الإمارات تستقطب 1.3 مليار دولار جريء
استعادت الإمارات صدارة مشهد الاستثمار الجريء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال النصف الأول من 2026، بعدما جذبت شركاتها الناشئة تمويلات بنحو 1.3 مليار دولار خلال ستة أشهر فقط، متجاوزة بالفعل إجمالي ما سجلته خلال العام الماضي بأكمله. ويكشف هذا الأداء عن تحول واضح في خريطة التمويل الإقليمية، إذ استحوذت الإمارات على نحو ثلثي إجمالي قيمة صفقات رأس المال الجريء في المنطقة، مستفيدة بصورة خاصة من مجموعة صفقات ضخمة عززت قيمة الاستثمارات رغم تراجع عدد الصفقات.
أظهر تقرير «تحليل رأس المال الخاص في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للنصف الأول 2026»، الصادر عن مؤسسة «بيتش بوك»، أن سوق الاستثمار الجريء الإماراتية استعادت زخماً قوياً خلال الأشهر الستة الأولى من العام.
وتكتسب قيمة التمويلات البالغة 1.3 مليار دولار أهمية مضاعفة، ليس فقط لأنها تضع الإمارات في مقدمة أسواق المنطقة، وإنما لأنها تجاوزت خلال نصف عام حصيلة التمويلات التي سجلتها الدولة في 2025 بأكمله. وتشير الأرقام إلى أن السوق تتحرك في اتجاه مختلف عن الاتجاه الإقليمي العام، حيث تباطأت وتيرة إبرام الصفقات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مقارنة بالعام الماضي، لكن ارتفاع أحجام بعض الجولات الاستثمارية عوض انخفاض عددها.
صفقات ضخمة
جاء جانب كبير من التفوق الإماراتي مدفوعاً بثلاث صفقات رئيسية تصدرت استثمارات المنطقة خلال العام الجاري. ففي يونيو، قادت «أدكن» جولة تمويلية بقيمة 275 مليون دولار لصالح «كادينا»، التي تتخذ من دبي مقراً لها وتتخصص في مساعدة المؤسسات على التوسع دولياً وزيادة إيراداتها الخارجية.
وفي الشهر نفسه، تمكنت «كارغو إكس»، المتخصصة في تقنيات التوصيل الذاتي، من جمع 250 مليون دولار خلال جولة قادتها «بلو فايف كابيتال».
وسبق ذلك في يناير نجاح بنك «مال»، وهو بنك رقمي إسلامي مدعوم بتقنيات الذكاء الاصطناعي، في جمع 230 مليون دولار خلال جولة قادتها أيضاً «بلو فايف كابيتال».
وبذلك بلغت القيمة الإجمالية لهذه الصفقات الثلاث وحدها 755 مليون دولار، بما يعادل أكثر من نصف إجمالي التمويلات التي استقطبتها الشركات الناشئة في الإمارات خلال النصف الأول.
تكشف الأرقام في الوقت نفسه عن ظاهرة مهمة تتمثل في زيادة تركيز رأس المال داخل عدد أقل من الصفقات الكبيرة. فالنمو في القيمة الإجمالية للاستثمارات لم يكن نتيجة زيادة واسعة في عدد الجولات التمويلية، وإنما جاء مدفوعاً بصورة أساسية بالصفقات الضخمة.
ويعكس ذلك زيادة انتقائية المستثمرين في بيئة عالمية وإقليمية أكثر تعقيداً، حيث تتجه رؤوس الأموال بصورة أكبر نحو الشركات القادرة على إثبات نموذج أعمالها وإظهار إمكانات واضحة للنمو والتوسع.
كما تبرز القطاعات التي استقطبت أكبر الجولات تنوع الاقتصاد الرقمي الإماراتي، من الخدمات الموجهة للتوسع الدولي إلى التوصيل الذاتي والخدمات المصرفية الإسلامية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
مرونة إقليمية
وعلى مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، اقتربت القيمة الإجمالية لصفقات رأس المال الجريء من ملياري دولار خلال النصف الأول، لتقترب بذلك من مستويات 2025 رغم انخفاض عدد الصفقات.
وجاء ذلك في بيئة اتسمت بتصاعد التوترات الجيوسياسية وعدم اليقين، وهي عوامل ضغطت خصوصاً على قرارات المستثمرين الأجانب ودفعتهم إلى مزيد من الحذر عند ضخ رؤوس الأموال.
ورغم ذلك، أظهرت السوق الإقليمية قدرة على الاحتفاظ بتدفقات تمويلية مرتفعة، مدعومة بالصفقات الكبيرة التي عوضت جانباً من التراجع في النشاط الاستثماري الأوسع.
الإمارات تقود التمويل الإقليمي
يعزز أداء النصف الأول مكانة الإمارات مركزاً رئيسياً لرأس المال الجريء في المنطقة، بعدما جمعت وحدها نحو ثلثي قيمة الاستثمارات الإقليمية. لكن استمرار الزخم خلال النصف الثاني سيعتمد على قدرة السوق على توسيع قاعدة الصفقات وعدم الاعتماد فقط على الجولات الضخمة. وإذا استمرت التدفقات بالمعدلات الحالية، فإن 2026 قد يتحول إلى عام استثنائي للاستثمار الجريء الإماراتي، خصوصاً مع تنامي حضور قطاعات الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية والتكنولوجيا المالية، وترسخ الإمارات بوابة إقليمية للشركات الناشئة الباحثة عن رأس المال والتوسع في الأسواق العالمية.