الإصلاح والانفتاح.. الطريق إلى القوة الاقتصادية
يُكثر بعض الاقتصاديين من وصف التحول الذي شهده الاقتصاد الصيني خلال العقود الماضية بأنه «معجزة اقتصادية»، إلا أن هذا التعبير لا يعكس الصورة كاملة. فالنمو الصيني كان سريعاً بالفعل، لكنه لم يتجاوز في سرعته معدلات سبق أن حققتها مناطق أخرى في مراحل تاريخية مختلفة. ومن منظور اقتصادي، يمكن تفسير هذا الصعود والتنبؤ بمساراته باعتباره، في جوهره، عملية للحاق بركب الاقتصادات المتقدمة ومواكبة ما حققته من مستويات إنتاج وتطور.
ولفهم التحول الصيني، لا بد من العودة إلى التاريخ. فقد امتلكت الصين حضارة عريقة امتدت آلاف السنين، وكانت قبل نحو 200 عام تمثل أكبر قوة اقتصادية في العالم، في وقت لم يكن الاقتصاد الأميركي قد دخل حتى قائمة أكبر عشرة اقتصادات عالمياً. أما اليوم، فأصبحت الولايات المتحدة القوة الاقتصادية الأكبر، رغم أن سكانها يمثلون نحو 5 % فقط من إجمالي سكان العالم، مقابل نحو 20 % للصين.
ويظل الصعود الأميركي حالة استثنائية في التاريخ الاقتصادي، ويمكن النظر إليه باعتباره نموذجاً فريداً لتكوين الثروة الحديثة. وفي المقابل، انتقلت الصين خلال فترة تاريخية محدودة من موقع حضاري واقتصادي متقدم إلى دولة فقيرة، وهو تحول يطرح سؤالاً أساسياً حول العوامل التي قادت إلى هذا التراجع.
ولا يبدو أن الإجابة ترتبط بموارد الصين أو بقدرات شعبها أو قادتها، إذ لا توجد أسباب تجعل الصينيين أقل قدرة أو ذكاءً من الأميركيين. وكان العامل الأكثر تأثيراً هو اختلاف الأنظمة التي حكمت مسار التطور في البلدين. فعلى مدى القرنين الماضيين، تمثل الفارق الأبرز بين التجربتين الصينية والأميركية في البيئة المؤسسية والسياسية والاقتصادية التي تشكلت داخل كل منهما.
وقد ورثت الولايات المتحدة بصورة مباشرة كثيراً من مقومات الحضارة الأوروبية والاقتصاد الحديث والنظام السياسي الغربي، كما استقطبت أعداداً كبيرة من أصحاب المواهب والكفاءات من مختلف أنحاء العالم. ومع اتساع الأراضي الجديدة ووفرة الموارد، تمكن الاقتصاد الأميركي خلال فترة قصيرة نسبياً من التحول إلى قوة رائدة على المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية.
وعندما اتجهت الصين إلى سياسة الإصلاح والانفتاح، أصبح تغيير النظام الاقتصادي والمؤسساتي ضرورة لمواكبة المرحلة الجديدة. فالتعديلات التي تطال المؤسسات والقواعد المنظمة للنشاط الاقتصادي تنعكس بصورة مباشرة على الإنتاجية وقدرة الاقتصاد على النمو.
وفي هذا السياق، أشار الاقتصادي أنجوس ماديسون، في وصفه لإصلاح ميجي في اليابان، إلى تجربة يمكن إسقاط كثير من ملامحها على مسار الإصلاح والانفتاح الذي بدأته الصين منذ عام 1979. والمثير في المقارنة أن اختلاف الأسماء والتواريخ لا يغير كثيراً من جوهر التجربتين؛ إذ تكشف السنوات الخمس والعشرون الأخيرة من مسيرة الصين، إلى جانب تجربة النمور الآسيوية الأربعة وإصلاح ميجي الياباني الذي سبقها بنحو 150 عاماً، عن الدور الحاسم للأنظمة والمؤسسات في دفع عملية التطور الاقتصادي.
وخلال السنوات الخمس والعشرين الأخيرة، اتسمت الإصلاحات الصينية بقدر كبير من الملاءمة لاحتياجات النمو، وأسهمت مجموعة من العوامل المؤسسية في تفسير السرعة التي اتخذها الاقتصاد الصيني في مسار توسعه.
ويأتي الاستقرار السياسي والحكومي في مقدمة هذه العوامل. فقد أسهم استمرار الحكومة بقيادة الحزب الشيوعي الصيني في توفير درجة مرتفعة من الاستقرار على المدى الطويل، وهو عامل اكتسب أهمية كبيرة بالنسبة للنشاط الاقتصادي والاستثماري.
وعلى الرغم من أن تكلفة العمالة الصينية كانت منخفضة مقارنة بالعديد من الاقتصادات، فإن مستويات الأجور ظلت أعلى من نظيراتها في أفريقيا والهند وإندونيسيا. ومع ذلك، كان الاستقرار أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت المستثمرين الأجانب يفضلون الصين، إلى جانب ما لمسوه من كفاءة إدارية نسبية في أداء الحكومة، وهي كفاءة تركت انطباعاً قوياً لدى قطاع الأعمال.
ولم تقتصر هذه الكفاءة على الحكومة المركزية، بل امتدت إلى مستويات مختلفة من الإدارات المحلية، في وقت أصبحت فيه المنافسة الاقتصادية بين المناطق الصينية شديدة. كما لعبت الاستثمارات الحكومية في البنية التحتية دوراً محورياً في دعم النشاط الاقتصادي، من خلال إنشاء المطارات والموانئ والسكك الحديدية والطرق وغيرها من المشروعات التي وفرت قاعدة أساسية للتوسع.
انفتاح اقتصادي يسرّع
الاندماج الخارجي
كان الانفتاح الاقتصادي أحد أبرز العوامل التي دعمت مسار النمو الصيني، إذ اتخذت الصين منذ بداية إصلاحاتها نهجاً واسعاً في فتح اقتصادها أمام العالم. وبات الاقتصاد الصيني أكثر انفتاحاً من الاقتصاد الياباني في مراحل مماثلة، حيث أُتيح للشركات والمنتجين العمل داخل السوق الصينية في قطاعات متعددة، سواء تعلق الأمر بالصناعات عالية التقنية أو بالسلع الاستهلاكية التقليدية.
واتسمت سياسة جذب الاستثمار الأجنبي بدرجة كبيرة من الانفتاح أيضاً. فمنذ المراحل الأولى للإصلاح، سمحت الصين للشركات الأجنبية المملوكة بالكامل لمستثمرين من الخارج بالعمل داخل أراضيها مع قدر محدود من القيود، إلى جانب توفير حوافز ضريبية وغيرها من المزايا. ولم يكن الهدف مجرد جذب رؤوس الأموال، بل الاستفادة من وجود هذه الشركات كحلقة وصل مباشرة بين العمالة الصينية منخفضة التكلفة والسوق المحلية من جهة، وكبرى الشركات العالمية وأفضل الممارسات في الاقتصاد والأسواق المالية الدولية من جهة أخرى.
وأتاح هذا النموذج للصين الاستفادة من الخبرات والأساليب الإدارية والتقنية العالمية، من دون انتظار اكتمال تطوير منظومتها المصرفية وأسواق رأس المال المحلية إلى المستويات نفسها القائمة في الاقتصادات المتقدمة. فقد أدت الشركات الأجنبية دوراً وسيطاً نقل عبره الاقتصاد الصيني المعرفة والخبرات والاتصالات التجارية إلى السوق المحلية.
وكانت آثار هذا الارتباط بالاقتصاد العالمي واسعة، خصوصاً في ظل التفاوت الكبير بين الأقاليم الصينية من حيث مستوى التنمية، إلى جانب أن مستويات التعليم والتدريب لدى نسبة كبيرة من السكان لم تكن في بدايات الإصلاح بالمستوى الذي يتطلبه الاقتصاد الحديث. ومع دخول الشركات متعددة الجنسيات إلى الصين، نشأت روابط جديدة بين السكان والمناطق والقطاعات المختلفة وبين أكثر النظم الاقتصادية تقدماً في العالم، الأمر الذي ساعد على تسريع انتقال المعرفة ورفع القدرات الصناعية والتقنية الصينية.
هونغ كونغ بوابة إلى
أسواق رأس المال
استفادت الصين كذلك من موقع هونغ كونغ باعتبارها مركزاً دولياً متقدماً لأسواق رأس المال. فقد دخلت الشركات الصينية الكبرى إلى سوق هونغ كونغ، الأمر الذي منحها فرصة للتعامل مع المستثمرين الدوليين والخضوع لمستويات أعلى من التحليل والتقييم والرقابة السوقية.
وأدى هذا المسار دوراً مهماً في تطوير سوق رأس المال الصيني، إذ إن الشركات التي تصل إلى أسواق هونغ كونغ تصبح أكثر ارتباطاً بالمعايير العالمية، وتتعرض لتقييم المستثمرين بالطريقة نفسها التي تخضع لها الشركات المدرجة في المراكز المالية الكبرى مثل نيويورك ولندن.
وبصورة تدريجية، اتجهت الصين في عملية إصلاحها إلى الاستفادة من النماذج الاقتصادية الأكثر تقدماً في العالم، بما في ذلك أنظمة الشركات والمؤسسات والأسواق. وظهر ذلك بوضوح في القطاع المصرفي، حيث بدأت عمليات الإصلاح بإدخال مؤسسات دولية مثل «إتش إس بي سي» وبنك أوف أميركا ومستثمرين استراتيجيين آخرين كمساهمين في بعض المؤسسات.
كما لم تقتصر إعادة هيكلة صناعة السيارات الصينية على تطوير الإنتاج المحلي، بل اتجهت أيضاً إلى جذب المشروعات المشتركة مع الشركات الأجنبية. وأسهمت المنافسة بين هذه المشروعات في رفع مستويات الإنتاج وتحسين القدرات الصناعية والتقنية.
وامتد تأثير المنافسة المفتوحة إلى قطاعات أخرى، ومنها التعليم الإداري. فعندما تأسست كلية الصين وأوروبا الدولية لإدارة الأعمال في شنغهاي، وجدت كليات إدارة الأعمال الأخرى نفسها أمام منافس جديد دفعها إلى تطوير أدائها ورفع مستوى برامجها. وهكذا أصبحت المنافسة وسيلة لنقل المعايير العالمية إلى الداخل، وليس مجرد أداة لزيادة عدد المؤسسات العاملة في السوق.
ومع تراكم هذه التجارب، تمكنت الصين من الاقتراب بصورة متسارعة من الاقتصادات المتقدمة والاندماج في الاقتصاد العالمي. ولم تعد عملية الإصلاح شأناً داخلياً يخص المجتمع الصيني وحده، بل تحولت تدريجياً إلى مسار ذي تأثير واسع في النظام الاقتصادي العالمي.
المدخرات وجذور الاختلال المالي
ومع اتساع الاندماج الصيني في الاقتصاد العالمي، لم يعد أثر هذا التحول محصوراً في معدلات النمو والإنتاج، بل امتد إلى حركة التجارة وتدفقات رؤوس الأموال. وفي هذا السياق، طرح بن برنانكي، الذي كان في تلك الفترة الرئيس المعين للاحتياطي الفيدرالي، قضية الاختلال بين المدخرات والاستثمار العالمي، إلى جانب الاستهلاك، باعتبارها أحد العوامل المؤثرة في حركة الاقتصاد الدولي.
فمن ناحية، اتسم الاقتصاد الأميركي بارتفاع مستويات الاستهلاك والاستثمار في مقابل انخفاض المدخرات المحلية، وهو ما أسهم في اتساع العجز التجاري. ويعني ذلك أن قيمة الواردات كانت تتجاوز الصادرات، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة تعتمد بدرجة أكبر على التدفقات الرأسمالية القادمة من الخارج لتمويل هذا الاختلال.
في المقابل، اتسمت الاقتصادات الآسيوية، بما فيها اليابان والنمور الآسيوية الأربعة والصين، بانخفاض نسبي في الاستهلاك والاستثمار مقابل ارتفاع معدلات الادخار. وأدى ذلك إلى تحقيق فوائض تجارية كبيرة نتيجة تجاوز الصادرات للواردات، وهو ما جعل هذه الاقتصادات مصدراً رئيسياً لرأس المال المتجه إلى الخارج، بينما كانت الولايات المتحدة تسير في الاتجاه المعاكس مع اعتمادها على التدفقات الرأسمالية الخارجية.
وهنا برز السؤال الأساسي: لماذا كانت الولايات المتحدة، رغم امتلاكها قاعدة رأسمالية قوية، تستقبل تدفقات رأسمالية ضخمة من الخارج، في حين تحولت الاقتصادات الآسيوية التي راكمت المدخرات إلى مصادر رئيسية لرأس المال المتجه إلى الخارج؟
لم يكن هذا الاختلال ظاهرة جديدة، بل يعود إلى ما يقارب عقدين من الزمن، وظل قائماً من دون معالجة جذرية. ففي مرحلة مبكرة، رأت الولايات المتحدة أن السياسات التجارية الحمائية اليابانية تمثل أحد مصادر المشكلة، وضغطت من أجل رفع قيمة الين الياباني، الذي ارتفعت قيمته إلى نحو ثلاثة أمثال مستواه السابق. غير أن هذا التغيير انعكس سلباً على الاقتصاد الياباني، وأسهم في دخوله مرحلة من الانكماش والتراجع.