النفط يقفز فوق 100 دولار مع تصاعد التوترات
شهدت أسواق النفط العالمية الأربعاء موجة ارتفاع جديدة دفعت خام برنت إلى تجاوز مستوى 100 دولار للبرميل، في تطور يعكس حجم القلق الذي يسيطر على المتعاملين مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية في مضيق هرمز، الممر الذي يمر عبره جزء أساسي من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وجاء هذا الارتفاع بعد تقارير أمنية تحدثت عن تعرض ما لا يقل عن ثلاث سفن حاويات لإطلاق نار في المضيق، ما أعاد المخاوف بشأن أمن الملاحة وإمدادات الطاقة إلى واجهة السوق بقوة.
وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 1.59 دولار، بما يعادل 1.6%، لتصل إلى 100.07 دولار للبرميل بحلول الساعة 08:42 بتوقيت غرينتش، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 1.51 دولار، أو 1.7%، إلى 91.18 دولار للبرميل. وكان الخامان القياسيان قد سجلا بالفعل مكاسب بنحو 3% في جلسة الثلاثاء، بما يعكس اتساع نطاق التسعير المسبق للمخاطر المرتبطة بتطورات الخليج.
توتر بحري
وقالت مصادر أمنية بحرية وهيئة عمليات التجارة البحرية في المملكة المتحدة إن ثلاث سفن حاويات على الأقل تعرضت لإطلاق نار في مضيق هرمز، في واقعة زادت من هشاشة المشهد الملاحي في واحد من أكثر الممرات الاستراتيجية حساسية في العالم. وتأتي هذه التطورات في وقت كانت فيه إيران قد فرضت قيوداً على السفن العابرة للمضيق، بداية رداً على القصف الأميركي الإسرائيلي، ثم لاحقاً رداً على الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية، ما عمّق الضبابية حول مستقبل المرور البحري في المنطقة.
ويمثل مضيق هرمز شرياناً حيوياً لأسواق الطاقة، إذ كان يمر عبره حتى اندلاع الحرب مع إيران في أواخر فبراير نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً. ولهذا، فإن أي اضطراب في الملاحة أو أي تهديد لاستمرار التدفقات لا يُقرأ كسياق أمني محلي فحسب، بل كمؤشر مباشر على احتمال اتساع أزمة الإمدادات على المستوى الدولي.
تسعير مسبق
ومن زاوية أخرى، رأى الخبير بأسواق النفط محمد الشطي أن ثبات الأسعار عند هذه المستويات يشير إلى أن الأسواق قامت فعلياً بتسعير تمديد الهدنة بين واشنطن وطهران بشكل مسبق، موضحاً أن السوق تتعامل مع إغلاق مضيق هرمز بحذر، وربما تنطلق من فرضية أنه وضع مؤقت أو غير قابل للاستمرار طويلاً. كما أشار إلى أن السحوبات الكبيرة من المخزونات النفطية تسهم في موازنة السوق رغم حدة التوترات الجيوسياسية.
هذا التفسير ينسجم مع حقيقة أن أسعار النفط لم تتحرك في خط واحد طوال اليوم، بل شهدت أيضاً فترات تراجع بعد مكاسب مبكرة، مع إعادة المستثمرين تقييم آفاق محادثات السلام بين الولايات المتحدة وإيران. فقد انخفض خام برنت في وقت لاحق 84 سنتاً إلى 97.64 دولار للبرميل بعد أن كان قد لامس 99.38 دولار في وقت سابق من الجلسة، كما تراجع خام غرب تكساس الوسيط 1.13 دولار إلى 88.54 دولار بعد بلوغه 90.71 دولار. هذا التذبذب يعكس أن السوق لا تتعامل مع حدث منفرد، بل مع خليط من المخاطر العسكرية والإشارات السياسية وبيانات المخزون.
ضغط أوروبي
في أوروبا، ارتفعت حدة القلق الرسمي بصورة واضحة، إذ أعلنت المفوضية الأوروبية حزمة تدابير للتعامل مع تداعيات الحرب على الطاقة، مؤكدة أنها ستتولى تنسيق عمليات إعادة ملء مخزونات الدول من الغاز بما يمنع الشراء المتزامن الذي يؤدي إلى ارتفاعات إضافية في الأسعار. كما أعلنت مراجعة قانون مخزونات النفط لإضافة تفاصيل تخص مخزونات وقود الطائرات، في إشارة إلى اتساع المخاوف من انتقال الأزمة من النفط الخام إلى المنتجات المكررة الحساسة لقطاعي النقل والطيران.
وقال مفوض الاتحاد الأوروبي للطاقة دان يورغنسن إن وضع سوق الطاقة لا يزال سيئاً حتى في أفضل السيناريوهات، مضيفاً أن أوروبا تواجه شهوراً صعبة. وكشف أن النفقات الإضافية على الطاقة في الاتحاد الأوروبي منذ بداية الحرب بلغت 24 مليار يورو، بما يعادل نحو 500 مليون يورو يومياً، وهي أرقام تعكس حجم العبء الذي فرضته الأزمة على الحكومات والصناعة والمستهلكين في القارة.
وحذر يورغنسن أيضاً من احتمال مواجهة أزمة في إمدادات وقود الطائرات خلال ستة أسابيع، لافتاً إلى أن أسعار الغاز الطبيعي المسال في السوق العالمية لن تستقر أو تنخفض خلال العامين المقبلين. كما شدد مفوض النقل في الاتحاد الأوروبي على أن غياب العودة الدائمة لحرية الملاحة عبر مضيق هرمز ستكون له عواقب “كارثية” على أوروبا والعالم، وهو توصيف يكشف مستوى القلق الأوروبي من تحول الأزمة إلى صدمة اقتصادية ممتدة.
دعم المخزونات
في المقابل، منحت بيانات المخزونات الأميركية الأسواق قدراً من التوازن في خضم هذا التوتر. فقد قالت مصادر في السوق، استناداً إلى أرقام معهد البترول الأميركي، إن مخزونات النفط الخام انخفضت بمقدار 4.5 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 17 أبريل، بعد ثلاث زيادات أسبوعية متتالية، فيما تراجعت مخزونات البنزين بمقدار 5.2 مليون برميل، وانخفضت مخزونات نواتج التقطير 4.6 مليون برميل عن الأسبوع السابق. كما كان محللون قدّروا سحباً قدره 1.2 مليون برميل من الخام لنفس الفترة.
خطوط بديلة
وفي موازاة تطورات الأسعار، أعادت الأزمة تسليط الضوء على محدودية البدائل المتاحة لتجاوز مضيق هرمز. فقد عطلت الحرب حركة الملاحة البحرية عبر المضيق، وهو ما وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه أكبر تعطل في الإمدادات على الإطلاق، بل وأكبر من أزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي ومن فقدان إمدادات الغاز الروسي عبر الأنابيب بعد غزو أوكرانيا مجتمعين. هذا التقييم يعكس أن العالم لا يواجه مجرد اضطراب عابر، بل اختباراً حقيقياً لمرونة البنية التحتية الطاقوية العالمية.
ومن بين المسارات الحالية التي يُعوّل عليها، يبرز خط الأنابيب شرق-غرب في السعودية، الذي يمتد لمسافة 1200 كيلومتر ويمكنه نقل ما يصل إلى سبعة ملايين برميل يومياً من النفط الخام إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، مع تقدير الصادرات الفعلية بنحو 4.5 مليون برميل يومياً تبعاً لتوفر الناقلات وأرصفة الميناء. ومن ينبع يمكن توجيه الشحنات إلى أوروبا عبر قناة السويس أو إلى آسيا عبر باب المندب، وإن كان هذا المسار بدوره لا يخلو من مخاطر أمنية مرتبطة بهجمات الحوثيين على الناقلات.
كما يشكل خط حبشان-الفجيرة في الإمارات أحد البدائل الرئيسية، إذ ينقل النفط الخام من حقول أبوظبي إلى الفجيرة خارج مضيق هرمز، بطاقة تتراوح بين 1.5 و1.8 مليون برميل يومياً. كذلك استؤنف تشغيل خط كركوك-جيهان في شمال العراق بعد توقف طويل، وبدأ العراق ضخ 170 ألف برميل يومياً مع خطط لرفعها إلى 250 ألفاً، في محاولة لتعزيز منافذ التصدير عبر تركيا والأردن وسوريا.
ومن البدائل المطروحة أيضاً خط جوره-جاسك الإيراني، الذي قد يتيح لإيران تجاوز المضيق عبر محطة جاسك بسعة تصل إلى مليون برميل يومياً، إلا أن بناء المحطة لم يكتمل بالكامل بعد، رغم نجاح اختبار التحميل منها خلال 2024. أما المشروعات المحتملة مثل خط أنابيب العراق-عُمان إلى ميناء الدقم، أو خط العراق-الأردن إلى العقبة، فما تزال في مراحل التصور أو التعثر نتيجة الكلفة العالية والتحديات الأمنية والسياسية. وحتى الأفكار النظرية مثل شق قناة تتجاوز مضيق هرمز، على غرار السويس أو بنما، تبدو حالياً بعيدة جداً عن التنفيذ بالنظر إلى العقبات الهندسية الهائلة والكلفة التي قد تصل إلى مئات المليارات من الدولارات.