البنوك تقود الهبوط… و«تاسي» يغلق دون 11250 نقطة
شهدت سوق الأسهم السعودية «تاسي» خلال تعاملات جلسة الأربعاء حالة من التراجع الملحوظ التي أعادت رسم خارطة التوقعات قصيرة المدى، حيث خيم اللون الأحمر على شاشات التداول بضغط مباشر من الركائز الأساسية للسوق: قطاعي البنوك والمواد الأساسية. ورغم هذا التراجع الذي كبد المؤشر العام خسائر تقترب من 100 نقطة، إلا أن كواليس الجلسة كشفت عن ديناميكية لافتة؛ فالسيولة التي تجاوزت حاجز 5 مليارات ريال لم تكن سيولة «خروج فوضوي»، بل كانت سيولة «ذكية وانتقائية» تبحث عن موطئ قدم في فرص محددة بعيداً عن ضجيج التراجعات الجماعية. إن هذا التراجع يأتي في وقت حساس يتزامن مع إعلانات نتائج الربع الأول لعام 2026، مما يجعل التحركات الحالية بمثابة «غربلة» للمراكز الاستثمارية بناءً على الأرقام الفعلية لا التوقعات المضاربية.
تحليل أداء المؤشر
أنهى المؤشر العام للسوق «تاسي» تعاملاته عند مستوى 11,244.99 نقطة، مسجلاً تراجعاً بمقدار 99.97 نقطة، أو ما يعادل 0.88 %. وبالنظر إلى تفاصيل الجلسة، نجد أنها اتسمت بتذبذب حاد يعكس حالة من عدم اليقين؛ إذ افتتح المؤشر على رغبة في التماسك محققاً أعلى مستوى عند 11,354.86 نقطة، لكنه سرعان ما استسلم للضغوط البيعية التي دفعته نحو قاع الجلسة عند 11,243.13 نقطة.
هذا النطاق التذبذبي (نحو 112 نقطة) يشير إلى أن السوق يعاني من فجوة بين طموحات المشترين والواقع البيعي الذي يفرضه كبار اللاعبين. فنيًا، يمثل كسر مستوى 11,300 نقطة إشارة سلبية قصيرة المدى، لكن استقرار الإغلاق فوق مستوى 11,200 نقطة يحافظ على المسار الصاعد العام، ويجعل من الهبوط الحالي مجرد «استراحة محارب» ضرورية لتصحيح المؤشرات الفنية التي وصلت إلى مناطق «التشبع الشرائي» في وقت سابق.
اتساع رقعة الهبوط
لم يكن التراجع محصوراً في أسهم بعينها، بل كان هبوطاً «عرضياً» طال معظم مكونات السوق. تظهر البيانات إغلاق 176 شركة باللون الأحمر، مقابل صمود وارتفاع 76 شركة فقط، بينما فضلت 17 شركة البقاء في منطقة الحياد دون تغيير.
هذا التوزيع (نحو 70 % من السوق في حالة تراجع) يعكس حالة من «تخفيف المراكز» أو ما يعرف بـ «De-risking». سيكولوجية المتداولين في هذه الجلسة مالت نحو الحذر، حيث فضل الكثيرون جني الأرباح المحققة في قطاعات المضاربة والتحوط بانتظار وضوح الرؤية بشأن ميزانيات البنوك الكبرى. ويشير اتساع رقعة الهبوط إلى أن الضغط لم يكن ناتجاً عن أخبار سلبية خاصة بشركة واحدة، بل نتيجة لظروف «كلية» تتعلق بالسيولة وتكلفة الفرصة البديلة في ظل تقلبات أسواق السلع العالمية.
لغة السيولة
رغم سلبية المؤشر، إلا أن لغة الأرقام الخاصة بالسيولة تحمل في طياتها ملامح تفاؤلية قوية. فبلوغ قيمة التداولات 5 مليارات ريال عبر تداول 280.79 مليون سهم يؤكد أن السوق السعودي لا يزال يحتفظ بجاذبيته العالية للتدفقات النقدية.
استمرار السيولة عند هذه المعدلات النشطة في أيام الهبوط يعني أن هناك «قوة شرائية كامنة» تترقب المستويات السعرية المتدنية للدخول مرة أخرى. السيولة الانتقائية التي لاحظناها اليوم توجهت نحو قطاعات دفاعية مثل الطاقة والخدمات المالية، مما يشير إلى إعادة توزيع للمحافظ (Rebalancing) وليس انسحاباً من السوق. فالنقد لا يغادر المنصة، بل يغير «القميص» القطاعي بحثاً عن أمان أكثر وعوائد أعلى.
الضغوط القطاعية
سيطر اللون الأحمر على 19 قطاعاً من أصل 21، مما يوضح شمولية الضغط. وتصدر قطاع الإعلام والترفيه قائمة الخسائر بنسبة 3.18 %، وهو قطاع ذو طابع مضاربي حساس يتأثر بسرعة بتغيرات المزاج العام.
إلا أن التأثير الأعمق والجوهري جاء من قطاع البنوك الذي انخفض بنسبة 1.32 %. وبما أن هذا القطاع يمثل العمود الفقري لـ «تاسي» من حيث الثقل الوزني، فإن تراجعه كان «الوقود» الذي دفع المؤشر نحو الأسفل. كما لحق به قطاع المواد الأساسية بتراجع 1.06 %، متأثراً بتذبذب أسعار البتروكيماويات عالمياً وتوقعات الطلب الصيني. في المقابل، نجا قطاعا الطاقة (+0.37 %) والخدمات المالية (+0.31 %) من هذه الموجة، مما وفر نوعاً من التوازن الطفيف ومنع حدوث «انهيار» في المؤشر العام.
أداء القياديات
لعب مصرف الراجحي دور الضابط لإيقاع الهبوط، حيث تراجع سهمه بنسبة 2.02% ليغلق عند 70.25 ريال، متصدراً قيم التداول بنحو 447.26 مليون ريال. الراجحي ليس مجرد سهم، بل هو مؤشر نفسي؛ وتراجعه دون مستويات الدعم النفسي يثير عادة موجة من البيع في الأسهم الصغيرة والمتوسطة.
أما بنك البلاد، فقد كان النجم السلبي للجلسة، حيث هبط بنسبة 3.77 % ليصل إلى 26.02 ريال عقب إعلان نتائجه المالية الأولية للربع الأول من 2026. ورغم أن النتائج قد لا تكون كارثية، إلا أن الأسواق في مراحل القمم عادة ما تعاقب الشركات التي لا تتجاوز توقعات المحللين بمسافات كبيرة. في حين أظهر مصرف الإنماء تماسكاً يحسب له بتراجعه 0.45 % فقط ليغلق عند 24.54 ريال، مما يوحي بوجود تباين في مراكز القوة داخل القطاع البنكي نفسه.
قائمة «الخاسرين الكبار»
في قائمة الخسائر، برز سهم «الدواء» بتراجع قاسي بنسبة 5.89 %، وهو ما قد يعزى إلى تصحيح سعري بعد ارتفاعات سابقة أو مخاوف من تراجع هوامش الربحية. تلاه سهم «المتقدمة» بنسبة 4.12 %، وسهم «الأبحاث والإعلام» بنسبة 3.72 %.
هذه الأسهم تمثل قطاعات مختلفة، مما يعطي مؤشراً على أن «البيع» كان مؤسسياً في جزء منه، حيث تقوم الصناديق الكبيرة عادة بتسييل جزء من مراكزها في أسهم النمو لتوفير سيولة لاقتناص فرص في أسهم القيمة التي تراجعت أسعارها. سهم «المجموعة السعودية» و*«صدر»* أيضاً كانا ضمن قائمة المتأثرين بضغوط البيع، مما يعكس ضعف الزخم في قطاعي البتروكيماويات والخدمات الصناعية خلال هذه الجلسة.
«جاهز» وتنمية يتحديان التيار الهابط
على الضفة الأخرى المشرقة، تألق سهم «جاهز» محققاً مكاسب استثنائية بنسبة 9.94 % ليغلق عند 13.94 ريال بسيولة نقدية تجاوزت 194 مليون ريال. هذا الارتفاع القوي في ظل سوق هابطة يعكس ثقة المستثمرين في آفاق قطاع التوصيل والتكنولوجيا، وربما ترقباً لأخبار إيجابية تتعلق بالتوسع أو الربحية.
كما سجل سهم «تنمية» ارتفاعـاً بنسبة 7 %، وسهم «عناية» بنسبة 6.37 %. ارتفاع سهم «عناية» يشير إلى استمرار النشاط في قطاع التأمين الذي غالباً ما يتحرك بشكل مستقل عن المؤشر العام، فيما يعكس أداء «تنمية» القوي ثبات الطلب في قطاع الأغذية والإنتاج الغذائي، وهو قطاع دفاعي بامتياز يلجأ إليه المستثمرون في أوقات تذبذب السوق.
القوة الهادئة لـ «أرامكو»
تصدرت أرامكو السعودية قائمة النشاط الإيجابي، حيث ارتفـع السهم بنسبـة 0.37 % بسيولة بلغت 260.78 مليون ريال. استقرار أرامكو في المنطقة الخضراء يعد رسالة طمأنينة للسوق؛ فهي تمثل الثبات الاقتصادي الكلي. تماسك السهم فوق مستويات الـ 27 ريالاً يعطي انطباعاً بأن القوى الاستثمارية الكبرى لا تزال ترى في السهم «ملاذاً آمناً» ومصدراً موثوقاً للتوزيعات.
من حيث الكميات، تصدر سهم «بنان» القائمة بتداول 40.42 مليون سهم، وهو ما يشير إلى حراك مضاربي محموم في الأسهم ذات الأسعار المتدنية، حيث تبحث السيولة الفردية عن ربح سريع بعيداً عن تقلبات الأسهم القيادية الثقيلة.
استقرار في وجه العاصفة
على عكس السوق الرئيسي، سجل المؤشر الموازي «نمو» ارتفاعاً هامشياً بنسبة 0.01 % ليغلق عند 22,861.47 نقطة. هذا الاستقرار، رغم ضآلته، يحمل دلالة مهمة؛ فهو يشير إلى أن المستثمرين في سوق «نمو» (وهم غالباً من المؤسسات أو المستثمرين المؤهلين) يمتلكون رؤية طويلة الأمد ولا ينجرفون وراء موجات البيع الهلعي التي قد تصيب السوق الرئيسي. سوق نمو اليوم كان بمثابة «جزيرة استقرار» في بحر متلاطم.
الرؤية الفنية والمستقبلية..
أين يتجه «تاسي»؟
المؤشرات الفنية لـ «تاسي» توحي بأننا نمر بمرحلة تصحيح فني صحي. فبعد الارتفاعات المتتالية التي شهدها السوق منذ بداية العام، كان لابد من حدوث عمليات جني أرباح لتخفيف الضغط عن مؤشرات القوة النسبية (RSI).
إن استمرار السيولة عند مستوى 5 مليارات ريال هو «الضمانة الذهبية» لقدرة السوق على الارتداد. الفشل في الحفاظ على مستوى 11,200 قد يقودنا لاختبار مستوى الدعم القوي عند 11,000 نقطة، وهو مستوى يمثل منطقة شراء مغرية جداً للصناديق الاستثمارية. ومن المتوقع أن تستمر التذبذبات الحالية حتى نهاية شهر أبريل، مع ميل للاستقرار فور انتهاء أغلب الشركات من إعلان نتائجها.