تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السيولة‭ ‬المفرطة‭: ‬محرك‭ ‬الأسواق‭ ‬أم‭ ‬بذرة‭ ‬الأزمات؟

السيولة‭ ‬المفرطة‭: ‬محرك‭ ‬الأسواق‭ ‬أم‭ ‬بذرة‭ ‬الأزمات؟

في‭ ‬عالم‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية،‭ ‬تُعد‭ ‬السيولة‭ ‬عنصراً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وتعزيز‭ ‬كفاءة‭ ‬التداول،‭ ‬إذ‭ ‬تتيح‭ ‬للمستثمرين‭ ‬شراء‭ ‬وبيع‭ ‬الأصول‭ ‬بسهولة‭ ‬دون‭ ‬تأثير‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الميزة‭ ‬التي‭ ‬تُعتبر‭ ‬في‭ ‬الظروف‭ ‬الطبيعية‭ ‬عامل‭ ‬استقرار،‭ ‬قد‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬خطر‭ ‬عندما‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدودها‭ ‬وتنفصل‭ ‬عن‭ ‬الأسس‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الحقيقية‭.‬
قبل‭ ‬نحو‭ ‬عقدين،‭ ‬أشار‭ ‬كيفن‭ ‬وارش،‭ ‬المرشح‭ ‬المحتمل‭ ‬لرئاسة‭ ‬مجلس‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬السيولة‭ ‬تتوافر‭ ‬عندما‭ ‬يثق‭ ‬المستثمرون‭ ‬في‭ ‬قدرتهم‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬الصفقات،‭ ‬وعندما‭ ‬تكون‭ ‬المخاطر‭ ‬قابلة‭ ‬للقياس‭ ‬وعلاواتها‭ ‬منخفضة‭. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬تحمل‭ ‬تحذيراً‭ ‬ضمنياً‭: ‬إذا‭ ‬انفصلت‭ ‬الثقة‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬فقد‭ ‬تتحول‭ ‬السيولة‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬تضخيم‭ ‬للمخاطر‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬تقليلها‭.‬

مصادر‭ ‬السيولة

تتدفق‭ ‬السيولة‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬عبر‭ ‬عدة‭ ‬قنوات‭ ‬رئيسية،‭ ‬أبرزها‭ ‬السياسات‭ ‬النقدية‭ ‬التيسيرية‭ ‬التي‭ ‬تعتمدها‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية،‭ ‬مثل‭ ‬خفض‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬وشراء‭ ‬الأصول‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭. ‬خلال‭ ‬جائحة‭ ‬كوفيد‭-‬19،‭ ‬خفّض‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬الفائدة‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬الصفر‭ ‬وضخ‭ ‬تريليونات‭ ‬الدولارات‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المالي،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬خفض‭ ‬تكاليف‭ ‬الاقتراض‭ ‬وتعزيز‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭.‬
كما‭ ‬لعبت‭ ‬السياسات‭ ‬المالية‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً،‭ ‬إذ‭ ‬أطلقت‭ ‬الحكومات،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬برامج‭ ‬تحفيز‭ ‬ضخمة‭ ‬شملت‭ ‬إنفاقًا‭ ‬واسعاً‭ ‬وتحويلات‭ ‬مباشرة‭ ‬للأفراد،‭ ‬ما‭ ‬عزز‭ ‬السيولة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬وساهم‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الأصول‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭. ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬أدى‭ ‬تزايد‭ ‬نشاط‭ ‬المستثمرين‭ ‬الأفراد‭ ‬إلى‭ ‬ضخ‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الأموال،‭ ‬حيث‭ ‬ارتفعت‭ ‬تدفقات‭ ‬الاستثمار‭ ‬الفردي‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭.‬

تأثير‭ ‬الأصول

عندما‭ ‬تتراجع‭ ‬العوائد‭ ‬على‭ ‬الأصول‭ ‬الآمنة،‭ ‬يتجه‭ ‬المستثمرون‭ ‬إلى‭ ‬الأصول‭ ‬ذات‭ ‬المخاطر‭ ‬الأعلى‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬عوائد‭ ‬أفضل،‭ ‬وفق‭ ‬تحليلات‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الأسهم‭ ‬والسندات‭ ‬عالية‭ ‬العائد،‭ ‬ويضغط‭ ‬على‭ ‬فروق‭ ‬العوائد‭ ‬بين‭ ‬الأصول‭ ‬المختلفة‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬توسع‭ ‬الائتمان‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬البنوك‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬يعزز‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الأصول،‭ ‬ما‭ ‬يدفع‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬قد‭ ‬تتجاوز‭ ‬قيمها‭ ‬الحقيقية‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬البيئة،‭ ‬تصبح‭ ‬الأصول‭ ‬مثل‭ ‬العقارات‭ ‬والأسهم‭ ‬وحتى‭ ‬العملات‭ ‬المشفرة‭ ‬أكثر‭ ‬جاذبية،‭ ‬ليس‭ ‬بسبب‭ ‬أساسياتها،‭ ‬بل‭ ‬نتيجة‭ ‬وفرة‭ ‬السيولة‭.‬

سلوك‭ ‬المستثمرين

تلعب‭ ‬العوامل‭ ‬النفسية‭ ‬دوراً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬تضخيم‭ ‬تأثير‭ ‬السيولة،‭ ‬إذ‭ ‬يؤدي‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«الخوف‭ ‬من‭ ‬تفويت‭ ‬الفرصة‮»‬‭ (‬FOMO‭) ‬إلى‭ ‬اندفاع‭ ‬المستثمرين‭ ‬نحو‭ ‬الأسواق‭ ‬الصاعدة،‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬الارتفاعات‭ ‬السعرية‭. ‬وتشير‭ ‬دراسات‭ ‬بنك‭ ‬التسويات‭ ‬الدولية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التغطية‭ ‬الإعلامية‭ ‬والضجة‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬تجذب‭ ‬مستثمرين‭ ‬جدداً،‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬حلقة‭ ‬تغذية‭ ‬عكسية‭ ‬تدفع‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬أعلى‭.‬
وقد‭ ‬ظهر‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬بوضوح‭ ‬خلال‭ ‬موجات‭ ‬صعود‭ ‬الأسهم‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬2020‭ ‬و2021،‭ ‬وكذلك‭ ‬في‭ ‬ظاهرة‭ ‬‮«‬أسهم‭ ‬الميم‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬انفصلت‭ ‬الأسعار‭ ‬عن‭ ‬الأسس‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭. ‬كما‭ ‬ساهمت‭ ‬أدوات‭ ‬التداول‭ ‬المضاربة،‭ ‬مثل‭ ‬الرافعة‭ ‬المالية‭ ‬والمشتقات،‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬حدة‭ ‬التقلبات‭.‬

نهاية‭ ‬الفقاعة

مع‭ ‬استمرار‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار،‭ ‬يفضل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المستثمرين‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الخروج‭ ‬المبكر،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تضخم‭ ‬الفقاعة‭. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬لا‭ ‬تدوم،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬أي‭ ‬تغير‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬النقدية‭ ‬أو‭ ‬حدوث‭ ‬صدمة‭ ‬خارجية‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬انهيار‭ ‬سريع‭.‬
فعندما‭ ‬بدأ‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬في‭ ‬تشديد‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬عام‭ ‬2022،‭ ‬شهدت‭ ‬الأسواق‭ ‬موجة‭ ‬بيع‭ ‬واسعة،‭ ‬حيث‭ ‬تراجعت‭ ‬الأسهم‭ ‬والعملات‭ ‬المشفرة‭ ‬بشكل‭ ‬حاد‭. ‬كما‭ ‬أظهرت‭ ‬أزمة‭ ‬مارس‭ ‬2020‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للأسواق‭ ‬أن‭ ‬تنهار‭ ‬بسرعة‭ ‬رغم‭ ‬فترات‭ ‬الازدهار‭ ‬الطويلة‭.‬

أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬فقاعة

لا‭ ‬تقتصر‭ ‬آثار‭ ‬السيولة‭ ‬المفرطة‭ ‬على‭ ‬تقلبات‭ ‬الأسواق،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحقيقي،‭ ‬حيث‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬سوء‭ ‬تخصيص‭ ‬الموارد‭. ‬فالأموال‭ ‬الرخيصة‭ ‬قد‭ ‬تتجه‭ ‬إلى‭ ‬مشاريع‭ ‬غير‭ ‬منتجة‭ ‬أو‭ ‬قطاعات‭ ‬‮«‬رائجة‮»‬‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬قطاعات‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية،‭ ‬ما‭ ‬يضعف‭ ‬النمو‭ ‬طويل‭ ‬الأجل‭.‬
كما‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬بقاء‭ ‬شركات‭ ‬ضعيفة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬التمويل‭ ‬الرخيص،‭ ‬ما‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬كفاءة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬ويؤثر‭ ‬على‭ ‬الإنتاجية‭. ‬وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬تؤدي‭ ‬هذه‭ ‬الاختلالات‭ ‬إلى‭ ‬تشويه‭ ‬إشارات‭ ‬التسعير،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الأسواق‭ ‬أقل‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬الواقع‭ ‬الاقتصادي‭.‬

سلاح‭ ‬ذو‭ ‬حدين

السيولة‭ ‬عنصر‭ ‬أساسي‭ ‬لعمل‭ ‬الأسواق،‭ ‬لكنها‭ ‬سلاح‭ ‬ذو‭ ‬حدين‭. ‬فعندما‭ ‬تكون‭ ‬مدعومة‭ ‬بأسس‭ ‬اقتصادية‭ ‬قوية،‭ ‬تعزز‭ ‬الاستقرار‭ ‬والنمو‭. ‬أما‭ ‬عندما‭ ‬تتضخم‭ ‬بشكل‭ ‬مفرط،‭ ‬فإنها‭ ‬قد‭ ‬تمهد‭ ‬الطريق‭ ‬لفقاعات‭ ‬مالية‭ ‬وانهيارات‭ ‬مفاجئة،‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬صناع‭ ‬السياسات‭ ‬والمستثمرين‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭ ‬ضرورة‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬دعم‭ ‬النمو‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬الانضباط‭ ‬المالي‭.‬

رجوع لأعلى