البورصة تلتقط أنفاسها.. والتعافي ينتظر اتساع الشراء
التقطت بورصة الكويت أنفاسها في جلسة الاثنين، بعدما تراجعت حدة الخسائر التي شهدتها تعاملات الأحد، ونجح السوق الأول في إنهاء الجلسة على ارتفاع هامشي، بينما اقترب المؤشر العام من الاستقرار. ومع ذلك، بقيت غالبية القطاعات تحت الضغط، في مشهد يعكس محاولة لاحتواء التراجع أكثر مما يعبر عن تحول واضح في اتجاه السوق، الذي ما زال يحتاج إلى محفزات تمنح المستثمرين أسباباً أقوى للعودة إلى الشراء.
فبعد بداية أسبوع اتسمت باتساع الانخفاضات، جاءت الجلسة الثانية أقل وطأة على المؤشرات والأسهم، مع تقلص عدد الشركات المتراجعة واحتفاظ التداولات بجانب كبير من قيمتها مقارنة بالجلسة السابقة. لكن التحسن النسبي لم ينهِ حالة التفاوت بين الأسهم، ولم يعوض خسائر الأحد، لتبقى البورصة أمام اختبار استعادة الثقة وتحويل هدوء التداولات إلى مكاسب يمكن البناء عليها في الجلسات المقبلة.
وأغلق مؤشر السوق الأول مرتفعاً بنسبة 0.01 %، فيما انخفض المؤشر العام 0.02 %، وتراجع السوق الرئيسي 0.16 %، وسجل «الرئيسي 50» انخفاضاً بنسبة 0.48 %. وتوضح هذه الحصيلة أن التماسك كان أقرب إلى السوق الأول، بينما استمرت الضغوط على أسهم السوق الرئيسي، وإن بوتيرة أقل من الجلسة السابقة، بما يعكس اختلاف قدرة مكونات السوق على استيعاب عمليات البيع وموازنتها بطلبات الشراء.
وتبرز أهمية هذا الأداء عند مقارنته بتعاملات الأحد، التي شهدت تراجع السوق الأول 0.67 %، والمؤشر العام 0.73 %، والرئيسي 0.99 %، و«الرئيسي 50» بنسبة 1.81 %. وبالتالي، فإن جلسة الاثنين أوقفت جانباً كبيراً من وتيرة الهبوط، لكنها لم تقدم بعد تعويضاً ملموساً للخسائر، خصوصاً أن ارتفاع الأول اقتصر على نسبة هامشية، بينما ظلت المؤشرات الثلاثة الأخرى في المنطقة الحمراء.
ومنذ إغلاق الخميس الماضي، وباحتساب الأثر التراكمي لنسب التغير المعلنة خلال الجلستين، تراجع المؤشر العام بنحو 0.75 %، والسوق الأول بنحو 0.66 %، والرئيسي بنحو 1.15 %، فيما بلغت خسارة «الرئيسي 50» قرابة 2.28 %. وتضع هذه المقارنة التحسن الأخير في حجمه الصحيح؛ إذ ما زالت المؤشرات دون مستويات نهاية الأسبوع الماضي، وتحتاج إلى ارتفاعات لاحقة حتى تستعيد ما فقدته مع بداية الأسبوع الحالي.
استمرار النشاط
وسجلت البورصة تداولات بقيمة 89.34 مليون دينار، مقابل 91.52 مليوناً في جلسة الأحد، بانخفاض نحو 2.4 %، ليصل إجمالي قيمة التداولات في الجلستين إلى 180.86 مليون دينار. ويشير بقاء التداولات قرب مستوى الجلسة السابقة إلى استمرار النشاط، لكنه لا يكفي وحده للحكم على قوة الطلب، لأن السيولة المتداولة تشمل جانبي البيع والشراء، ولا تمثل بالضرورة أموالاً جديدة تدخل السوق.
وانخفضت كميات التداول إلى 303.31 مليون سهم، مقارنة مع 347.09 مليوناً أمس، بتراجع يقارب 12.6 %، كما تراجع عدد الصفقات من 24.55 ألف إلى 22.02 ألف صفقة، بنحو 10.3 %. ويكشف انخفاض الكميات والصفقات بأكثر من تراجع القيمة عن تغير في مزيج التداولات، لكنه لا يتيح الجزم بهوية المتعاملين أو أهدافهم، سواء كانت استثمارية أو مرتبطة بتحركات قصيرة الأجل.
وعلى مستوى الأسهم، تراجع 66 سهماً مقابل 107 أسهم في جلسة الأحد، فيما ارتفع 44 سهماً واستقر 22 سهماً. ويعد تقلص قائمة الخاسرين من أبرز أوجه التحسن في الجلسة، لأنه يعني أن الهبوط أصبح أقل انتشاراً. ومع ذلك، فإن استمرار تفوق الأسهم المتراجعة عددياً على المرتفعة يؤكد أن استقرار المؤشر العام لم يعكس تحسناً متساوياً في مختلف مكونات السوق.
التكنولوجيا الأكثر تراجعاً
قطاعياً، انخفضت مؤشرات 9 قطاعات مقارنة مع 11 قطاعاً في الجلسة السابقة، وجاء التكنولوجيا الأكثر تراجعاً بنسبة 9.32 %، بينما ارتفعت 3 قطاعات بقيادة الطاقة الذي صعد 2.81 %، واستقر قطاع الرعاية الصحية. ويعكس هذا التوزيع استمرار التباين بين الأنشطة، كما يوضح أن قراءة السوق من خلال مؤشر واحد قد تخفي فروقاً واسعة في أداء الشركات والقطاعات خلال الجلسة نفسها.
وحقق سهم «بترولية» أعلى ارتفاع بنسبة 9.95 %، فيما سجل «الأنظمة» أكبر انخفاض بواقع 9.32 %. وجاء «تنظيف» في مقدمة نشاط التداولات، بكمية بلغت 23.95 مليون سهم وقيمة 7.46 مليون دينار، تعادل نحو 8.35 % من إجمالي تداولات البورصة. ويبرز هذا النشاط وزن السهم في تعاملات اليوم، دون أن تكفي الأرقام وحدها لتفسير دوافع التداول أو استنتاج اتجاهه في الجلسات المقبلة.
وتحمل المقارنة بين الجلستين دلالة أوسع من مجرد اختلاف نسب الإغلاق؛ فالسوق انتقلت من انخفاض واسع إلى حركة أكثر تماسكاً، لكنها لم تصل إلى مرحلة ارتفاع تشارك فيه غالبية الأسهم. وهذه المسافة بين توقف الهبوط وبدء التعافي مهمة، لأن تحسن جلسة واحدة قد يمنح المتعاملين بعض الارتياح، بينما يتطلب استقرار الثقة استمرار الطلب وقدرته على استيعاب عروض البيع لاحقاً.
أرباح الشركات
وفي مثل هذه الأجواء، يصبح السؤال عن طبيعة المحفزات أكثر أهمية من السؤال عن حجم الارتفاع المنتظر. فالمستثمر يحتاج إلى رؤية أوضح بشأن أرباح الشركات وقدرتها على النمو، إلى جانب قدر معقول من الاطمئنان إلى البيئة الاقتصادية المحيطة. وكلما ازدادت الضبابية، ارتفعت أهمية السيولة المتاحة لدى المستثمر، وأصبح اتخاذ قرار الشراء مرتبطاً بموازنة العائد المحتمل مع المخاطر التي قد تظهر لاحقاً.
وتدخل الأوضاع الجيوسياسية ضمن هذه الموازنة، باعتبارها عاملاً يؤثر في توقعات النشاط الاقتصادي وحركة الأموال. فأي تهدئة مستدامة يمكن أن تخفف القلق بشأن التجارة والملاحة وتكاليف التأمين، وتمنح الشركات والمستثمرين قدرة أفضل على التخطيط. وفي المقابل، قد يؤدي تجدد التصعيد إلى تأجيل قرارات استثمارية، حتى عندما تبدو أسعار بعض الأسهم جاذبة مقارنة بمستويات سابقة، نتيجة ارتفاع درجة عدم اليقين.
ولا يقتصر انتقال الأثر الجيوسياسي إلى البورصة على رد الفعل النفسي للمتداولين، بل يمتد إلى حسابات الشركات نفسها. فارتفاع تكاليف الشحن أو تعطل التوريد قد يضغط على هوامش بعض الأنشطة، بينما يؤدي تأخر تنفيذ الأعمال أو تحصيل المستحقات إلى زيادة الاحتياجات التمويلية. لذلك تختلف حساسية الشركات للمخاطر بحسب طبيعة نشاطها وأسواقها ومديونيتها، ولا يكون تأثير التطورات الخارجية متماثلاً على الجميع.
كما يبقى النفط عنصراً مهماً في قراءة المشهد الاقتصادي الكويتي، من خلال انعكاساته على الإيرادات العامة والقدرة على الإنفاق. غير أن أثر ارتفاع أسعاره يتوقف أيضاً على الظروف المصاحبة له؛ فالزيادة الناتجة عن تحسن الطلب العالمي تختلف في دلالتها عن ارتفاع تسببه مخاوف الإمدادات. وفي الحالة الأخيرة، قد تتزامن مكاسب الأسعار مع ضغوط على التجارة والتكاليف وثقة المستثمرين، ما يجعل الصورة أكثر تعقيداً.
وعلى الجانب المحلي، تستطيع التطورات المرتبطة بتنفيذ المشروعات وتحسن بيئة الأعمال أن توفر دعماً أعمق للسوق عندما تنعكس على إيرادات الشركات وتدفقاتها النقدية. فالإعلانات والخطط ترفع التوقعات، لكن الأثر المستدام يرتبط بسرعة التنفيذ وحجم الأعمال الفعلية وقدرة الشركات المدرجة على الاستفادة منها. ومن هنا، تظل متابعة العقود والتشغيل والتحصيل أكثر فائدة عند تقييم فرص النمو على مدى يتجاوز حركة جلسة أو أسبوع.
ومع اقتراب نهاية الربع الثالث، تتزايد أهمية مراجعة التوقعات المتعلقة بنتائج الشركات، خصوصاً بعد التغيرات التي قد تكون طرأت على تكاليف التشغيل والتمويل وقيم الاستثمارات. ولا يقتصر تقييم النتائج على نمو صافي الربح، بل يشمل مصدر هذا النمو، ومدى اعتماده على النشاط الأساسي، وقدرة الشركة على تحويل الأرباح المحاسبية إلى نقد يدعم التوسع وخدمة الالتزامات والتوزيعات المستقبلية. وتكتسب جودة الأرباح أهمية أكبر في فترات التذبذب، لأن المكاسب غير المتكررة قد ترفع نتائج فترة مالية دون أن تعني تحسناً دائماً في الأعمال. وفي المقابل، قد تحقق شركة نمواً أكثر هدوءاً لكنه يستند إلى إيرادات تشغيلية مستقرة وقاعدة عملاء أوسع. ولذلك، فإن المفاضلة بين الأسهم تحتاج إلى النظر خلف الرقم النهائي للربح، وربطه بالمديونية والتدفقات النقدية واستدامة النشاط.
كذلك، تؤثر كلفة التمويل في قدرة الشركات على التوسع وفي تقييم المستثمرين للعائد المطلوب من الأسهم. فالشركات ذات الالتزامات المرتفعة تكون أكثر حساسية لشروط الاقتراض وتجديد التسهيلات، بينما تمنح السيولة الجيدة والديون القابلة للإدارة مرونة أكبر لمواجهة التقلبات. ويختلف هذا الأثر بين القطاعات، تبعاً لحجم التمويل اللازم للنشاط ودورة تحصيل الإيرادات، ما يعزز أهمية الانتقاء وفق الوضع المالي لكل شركة.