البتكوين يتقدم.. و400 ألف دولار على مرمى التوقعات
ارتفعت العملات المشفرة خلال تعاملات الاثنين، وسط حالة من الترقب في الأسواق العالمية مع استمرار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط واضطرابات حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، بالتزامن مع استعداد المستثمرين لقرار مهم من مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بشأن أسعار الفائدة هذا الأسبوع.
وتأتي المكاسب في وقت تواجه فيه الأصول الرقمية مجموعة متباينة من المؤثرات، إذ تدعم حالة عدم اليقين الجيوسياسي الطلب على بعض الأصول البديلة، بينما تمثل توقعات تشديد السياسة النقدية الأميركية عامل ضغط على الاستثمارات عالية المخاطر، وفي مقدمتها العملات المشفرة.
رهانات الفائدة
عززت بيانات التضخم الأميركية الأخيرة توقعات اتجاه مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة، بعدما أظهرت تسارع أسعار المستهلكين خلال أغسطس، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى إعادة تسعير توقعاتهم بشأن السياسة النقدية. ووفقاً لأداة «فيد ووتش»، وصلت احتمالات رفع أسعار الفائدة هذا الأسبوع إلى نحو 86 %، ما يعكس قناعة متزايدة في الأسواق بأن استمرار ضغوط الأسعار قد يدفع البنك المركزي الأميركي إلى اتخاذ خطوة إضافية نحو التشديد.
وتكتسب قرارات الفيدرالي أهمية كبيرة بالنسبة إلى العملات المشفرة، إذ استفادت هذه الأصول تاريخياً من فترات السيولة الوفيرة وانخفاض تكاليف الاقتراض، بينما يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة إلى زيادة جاذبية الأصول التي تدر عائداً، مثل السندات، على حساب الاستثمارات الأكثر تقلباً.
ويعني ذلك أن ارتفاع العملات المشفرة رغم تزايد احتمالات رفع الفائدة يعكس قدرة السوق حتى الآن على استيعاب مخاطر التشديد النقدي، لكنه لا يلغي احتمال عودة التقلبات بقوة عقب إعلان قرار الفيدرالي، خصوصاً إذا جاءت رسائله بشأن المسار المستقبلي للفائدة أكثر تشدداً من توقعات المستثمرين.
تراقب سوق العملات المشفرة في الوقت نفسه تطورات الشرق الأوسط، مع استمرار الاضطرابات في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وتصاعد المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية. وأدت هذه التطورات إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة حالة الحذر في الأسواق التقليدية.
ولا تتفاعل العملات المشفرة دائماً مع الأزمات الجيوسياسية باعتبارها ملاذاً آمناً بالطريقة نفسها التي يتحرك بها الذهب، إذ تتباين استجابتها بحسب مستويات السيولة وشهية المستثمرين للمخاطرة وتحركات الدولار وأسعار الفائدة.
وفي حالة البيتكوين تحديداً، يستمر الجدل بشأن تحوله إلى أصل قادر على الاحتفاظ بالقيمة خلال فترات الاضطراب، في مقابل النظرة التقليدية إليه باعتباره أصلاً عالي المخاطر يتأثر بصورة كبيرة بالسيولة العالمية.
ويمكن أن تؤثر أزمة هرمز بصورة غير مباشرة في سوق العملات الرقمية من خلال أسعار الطاقة والتضخم. فإذا أدى اضطراب الإمدادات إلى استمرار النفط عند مستويات مرتفعة، فقد تصبح مهمة البنوك المركزية في السيطرة على التضخم أكثر صعوبة، وهو ما يزيد احتمالات استمرار أسعار الفائدة المرتفعة ويشكل ضغطاً على الأصول الرقمية. وبذلك يجد المستثمرون أنفسهم أمام معادلة معقدة، إذ يمكن للمخاطر الجيوسياسية أن تزيد الاهتمام بالأصول اللامركزية من جانب، لكنها قد تؤدي من جانب آخر إلى تشديد السياسة النقدية عبر قناة التضخم والطاقة.
رهان البيتكوين
وسط هذه التطورات، يواصـل البيتكـوين جــذب توقعات شديدة التفاؤل بشأن مستقبله على المدى الطويل، خصوصاً بعد الأداء القوي الذي حققته العملة خلال أغسطس، عندما ارتفعت بنحو 23 %. ويتوقع براين أرمسترونغ، الرئيس التنفيذي لمنصة «كوين بيس»، إمكانية وصول سعر البيتكوين إلى 400 ألف دولار بحلول نهاية عام 2030، وفقاً لما نقله موقع «ذا موتلي فول»، في تقدير يعكس الرهانات المتزايدة على استمرار توسع استخدام العملات الرقمية وزيادة الطلب المؤسسي عليها.
ويظل الوصول إلى هذا المستوى مرهوناً بمجموعة واسعة من المتغيرات، تشمل السياسات التنظيمية في الاقتصادات الكبرى، وتدفقات المستثمرين المؤسسيين، وحجم السيولة العالمية، ومسار أسعار الفائدة، إضافة إلى قدرة البيتكوين على توسيع قاعدة المستثمرين والاستخدامات.
كما أن الأداء القوي خلال أغسطس لا يضمن استمرار الاتجاه الصعودي بوتيرة مماثلة، نظراً إلى التاريخ الطويل من التقلبات الحادة في سوق العملات المشفرة، وقدرتها على تسجيل ارتفاعات وانخفاضات كبيرة خلال فترات زمنية قصيرة.
لكن توقع أرمسترونغ يعكس تحولاً أوسع في النظرة إلى البيتكوين، الذي انتقل خلال السنوات الأخيرة من أصل هامشي يعتمد بصورة رئيسية على المستثمرين الأفراد إلى أداة استثمارية تحظى باهتمام متزايد من المؤسسات المالية.
العملات الرقمية أمام اختبار
تدخل سوق العملات المشفرة أسبوعاً حاسماً تتقاطع فيه ثلاثة عوامل رئيسية: قرار الفائدة الأميركية، وتطورات التضخم، والتوترات الجيوسياسية المرتبطة بمضيق هرمز. وستحدد طريقة تفاعل هذه العوامل ما إذا كانت المكاسب الحالية قادرة على الاستمرار أم أنها ستفسح المجال أمام موجة جديدة من التقلبات.
ويبقى البيتكوين في قلب هذه المعادلة، خصوصاً بعد مكاسبه القوية خلال أغسطس وعودة التوقعات بعيدة المدى التي تضعه عند مستويات قياسية تصل إلى 400 ألف دولار بحلول 2030. لكن الطريق إلى هذه المستويات سيظل مرتبطاً بقدرة أكبر العملات المشفرة على تجاوز دورات التشديد النقدي والصدمات الجيوسياسية وإثبات قدرتها على جذب سيولة جديدة بصورة مستدامة.