التجارة الرقمية تعيد رسم النفوذ العالمي
أصبحت التكنولوجيا أحد أبرز العوامل المؤثرة في العلاقات الدولية المعاصرة، في ظل تصاعد التنافس بين القوى الكبرى على امتلاك المعرفة والقدرات العلمية والابتكارية، وتوظيفها في المجالات الاقتصادية والعسكرية والإعلامية. ولم يعد التفوق التكنولوجي مجرد وسيلة لتطوير الإنتاج وتحسين الأداء، بل تحول إلى أحد مصادر قوة الدول ومكانتها في النظام الدولي، لما يوفره من مزايا اقتصادية وعسكرية تنعكس بدورها على النفوذ السياسي والقدرة على التأثير في القرارات العالمية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الثورة المعلوماتية في تعزيز الترابط بين مختلف أطراف النظام الدولي، بالتزامن مع اتساع دور الفضاء الإلكتروني في العلاقات بين الدول، سواء في مجالات التجارة وتبادل البيانات أو في الصراعات المرتبطة بالأمن السيبراني وحماية المعلومات. وأصبحت الشبكات الرقمية ساحة للتنافس على النفوذ والموارد والمعرفة، بما يفرض على الدول تطوير استراتيجيات تكنولوجية تتناسب مع التحولات المتسارعة في البيئة الدولية.
تطبيق المعرفة وصناعة التفوق
يعرّف «قاموس بنغوين للعلاقات الدولية» التكنولوجيا بأنها تطبيق المعرفة لإيجاد حلول عملية للمشكلات. ويمكن تناول مفهومها من منظورين رئيسيين؛ الأول ينظر إليها باعتبارها متغيراً مستقلاً يؤثر في البيئة المحيطة، والثاني يتعامل معها بوصفها متغيراً تابعاً أو نظاماً مفتوحاً يتأثر بالظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ويتفاعل معها في الوقت نفسه.
وترتبط التكنولوجيا، في جوهرها، بالتطبيق العملي للعلوم والهندسة، إذ تمثل توظيفاً للمعرفة الإنسانية التي تتولد من الدراسات والبحوث العلمية في مجالات محددة. ومن هذا المنطلق، تتقاطع مع مفهوم البحث التطبيقي، الذي يستهدف تحويل النتائج العلمية إلى تطبيقات عملية تسهم في معالجة المشكلات وتطوير المنتجات والخدمات ورفع كفاءة الأداء.
وتتعدد مجالات التكنولوجيا المتقدمة، ومن أبـرزهـا خمسة قطاعات رئيسية:
● تكنولوجيا المعلومات: وتشمل الحواسيب والإلكترونيات الدقيقة والاتصالات والألياف الضوئية والبرمجيات وشبكات المعلومات.
● التكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية: وتوظف المعرفة العلمية في تطوير التطبيقات المرتبطة بالأنظمة الحيوية.
● تكنولوجيا الليزر: التي تدخل في تطبيقات صناعية وعلمية وطبية متعددة.
● تكنولوجيا الطاقة المتجددة: وفي مقدمتها الطاقة الشمسية وغيرها من مصادر الطاقة البديلة.
● تكنولوجيا المواد الجديدة والمصنّعة: التي تتيح تطوير مواد ذات خصائص تلبي احتياجات التطبيقات الصناعية والتقنية الحديثة.
وقد أكدت دراسات عديدة أهمية التطور التكنولوجي والإنفاق على البحث والتطوير في بناء المزايا النسبية والتنافسية، بما يعزز قدرة الدول والمؤسسات على تحسين الإنتاجية، وتطوير الصناعات، ورفع كفاءة استخدام الموارد، والوصول إلى أسواق جديدة.
التكنولوجيا تعيد تشكيل
موازين القوى الدولية
تناول المفكر الأمريكي ألفن توفلر، في كتابه «تحول السلطة بين العنف والثروة والمعرفة»، الدور المتنامي للمعرفة بوصفها مصدراً للقوة والتحكم في مسارات التغيير. ويعكس هذا الطرح التحول الذي شهدته مصادر القوة العالمية، إذ لم تعد القدرات التقليدية وحدها كافية لتحديد مكانة الدول، بل أصبحت المعرفة والتكنولوجيا والابتكار عناصر أساسية في رسم موازين النفوذ.
وفي الاتجاه ذاته، يرى خبراء أن القضايا التكنولوجية ستحتل موقعاً رئيسياً في التنافس الدولي، خصوصاً بين الولايات المتحدة والقوى الكبرى الأخرى. فقد أوجد التطور المتسارع بيئة تكنولوجية عالمية معقدة، وأسهم في إعادة صياغة مفهوم القوة، من خلال ربطها بالقدرة على امتلاك التقنيات المتقدمة وتطويرها والتحكم في تطبيقاتها.
وفي المجال الأمني والعسكري، فرضت التكنولوجيا متغيرات جديدة على طبيعة الصراع بين الأطراف الدولية، إذ باتت وسائل التأثير والتهديد مرتبطة بقدرات الدول التقنية، وبمدى امتلاكها أدوات متقدمة لجمع المعلومات وتحليلها وحماية بنيتها الرقمية أو استهدافها. كما أسهمت هذه التحولات في إبراز مظاهر الاستقطاب داخل النظام الدولي، مع احتدام المنافسة بين القوى الكبرى على تحقيق تقدم علمي وتقني يمنحها موقعاً أفضل في سلم القوة العالمية.
ولا تقتصر هذه المنافسة على المواجهات العسكرية المباشرة، بل تمتد إلى سباقات تطوير التقنيات والأنظمة الرقمية، وتأمين شبكات الاتصال، والسيطرة على تدفقات المعلومات، وبناء القدرات التي تتيح للدول حماية مصالحها وتعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي.
التنافس الرقمي بين الولايات المتحدة وروسيا
أوجدت التطورات الرقمية ساحة جديدة للصراع الدولي، تختلف أدواتها عن وسائل المواجهة التقليدية. ففي الفضاء السيبراني، يمكن أن تتخذ المنافسة أشكالاً متعددة، تشمل اختراق البيانات السرية، والتجسس الاقتصادي والصناعي، واستخدام الهجمات الإلكترونية لاستهداف المؤسسات والبنية التحتية، في ظل تجاوز الشبكات الرقمية للحدود الجغرافية والسياسية.
وفي هذا الإطار، تتفاعل الولايات المتحدة وروسيا باعتبارهما قوتين تمتلكان قدرات تكنولوجية وعسكرية متقدمة، فيما تتزايد حدة التنافس بينهما كلما تداخلت المصالح الاستراتيجية أو تعرضت المعلومات والأنظمة الحيوية للتهديد.
هل تفرض الولايات المتحدة هيمنة رقمية عالمية؟
يستند الحديث عن النفوذ التكنولوجي الأمريكي إلى الحضور الواسع للشركات الأمريكية في القطاع الرقمي العالمي، وإلى الدور الذي تؤديه البنية التحتية للإنترنت والمؤسسات المعنية بإدارة موارده التقنية.
ويبرز في هذا المجال بُعدان، أحدهما مادي والآخر قانوني وتنظيمي. فعلى المستوى المادي، توجد داخل الولايات المتحدة بنية تحتية مهمة لخدمات الإنترنت والخوادم المرتبطة بها، كما نشأت فيها شركات كبرى أصبحت ذات تأثير عالمي في البحث الإلكتروني وأنظمة تشغيل الحواسيب والبرمجيات ومنصات التواصل الاجتماعي.
أما على المستوى التنظيمي، فتبرز هيئة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة «آيكان»، التي تأسست عام 1998، في إطار تطور إدارة الموارد الأساسية للإنترنت. وقد ارتبطت الهيئة في مراحلها الأولى بعلاقة تعاقدية مع وزارة التجارة الأمريكية، قبل انتهاء الإشراف التعاقدي للحكومة الأمريكية على وظائف هيئة أرقام الإنترنت المخصصة «آيانا» في أكتوبر 2016، وانتقال إدارتها إلى نموذج متعدد الأطراف تشارك فيه جهات من مجتمع الإنترنت العالمي.
وقد أسهمت هذه العوامل، إلى جانب انتشار شركات كبرى مثل «غوغل» و«مايكروسوفت» وغيرها من المؤسسات الأمريكية، في تعزيز الحضور الأمريكي في الاقتصاد الرقمي، ومنح الولايات المتحدة نفوذاً واسعاً في تطوير التقنيات والخدمات التي تعتمد عليها الشركات والمستهلكون في مختلف أنحاء العالم.
ويكتسب هذا النفوذ أهمية اقتصادية واستراتيجية، لأن امتلاك التكنولوجيا والبنية التحتية والخدمات الرقمية يمنح الشركات والدول قدرات كبيرة في التأثير في اتجاهات الابتكار والتجارة وتدفق البيانات، وإن كان ذلك لا يعني احتكار الولايات المتحدة لجميع عناصر القطاع الرقمي العالمي.
وعلى صعيد الأمن السيبراني، أصدرت الولايات المتحدة استراتيجيتها الوطنية للأمن السيبراني لعام 2018 في سبتمبر من ذلك العام، في ظل توجه إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى توسيع نطاق العمليات السيبرانية وتعزيز القدرات اللازمة للتعامل مع التهديدات الإلكترونية.
وركزت الاستراتيجية على تعزيز القدرات الدفاعية والهجومية، وتوسيع الشراكات والتحالفات، والاستعداد لمواجهة الأنشطة السيبرانية التي تهدد المصالح الأمريكية. كما تبنت نهجاً يقوم على إمكانية الرد على الهجمات الإلكترونية بوسائل متعددة، بما في ذلك استخدام القدرات العسكرية التقليدية عندما ترى واشنطن أن طبيعة التهديد تستدعي ذلك.
وتنظر الولايات المتحدة إلى الفضاء السيبراني باعتباره امتداداً لمجالات الأمن القومي، ووسيلة لتعزيز التفوق العسكري، وتطوير الأنشطة الاستخباراتية، وحماية المؤسسات والبنية التحتية الحيوية، وردع المنافسين الدوليين عن تنفيذ عمليات إلكترونية تستهدف مصالحها.
التقدم الروسي الامن السيبراني
في المقابل، شهدت روسيا خلال العقدين الماضيين تطورات اقتصادية وتكنولوجية في عدد من المجالات، من بينها علوم الفضاء وتكنولوجيا النانو وصناعة الطائرات. وتمتلك البلاد خبرات متقدمة في بعض تطبيقات الفضاء، وقد شكل التعاون الفضائي الروسي الأمريكي، في مراحل مختلفة، أحد أوجه الاعتماد المتبادل بين القوتين، خصوصاً في مجالات نقل رواد الفضاء وتشغيل المركبات والمحطات الفضائية.
وتعد صناعة الطائرات من القطاعات المهمة في الاقتصاد الروسي، لما تتطلبه من قدرات هندسية وبحثية وصناعية متقدمة، فيما تمثل تكنولوجيا النانو أحد المجالات التي تسعى الدول إلى تطويرها لما توفره من تطبيقات محتملة في الصناعة والطب والمواد المتقدمة.
أما في المجال السيبراني، فتختلف المقاربة الروسية عن النموذج الأمريكي من حيث البناء المؤسسي والمفاهيم التنظيمية. فبينما أنشأت الولايات المتحدة قيادة عسكرية متخصصة بالفضاء السيبراني، اعتمدت روسيا مقاربة تركز على مفهوم «أمن المعلومات»، الذي يتجاوز حماية الأنظمة والشبكات ليشمل نطاقاً أوسع من القضايا المرتبطة بالمعلومات واستخدامها وتأثيراتها.
وتسعى موسكو إلى تعزيز قدراتها في هذا المجال، والمشاركة في وضع معايير دولية لتنظيم الفضاء الإلكتروني. كما تتمسك بأهمية دور الدول في إدارة أمن المعلومات، في حين تختلف رؤيتها عن مواقف القوى الغربية بشأن طبيعة القواعد الدولية المطلوبة، وحدود سلطة الحكومات في تنظيم الإنترنت، والفصل بين التهديدات الخارجية والداخلية لأمن المعلومات.