تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النظام‭ ‬النقدي‭: ‬الآلية‭ ‬المركزية‭ ‬لإدارة‭ ‬الموارد‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد

BHU33

في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الصيني،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصل‭ ‬مسار‭ ‬الإصلاحات‭ ‬عن‭ ‬طبيعة‭ ‬التوازن‭ ‬الدقيق‭ ‬بين‭ ‬تدخل‭ ‬الدولة‭ ‬وآليات‭ ‬السوق،‭ ‬ولا‭ ‬عن‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬تبلورت‭ ‬بها‭ ‬السياسات‭ ‬عبر‭ ‬التجربة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬التخطيط‭ ‬المسبق‭. ‬فحين‭ ‬تركزت‭ ‬‮«‬أعراض‮»‬‭ ‬الاختلال‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬مختلفة‭ ‬داخل‭ ‬القطاع‭ ‬العقاري،‭ ‬بدا‭ ‬هذا‭ ‬القطاع‭ ‬كمرآة‭ ‬مكثفة‭ ‬لطريقة‭ ‬إدارة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬ككل‭. ‬ومع‭ ‬تصنيفه‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بوصفه‭ ‬أحد‭ ‬‮«‬الدعائم‭ ‬الرئيسية‮»‬‭ ‬للنمو،‭ ‬بدأت‭ ‬تتكشف‭ ‬حساسيته‭ ‬المفرطة‭ ‬تجاه‭ ‬السياسات‭ ‬التنظيمية،‭ ‬وكأن‭ ‬كل‭ ‬ارتقاء‭ ‬في‭ ‬مكانته‭ ‬يقابله‭ ‬ظهور‭ ‬سريع‭ ‬لاضطرابات‭ ‬تتطلب‭ ‬ضبطاً‭ ‬متكرراً‭. ‬ومنذ‭ ‬إعلان‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬الذي‭ ‬شدد‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬السوق‭ ‬العقاري‭ ‬بوصفه‭ ‬قطاعاً‭ ‬استراتيجياً،‭ ‬دخلت‭ ‬السياسات‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬متتابع‭ ‬من‭ ‬إجراءات‭ ‬التنسيق‭ ‬والضبط،‭ ‬لم‭ ‬يتوقف‭ ‬تقريباً‭ ‬خلال‭ ‬العقد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الألفية،‭ ‬حيث‭ ‬توالت‭ ‬الحزم‭ ‬التنظيمية‭ ‬بوتيرة‭ ‬مرتفعة‭ ‬حتى‭ ‬بدا‭ ‬وكأن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬يتحرك‭ ‬داخل‭ ‬دائرة‭ ‬من‭ ‬المعالجة‭ ‬المستمرة‭ ‬للأعراض‭ ‬بدل‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬معالجة‭ ‬الجذور‭ ‬البنيوية‭ ‬للاختلال‭.‬

التحول‭ ‬الاقتصادي

هذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬التدخل‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬معزولاً‭ ‬عن‭ ‬السياق‭ ‬الأوسع‭ ‬للتحول‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1978،‭ ‬حين‭ ‬بدأت‭ ‬عملية‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬السلطة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬تدريجياً‭ ‬من‭ ‬نموذج‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الموجه‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاد‭ ‬السوق‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬التحول‭ ‬قفزة‭ ‬واحدة،‭ ‬بل‭ ‬مساراً‭ ‬تراكمياً‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬دور‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬بحيث‭ ‬تتنازل‭ ‬تدريجياً‭ ‬عن‭ ‬احتكار‭ ‬توزيع‭ ‬الموارد‭ ‬لصالح‭ ‬آليات‭ ‬السوق،‭ ‬مع‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬بقدرة‭ ‬توجيهية‭ ‬عليا‭. ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬خلق‭ ‬نموذجاً‭ ‬مركباً،‭ ‬لا‭ ‬هو‭ ‬اقتصاد‭ ‬سوق‭ ‬حر‭ ‬بالكامل،‭ ‬ولا‭ ‬هو‭ ‬اقتصاد‭ ‬موجه‭ ‬تقليدي،‭ ‬بل‭ ‬صيغة‭ ‬هجينة‭ ‬جعلت‭ ‬السوق‭ ‬يلعب‭ ‬دور‭ ‬المحرك‭ ‬الأساسي‭ ‬للنشاط‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬بينما‭ ‬بقيت‭ ‬الدولة‭ ‬حاضرة‭ ‬كمنسق‭ ‬وموجه‭ ‬وضابط‭ ‬إيقاع‭ ‬عام‭.‬
ومع‭ ‬انتقال‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬سلطة‭ ‬توزيع‭ ‬الموارد‭ ‬إلى‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية،‭ ‬نشأت‭ ‬ديناميكية‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬الصيني،‭ ‬حيث‭ ‬دخلت‭ ‬هذه‭ ‬الحكومات‭ ‬في‭ ‬تنافس‭ ‬فعلي‭ ‬على‭ ‬جذب‭ ‬الاستثمار‭ ‬وتعظيم‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬داخل‭ ‬نطاقها‭ ‬الجغرافي‭. ‬هذا‭ ‬التنافس‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬رمزياً،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬بنية‭ ‬النمو‭ ‬نفسها،‭ ‬إذ‭ ‬ارتبطت‭ ‬قدرة‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬الإيرادات‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬بيئة‭ ‬اقتصادية‭ ‬جاذبة‭ ‬وفعالة‭. ‬وهنا‭ ‬برزت‭ ‬أهمية‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬والإداري‭ ‬بوصفه‭ ‬الأداة‭ ‬المركزية‭ ‬لإدارة‭ ‬هذا‭ ‬التوازن،‭ ‬حيث‭ ‬ظل‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬تحت‭ ‬سيطرة‭ ‬مركزية‭ ‬قوية،‭ ‬تتحكم‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬الكبرى،‭ ‬وتحدد‭ ‬الإطار‭ ‬العام‭ ‬لتوزيع‭ ‬الموارد،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬تجربة‭ ‬محلية‭ ‬مرهونة‭ ‬بموافقة‭ ‬المركز‭ ‬وحدوده‭.‬

اصلاحات

بعد‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2008،‭ ‬تصاعد‭ ‬إدراك‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إصلاحات‭ ‬أعمق‭ ‬داخل‭ ‬البنية‭ ‬المالية،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الإدراك‭ ‬لم‭ ‬يتبلور‭ ‬في‭ ‬رؤية‭ ‬واحدة‭ ‬متكاملة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬التوجهات‭ ‬المتفرقة‭ ‬التي‭ ‬عكست‭ ‬غياب‭ ‬تصور‭ ‬استراتيجي‭ ‬شامل‭. ‬ومع‭ ‬تعقّد‭ ‬التشابكات‭ ‬داخل‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬والاقتصادي،‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بمنطق‭ ‬‮«‬معالجة‭ ‬الأعراض‮»‬،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬بروز‭ ‬دعوات‭ ‬متزايدة‭ ‬نحو‭ ‬‮«‬تخطيط‭ ‬منظومي‭ ‬شامل‮»‬،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬ظل‭ ‬ضبابياً‭ ‬وغير‭ ‬محدد‭ ‬بدقة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬تطبيقه‭ ‬محدوداً‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬العملي‭.‬
في‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الغياب‭ ‬للتصور‭ ‬الكلي،‭ ‬اتسمت‭ ‬الإصلاحات‭ ‬المالية‭ ‬بطابع‭ ‬تجريبي‭ ‬تدريجي،‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬القاعدة‭ ‬نحو‭ ‬القمة‭. ‬وقد‭ ‬ظهرت‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬إنشاء‭ ‬مناطق‭ ‬تجريبية‭ ‬للإصلاح‭ ‬المالي‭ ‬في‭ ‬مدن‭ ‬مثل‭ ‬شنجن‭ ‬وونجو‭ ‬وجوهاي،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تمتد‭ ‬التجربة‭ ‬لاحقاً‭ ‬إلى‭ ‬مراكز‭ ‬مالية‭ ‬أكبر‭ ‬مثل‭ ‬شنغهاي‭. ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬عكس‭ ‬فلسفة‭ ‬إصلاح‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬اختبار‭ ‬السياسات‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬محدودة‭ ‬قبل‭ ‬تعميمها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬منح‭ ‬النظام‭ ‬مرونة‭ ‬نسبية،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬أبقى‭ ‬الإصلاحات‭ ‬ضمن‭ ‬حدود‭ ‬التجزئة‭ ‬والتدرج‭ ‬بدل‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬شاملة‭.‬
ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬بدأت‭ ‬هذه‭ ‬الإصلاحات‭ ‬تتجاوز‭ ‬الأدوات‭ ‬المالية‭ ‬الضيقة‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬البنية‭ ‬الإدارية‭ ‬ذاتها،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بفصل‭ ‬السلطات‭ ‬المالية‭ ‬بين‭ ‬المستويات‭ ‬الحكومية‭ ‬المختلفة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬اصطدم‭ ‬بطبيعة‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬مركزية‭ ‬قوية،‭ ‬حيث‭ ‬تتركز‭ ‬أهم‭ ‬أدوات‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬الحكومة‭ ‬المركزية،‭ ‬من‭ ‬الدخول‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬المؤسسات‭ ‬والإشراف‭ ‬على‭ ‬السياسات‭ ‬المالية‭ ‬الكلية‭ ‬والتدخل‭ ‬في‭ ‬الأزمات‭. ‬هذا‭ ‬التركيز‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬اللامركزية‭ ‬المالية‭ ‬مطلباً‭ ‬متزايد‭ ‬الحضور،‭ ‬ليس‭ ‬باعتبارها‭ ‬خياراً‭ ‬تقنياً‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬كإشكالية‭ ‬تتعلق‭ ‬بإعادة‭ ‬توزيع‭ ‬السلطة‭ ‬داخل‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭.‬

اللامركزية‭ ‬المالية

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬عادت‭ ‬فكرة‭ ‬اللامركزية‭ ‬المالية‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬التجربة‭ ‬الصينية‭. ‬فقد‭ ‬عرفت‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬سابقة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬قبل‭ ‬إصلاحات‭ ‬عام‭ ‬1994،‭ ‬قدراً‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الاستقلالية‭ ‬المالية‭ ‬لدى‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تمتلك‭ ‬هامشاً‭ ‬أوسع‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬الموارد‭ ‬والتأثير‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬السياسات‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التجارب‭ ‬الدولية،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬تاريخية‭ ‬معينة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬أنظمة‭ ‬اتحادية‭ ‬أخرى،‭ ‬قدمت‭ ‬نماذج‭ ‬مختلفة‭ ‬لدرجات‭ ‬متفاوتة‭ ‬من‭ ‬اللامركزية،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬مفتوحاً‭ ‬بين‭ ‬مزايا‭ ‬الكفاءة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ومخاطر‭ ‬فقدان‭ ‬السيطرة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬
في‭ ‬قلب‭ ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬المعقد،‭ ‬يظل‭ ‬النظام‭ ‬النقدي‭ ‬العام‭ ‬هو‭ ‬الإطار‭ ‬الأوسع‭ ‬الذي‭ ‬يحدد‭ ‬كيفية‭ ‬عمل‭ ‬اقتصاد‭ ‬السوق‭ ‬ذاته‭. ‬فبينما‭ ‬يفترض‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬التقليدي‭ ‬أن‭ ‬دور‭ ‬الحكومة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬الخدمات‭ ‬العامة،‭ ‬فإن‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬النماذج‭ ‬المركبة‭ ‬مثل‭ ‬الصين‭ ‬يعيد‭ ‬تعريف‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬ضمن‭ ‬نطاق‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬التدخل‭ ‬والتوجيه‭. ‬وهنا‭ ‬يتجسد‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬المستويين‭ ‬المركزي‭ ‬والمحلي‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬كتقسيم‭ ‬إداري،‭ ‬بل‭ ‬كآلية‭ ‬لتوزيع‭ ‬المسؤوليات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية،‭ ‬حيث‭ ‬تتولى‭ ‬الحكومة‭ ‬المركزية‭ ‬القضايا‭ ‬ذات‭ ‬الطابع‭ ‬الكلي،‭ ‬بينما‭ ‬تركز‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬على‭ ‬الخدمات‭ ‬المباشرة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالمجتمع‭ ‬المحلي‭.‬
لكن‭ ‬هذا‭ ‬التقسيم‭ ‬لا‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬فراغ،‭ ‬بل‭ ‬تحكمه‭ ‬منظومة‭ ‬من‭ ‬الحوافز‭ ‬والقيود‭. ‬فالحكومات‭ ‬المحلية‭ ‬تعتمد‭ ‬في‭ ‬تمويلها‭ ‬على‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬جذب‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وزيادة‭ ‬القاعدة‭ ‬الضريبية‭ ‬عبر‭ ‬تحسين‭ ‬الخدمات‭ ‬العامة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الأداء‭ ‬المحلي‭ ‬مرتبطاً‭ ‬مباشرة‭ ‬بجودة‭ ‬البيئة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬توفرها‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تُفرض‭ ‬قيود‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬لضمان‭ ‬ألا‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬الحكومات‭ ‬إلى‭ ‬كيانات‭ ‬تسعى‭ ‬لتعظيم‭ ‬مصالحها‭ ‬الخاصة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الكفاءة‭ ‬العامة‭.‬
وتبرز‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬حين‭ ‬تصبح‭ ‬‮«‬سيولة‭ ‬القاعدة‭ ‬الضريبية‮»‬‭ ‬عاملاً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬استقرار‭ ‬النظام‭. ‬فكلما‭ ‬انخفضت‭ ‬جودة‭ ‬الخدمات‭ ‬العامة،‭ ‬تزايدت‭ ‬قدرة‭ ‬الأفراد‭ ‬والمؤسسات‭ ‬على‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬بيئات‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تآكل‭ ‬القاعدة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المحلية‭. ‬وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬تجارب‭ ‬بعض‭ ‬المدن‭ ‬الصناعية‭ ‬الكبرى،‭ ‬مثل‭ ‬ديترويت‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لانهيار‭ ‬القاعدة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬أن‭ ‬يدخل‭ ‬المدينة‭ ‬في‭ ‬حلقة‭ ‬متكررة‭ ‬من‭ ‬تراجع‭ ‬الإيرادات‭ ‬وتدهور‭ ‬الخدمات،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬انكماش‭ ‬اقتصادي‭ ‬حاد‭ ‬يصعب‭ ‬عكسه‭.‬
بهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬التجربة‭ ‬الصينية‭ ‬باعتبارها‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬السياسات‭ ‬المنفصلة،‭ ‬بل‭ ‬كمنظومة‭ ‬متشابكة‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيها‭ ‬العقارات‭ ‬والمالية‭ ‬والنقد‭ ‬والإدارة‭ ‬المحلية‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬التوازنات‭ ‬الدقيقة‭. ‬وهو‭ ‬توازن‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تشكـل‭ ‬مستمر،‭ ‬تحكمه‭ ‬محـاولـة‭ ‬دائمـة‭ ‬للجمع‭ ‬بين‭ ‬مركزية‭ ‬الدولة‭ ‬ومرونة‭ ‬السوق،‭ ‬وبين‭ ‬الضبط‭ ‬والتجريـب،‭ ‬وبين‭ ‬النمـو‭ ‬والاستقرار‭.‬

رجوع لأعلى