ ‬الاقتصادية‭ ‬تقدماً‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬ساعد‭ ‬على‭ ‬تسريع‭ ‬انتقال‭ ‬المعرفة‭ ‬ورفع‭ ‬القدرات‭ ‬الصناعية‭ ‬والتقنية‭ ‬الصينية‭.‬

هونغ‭ ‬كونغ‭ ‬بوابة‭ ‬إلى‭ ‬
أسواق‭ ‬رأس‭ ‬المال

استفادت‭ ‬الصين‭ ‬كذلك‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭ ‬باعتبارها‭ ‬مركزاً‭ ‬دولياً‭ ‬متقدماً‭ ‬لأسواق‭ ‬رأس‭ ‬المال‭. ‬فقد‭ ‬دخلت‭ ‬الشركات‭ ‬الصينية‭ ‬الكبرى‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬منحها‭ ‬فرصة‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬المستثمرين‭ ‬الدوليين‭ ‬والخضوع‭ ‬لمستويات‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬التحليل‭ ‬والتقييم‭ ‬والرقابة‭ ‬السوقية‭.‬
وأدى‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬دوراً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬سوق‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الصيني،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬الشركات‭ ‬التي‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬أسواق‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬ارتباطاً‭ ‬بالمعايير‭ ‬العالمية،‭ ‬وتتعرض‭ ‬لتقييم‭ ‬المستثمرين‭ ‬بالطريقة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬تخضع‭ ‬لها‭ ‬الشركات‭ ‬المدرجة‭ ‬في‭ ‬المراكز‭ ‬المالية‭ ‬الكبرى‭ ‬مثل‭ ‬نيويورك‭ ‬ولندن‭.‬
وبصورة‭ ‬تدريجية،‭ ‬اتجهت‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬إصلاحها‭ ‬إلى‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬النماذج‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الأكثر‭ ‬تقدماً‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أنظمة‭ ‬الشركات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬والأسواق‭. ‬وظهر‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬المصرفي،‭ ‬حيث‭ ‬بدأت‭ ‬عمليات‭ ‬الإصلاح‭ ‬بإدخال‭ ‬مؤسسات‭ ‬دولية‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬إتش‭ ‬إس‭ ‬بي‭ ‬سي‮»‬‭ ‬وبنك‭ ‬أوف‭ ‬أميركا‭ ‬ومستثمرين‭ ‬استراتيجيين‭ ‬آخرين‭ ‬كمساهمين‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المؤسسات‭.‬
كما‭ ‬لم‭ ‬تقتصر‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬صناعة‭ ‬السيارات‭ ‬الصينية‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬الإنتاج‭ ‬المحلي،‭ ‬بل‭ ‬اتجهت‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬جذب‭ ‬المشروعات‭ ‬المشتركة‭ ‬مع‭ ‬الشركات‭ ‬الأجنبية‭. ‬وأسهمت‭ ‬المنافسة‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬المشروعات‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬مستويات‭ ‬الإنتاج‭ ‬وتحسين‭ ‬القدرات‭ ‬الصناعية‭ ‬والتقنية‭.‬
وامتد‭ ‬تأثير‭ ‬المنافسة‭ ‬المفتوحة‭ ‬إلى‭ ‬قطاعات‭ ‬أخرى،‭ ‬ومنها‭ ‬التعليم‭ ‬الإداري‭. ‬فعندما‭ ‬تأسست‭ ‬كلية‭ ‬الصين‭ ‬وأوروبا‭ ‬الدولية‭ ‬لإدارة‭ ‬الأعمال‭ ‬في‭ ‬شنغهاي،‭ ‬وجدت‭ ‬كليات‭ ‬إدارة‭ ‬الأعمال‭ ‬الأخرى‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬منافس‭ ‬جديد‭ ‬دفعها‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬أدائها‭ ‬ورفع‭ ‬مستوى‭ ‬برامجها‭. ‬وهكذا‭ ‬أصبحت‭ ‬المنافسة‭ ‬وسيلة‭ ‬لنقل‭ ‬المعايير‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬الداخل،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬لزيادة‭ ‬عدد‭ ‬المؤسسات‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬السوق‭.‬
ومع‭ ‬تراكم‭ ‬هذه‭ ‬التجارب،‭ ‬تمكنت‭ ‬الصين‭ ‬من‭ ‬الاقتراب‭ ‬بصورة‭ ‬متسارعة‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭ ‬والاندماج‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭. ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬عملية‭ ‬الإصلاح‭ ‬شأناً‭ ‬داخلياً‭ ‬يخص‭ ‬المجتمع‭ ‬الصيني‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬ذي‭ ‬تأثير‭ ‬واسع‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭.‬

المدخرات‭ ‬وجذور‭ ‬الاختلال‭ ‬المالي

ومع‭ ‬اتساع‭ ‬الاندماج‭ ‬الصيني‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬أثر‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬محصوراً‭ ‬في‭ ‬معدلات‭ ‬النمو‭ ‬والإنتاج،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬إلى‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬وتدفقات‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬طرح‭ ‬بن‭ ‬برنانكي،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬الرئيس‭ ‬المعين‭ ‬للاحتياطي‭ ‬الفيدرالي،‭ ‬قضية‭ ‬الاختلال‭ ‬بين‭ ‬المدخرات‭ ‬والاستثمار‭ ‬العالمي،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬باعتبارها‭ ‬أحد‭ ‬العوامل‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الدولي‭.‬
فمن‭ ‬ناحية،‭ ‬اتسم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي‭ ‬بارتفاع‭ ‬مستويات‭ ‬الاستهلاك‭ ‬والاستثمار‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬انخفاض‭ ‬المدخرات‭ ‬المحلية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬اتساع‭ ‬العجز‭ ‬التجاري‭. ‬ويعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬قيمة‭ ‬الواردات‭ ‬كانت‭ ‬تتجاوز‭ ‬الصادرات،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬التدفقات‭ ‬الرأسمالية‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬لتمويل‭ ‬هذا‭ ‬الاختلال‭.‬
في‭ ‬المقابل،‭ ‬اتسمت‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الآسيوية،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬اليابان‭ ‬والنمور‭ ‬الآسيوية‭ ‬الأربعة‭ ‬والصين،‭ ‬بانخفاض‭ ‬نسبي‭ ‬في‭ ‬الاستهلاك‭ ‬والاستثمار‭ ‬مقابل‭ ‬ارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬الادخار‭. ‬وأدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬فوائض‭ ‬تجارية‭ ‬كبيرة‭ ‬نتيجة‭ ‬تجاوز‭ ‬الصادرات‭ ‬للواردات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬هذه‭ ‬الاقتصادات‭ ‬مصدراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬لرأس‭ ‬المال‭ ‬المتجه‭ ‬إلى‭ ‬الخارج،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تسير‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬المعاكس‭ ‬مع‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬التدفقات‭ ‬الرأسمالية‭ ‬الخارجية‭.‬
وهنا‭ ‬برز‭ ‬السؤال‭ ‬الأساسي‭: ‬لماذا‭ ‬كانت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬رغم‭ ‬امتلاكها‭ ‬قاعدة‭ ‬رأسمالية‭ ‬قوية،‭ ‬تستقبل‭ ‬تدفقات‭ ‬رأسمالية‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬الخارج،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تحولت‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الآسيوية‭ ‬التي‭ ‬راكمت‭ ‬المدخرات‭ ‬إلى‭ ‬مصادر‭ ‬رئيسية‭ ‬لرأس‭ ‬المال‭ ‬المتجه‭ ‬إلى‭ ‬الخارج؟
لم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬الاختلال‭ ‬ظاهرة‭ ‬جديدة،‭ ‬بل‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬عقدين‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬وظل‭ ‬قائماً‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬معالجة‭ ‬جذرية‭. ‬ففي‭ ‬مرحلة‭ ‬مبكرة،‭ ‬رأت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أن‭ ‬السياسات‭ ‬التجارية‭ ‬الحمائية‭ ‬اليابانية‭ ‬تمثل‭ ‬أحد‭ ‬مصادر‭ ‬المشكلة،‭ ‬وضغطت‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬رفع‭ ‬قيمة‭ ‬الين‭ ‬الياباني،‭ ‬الذي‭ ‬ارتفعت‭ ‬قيمته‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬ثلاثة‭ ‬أمثال‭ ‬مستواه‭ ‬السابق‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التغيير‭ ‬انعكس‭ ‬سلباً‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الياباني،‭ ‬وأسهم‭ ‬في‭ ‬دخوله‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬الانكماش‭ ‬والتراجع‭.‬

رجوع لأعلى