البيتكوين تتماسك عند 84 ألف دولار
استقرت «بيتكوين» قرب مستوى 84 ألف دولار في تعاملات السبت، وسط مواجهة بين ضغوط قوية قادمة من سوق السندات الأميركية وتدفقات مؤسسية متواصلة إلى صناديق الاستثمار المتداولة الفورية، ما أبقى أكبر العملات المشفرة من حيث القيمة السوقية ضمن نطاق ضيق بعد أسبوع اتسم بالتقلب. وسجلت بيتكوين 83981.20 دولار، متراجعة بنحو 0.27 %، بعدما اقتربت لفترة وجيزة من 85 ألف دولار الجمعة، في حين كانت قد انخفضت دون 83 ألف دولار في وقت سابق من الأسبوع.
ويكشف استقرار العملة رغم الارتفاع الحاد في عوائد السندات عن استمرار وجود طلب مؤسسي يوفر دعماً للسوق عند التراجعات. وفي المقابل، لا تزال بيتكوين تواجه بيئة مالية أقل ملاءمة للأصول عالية المخاطر، بعدما تجاوز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات مستوى 5.2 % الجمعة، مسجلاً أعلى مستوياته منذ 2007، وهو ما يعزز جاذبية أدوات الدخل الثابت ويزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بأصول لا توفر عائداً دورياً.
ضغط السندات
ويمثل ارتفاع العوائد واحداً من أهم المتغيرات التي تواجه سوق العملات المشفرة حالياً، إذ يؤدي ارتفاع العائد الحقيقي والمتوقع على السندات الحكومية إلى زيادة المنافسة على السيولة الاستثمارية، خصوصاً لدى المؤسسات التي تستطيع الاختيار بين أصول عالية التقلب وأوراق مالية حكومية تمنح عوائد تتجاوز 5 %. ولذلك أصبحت حركة بيتكوين أكثر ارتباطاً بتحولات سوق السندات وتوقعات أسعار الفائدة والسياسة النقدية الأميركية.
ورغم ذلك، أظهرت العملات المشفرة الأخرى قدراً من التماسك، إذ ارتفعت «إيثريوم»، ثاني أكبر العملات المشفرة، 0.35 % إلى 2689.67 دولار، وصعدت «XRP» بنسبة 1.55 % إلى 1.5566 دولار. وكانت المكاسب أكبر في بعض العملات، مع ارتفاع «سولانا» 3.64 % إلى 120.67 دولار، و«كاردانو» 3.39 %، و«دوجكوين» 3.05 %، بينما اكتفت «BNB» بمكاسب بلغت 0.12 % إلى 774.28 دولار. وفي المقابل، انخفضت عملة «TRUMP» بنحو 1.31 %، فيما ارتفعت «شيبا إينو» 2.60 %.
تدفقات مؤسسية
وجاء الدعم الأبرز لبيتكوين من استمرار تدفق الأموال إلى صناديق الاستثمار المتداولة الأميركية الفورية، والتي جذبت نحو 2.65 مليار دولار خلال خمس جلسات متتالية حتى الأربعاء، بينها قرابة 347 مليون دولار في جلسة الأربعاء وحدها. واستحوذ صندوق «IBIT» التابع لبلاكروك وصندوق «FBTC» التابع لفيديليتي على الجزء الأكبر من التدفقات، ما يشير إلى أن المستثمرين المؤسسيين ما زالوا يستغلون مستويات الأسعار الحالية لبناء انكشاف على العملة.
وتكتسب هذه التدفقات أهمية أكبر في ظل الضغوط القادمة من السندات، لأنها توفر مصدراً مباشراً للطلب يمكنه امتصاص جزء من عمليات البيع. كما تعكس استمرار تحول بيتكوين من أصل يعتمد بدرجة كبيرة على مستثمري التجزئة إلى سوق يرتبط بصورة متزايدة بقرارات مديري الأصول والمؤسسات المالية، وهو تحول يجعل تدفقات صناديق الاستثمار مؤشراً رئيسياً لاتجاه الأسعار.
وفي المسار نفسه، تواصل «Strategy»، أكبر حائز مؤسسي لبيتكوين، توسيع نموذجها التمويلي المرتبط بالعملة المشفرة، بعدما اقترحت اعتماد توزيعات أرباح يومية لأربعة أنواع من أسهمها الممتازة. وتهدف الخطوة إلى زيادة سيولة هذه الأوراق وجاذبيتها للمستثمرين، بما قد يمنح الشركة وصولاً أكبر إلى رأس المال ويتيح تمويل مشتريات إضافية من بيتكوين، ما يبقي استراتيجية الشركة عاملاً مؤثراً في جانب الطلب المؤسسي.
ضبابية تنظيمية
وفي مقابل تحسن الطلب المؤسسي، تظل البيئة التنظيمية مصدراً لعدم اليقين. فقد أعلنت مفوضة هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية هيستر بيرس، المعروفة بدعمها لقواعد أكثر وضوحاً للأصول الرقمية، مغادرة الهيئة في الثاني من أكتوبر، بعدما شاركت في قيادة فريق العمل المعني بالعملات المشفرة وملفات التحصيص وتصنيف الرموز والأوراق المالية المرمّزة.
ويتزامن رحيل بيرس مع إخفاق مجلس الشيوخ الأميركي في تمرير مشروع قانون «وضوح سوق الأصول الرقمية»، بينما تشهد جماعات الضغط في القطاع تغيرات قيادية أيضاً، بعد إعلان سامر ميرسينجر التنحي عن رئاسة جمعية «Blockchain Association»، وعودة كريستين سميث مؤقتاً إلى المنصب. وخارج الولايات المتحدة، أضافت مقترحات ضريبية ألمانية مزيداً من القلق، خصوصاً مع طرح احتساب وعاء ضريبي بديل يعادل 50% من عائدات بيع العملات المشفرة عندما يعجز المستثمر عن تقديم سجلات موثوقة لتكاليف الاقتناء.
بيتكوين بين قوتين متعارضتين
تدخل بيتكوين المرحلة المقبلة عالقة بين قوتين واضحتين؛ فمن جهة، توفر التدفقات المؤسسية وصناديق الاستثمار المتداولة وعمليات الشراء المحتملة من الشركات دعماً متزايداً للسوق، ومن جهة أخرى، أصبحت عوائد سندات الخزانة فوق 5 % منافساً قوياً لرؤوس الأموال الباحثة عن العائد، بالتزامن مع استمرار الضبابية التنظيمية في الولايات المتحدة وأوروبا.
ولذلك قد يصبح مستوى 84 ألف دولار اختباراً لهذا التوازن أكثر من كونه مجرد حاجز سعري. فاستمرار تدفقات الصناديق بالمليارات يمكن أن يعزز قدرة بيتكوين على امتصاص ضغوط العوائد المرتفعة، بينما سيؤدي ضعف الطلب المؤسسي إلى كشف العملة بصورة أكبر أمام تحركات أسواق السندات. وبين العاملين، تعكس حالة الاستقرار الحالية سوقاً لا تفتقر إلى المشترين، لكنها لم تحصل بعد على قوة كافية لإطلاق موجة صعود جديدة.