تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التجارة‭ ‬الرقمية‭ ‬تعيد‭ ‬رسم‭ ‬النفوذ‭ ‬العالمي

QDI…110

أصبحت‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬العوامل‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬المعاصرة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تصاعد‭ ‬التنافس‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬على‭ ‬امتلاك‭ ‬المعرفة‭ ‬والقدرات‭ ‬العلمية‭ ‬والابتكارية،‭ ‬وتوظيفها‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والعسكرية‭ ‬والإعلامية‭. ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬التفوق‭ ‬التكنولوجي‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬لتطوير‭ ‬الإنتاج‭ ‬وتحسين‭ ‬الأداء،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬مصادر‭ ‬قوة‭ ‬الدول‭ ‬ومكانتها‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬لما‭ ‬يوفره‭ ‬من‭ ‬مزايا‭ ‬اقتصادية‭ ‬وعسكرية‭ ‬تنعكس‭ ‬بدورها‭ ‬على‭ ‬النفوذ‭ ‬السياسي‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬القرارات‭ ‬العالمية‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬الثورة‭ ‬المعلوماتية‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الترابط‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬أطراف‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬اتساع‭ ‬دور‭ ‬الفضاء‭ ‬الإلكتروني‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬التجارة‭ ‬وتبادل‭ ‬البيانات‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬الصراعات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬وحماية‭ ‬المعلومات‭. ‬وأصبحت‭ ‬الشبكات‭ ‬الرقمية‭ ‬ساحة‭ ‬للتنافس‭ ‬على‭ ‬النفوذ‭ ‬والموارد‭ ‬والمعرفة،‭ ‬بما‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬تطوير‭ ‬استراتيجيات‭ ‬تكنولوجية‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬المتسارعة‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬الدولية‭.‬

تطبيق‭ ‬المعرفة‭ ‬وصناعة‭ ‬التفوق
يعرّف‭ ‬‮«‬قاموس‭ ‬بنغوين‭ ‬للعلاقات‭ ‬الدولية‮»‬‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬بأنها‭ ‬تطبيق‭ ‬المعرفة‭ ‬لإيجاد‭ ‬حلول‭ ‬عملية‭ ‬للمشكلات‭. ‬ويمكن‭ ‬تناول‭ ‬مفهومها‭ ‬من‭ ‬منظورين‭ ‬رئيسيين؛‭ ‬الأول‭ ‬ينظر‭ ‬إليها‭ ‬باعتبارها‭ ‬متغيراً‭ ‬مستقلاً‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬المحيطة،‭ ‬والثاني‭ ‬يتعامل‭ ‬معها‭ ‬بوصفها‭ ‬متغيراً‭ ‬تابعاً‭ ‬أو‭ ‬نظاماً‭ ‬مفتوحاً‭ ‬يتأثر‭ ‬بالظروف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والسياسية،‭ ‬ويتفاعل‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭.‬
وترتبط‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬في‭ ‬جوهرها،‭ ‬بالتطبيق‭ ‬العملي‭ ‬للعلوم‭ ‬والهندسة،‭ ‬إذ‭ ‬تمثل‭ ‬توظيفاً‭ ‬للمعرفة‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬تتولد‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬والبحوث‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬محددة‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬تتقاطع‭ ‬مع‭ ‬مفهوم‭ ‬البحث‭ ‬التطبيقي،‭ ‬الذي‭ ‬يستهدف‭ ‬تحويل‭ ‬النتائج‭ ‬العلمية‭ ‬إلى‭ ‬تطبيقات‭ ‬عملية‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬المشكلات‭ ‬وتطوير‭ ‬المنتجات‭ ‬والخدمات‭ ‬ورفع‭ ‬كفاءة‭ ‬الأداء‭.‬
وتتعدد‭ ‬مجالات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المتقدمة،‭ ‬ومن‭ ‬أبـرزهـا‭ ‬خمسة‭ ‬قطاعات‭ ‬رئيسية‭:‬
●‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬المعلومات‭: ‬وتشمل‭ ‬الحواسيب‭ ‬والإلكترونيات‭ ‬الدقيقة‭ ‬والاتصالات‭ ‬والألياف‭ ‬الضوئية‭ ‬والبرمجيات‭ ‬وشبكات‭ ‬المعلومات‭.‬
●‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحيوية‭ ‬والهندسة‭ ‬الوراثية‭: ‬وتوظف‭ ‬المعرفة‭ ‬العلمية‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬التطبيقات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالأنظمة‭ ‬الحيوية‭.‬
●‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬الليزر‭: ‬التي‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬تطبيقات‭ ‬صناعية‭ ‬وعلمية‭ ‬وطبية‭ ‬متعددة‭.‬
●‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭: ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬الطاقة‭ ‬الشمسية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬البديلة‭.‬
●‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬المواد‭ ‬الجديدة‭ ‬والمصنّعة‭: ‬التي‭ ‬تتيح‭ ‬تطوير‭ ‬مواد‭ ‬ذات‭ ‬خصائص‭ ‬تلبي‭ ‬احتياجات‭ ‬التطبيقات‭ ‬الصناعية‭ ‬والتقنية‭ ‬الحديثة‭.‬
وقد‭ ‬أكدت‭ ‬دراسات‭ ‬عديدة‭ ‬أهمية‭ ‬التطور‭ ‬التكنولوجي‭ ‬والإنفاق‭ ‬على‭ ‬البحث‭ ‬والتطوير‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المزايا‭ ‬النسبية‭ ‬والتنافسية،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬قدرة‭ ‬الدول‭ ‬والمؤسسات‭ ‬على‭ ‬تحسين‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬وتطوير‭ ‬الصناعات،‭ ‬ورفع‭ ‬كفاءة‭ ‬استخدام‭ ‬الموارد،‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬أسواق‭ ‬جديدة‭.‬

التكنولوجيا‭ ‬تعيد‭ ‬تشكيل
‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬الدولية

تناول‭ ‬المفكر‭ ‬الأمريكي‭ ‬ألفن‭ ‬توفلر،‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬تحول‭ ‬السلطة‭ ‬بين‭ ‬العنف‭ ‬والثروة‭ ‬والمعرفة‮»‬،‭ ‬الدور‭ ‬المتنامي‭ ‬للمعرفة‭ ‬بوصفها‭ ‬مصدراً‭ ‬للقوة‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬مسارات‭ ‬التغيير‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬التحول‭ ‬الذي‭ ‬شهدته‭ ‬مصادر‭ ‬القوة‭ ‬العالمية،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬القدرات‭ ‬التقليدية‭ ‬وحدها‭ ‬كافية‭ ‬لتحديد‭ ‬مكانة‭ ‬الدول،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬المعرفة‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والابتكار‭ ‬عناصر‭ ‬أساسية‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬موازين‭ ‬النفوذ‭.‬
وفي‭ ‬الاتجاه‭ ‬ذاته،‭ ‬يرى‭ ‬خبراء‭ ‬أن‭ ‬القضايا‭ ‬التكنولوجية‭ ‬ستحتل‭ ‬موقعاً‭ ‬رئيسياً‭ ‬في‭ ‬التنافس‭ ‬الدولي،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والقوى‭ ‬الكبرى‭ ‬الأخرى‭. ‬فقد‭ ‬أوجد‭ ‬التطور‭ ‬المتسارع‭ ‬بيئة‭ ‬تكنولوجية‭ ‬عالمية‭ ‬معقدة،‭ ‬وأسهم‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬مفهوم‭ ‬القوة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ربطها‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬امتلاك‭ ‬التقنيات‭ ‬المتقدمة‭ ‬وتطويرها‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬تطبيقاتها‭.‬
وفي‭ ‬المجال‭ ‬الأمني‭ ‬والعسكري،‭ ‬فرضت‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬متغيرات‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬طبيعة‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬الدولية،‭ ‬إذ‭ ‬باتت‭ ‬وسائل‭ ‬التأثير‭ ‬والتهديد‭ ‬مرتبطة‭ ‬بقدرات‭ ‬الدول‭ ‬التقنية،‭ ‬وبمدى‭ ‬امتلاكها‭ ‬أدوات‭ ‬متقدمة‭ ‬لجمع‭ ‬المعلومات‭ ‬وتحليلها‭ ‬وحماية‭ ‬بنيتها‭ ‬الرقمية‭ ‬أو‭ ‬استهدافها‭. ‬كما‭ ‬أسهمت‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬في‭ ‬إبراز‭ ‬مظاهر‭ ‬الاستقطاب‭ ‬داخل‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬مع‭ ‬احتدام‭ ‬المنافسة‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬تقدم‭ ‬علمي‭ ‬وتقني‭ ‬يمنحها‭ ‬موقعاً‭ ‬أفضل‭ ‬في‭ ‬سلم‭ ‬القوة‭ ‬العالمية‭.‬
ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬هذه‭ ‬المنافسة‭ ‬على‭ ‬المواجهات‭ ‬العسكرية‭ ‬المباشرة،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬سباقات‭ ‬تطوير‭ ‬التقنيات‭ ‬والأنظمة‭ ‬الرقمية،‭ ‬وتأمين‭ ‬شبكات‭ ‬الاتصال،‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬تدفقات‭ ‬المعلومات،‭ ‬وبناء‭ ‬القدرات‭ ‬التي‭ ‬تتيح‭ ‬للدول‭ ‬حماية‭ ‬مصالحها‭ ‬وتعزيز‭ ‬حضورها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والسياسي‭.‬

التنافس‭ ‬الرقمي‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وروسيا
أوجدت‭ ‬التطورات‭ ‬الرقمية‭ ‬ساحة‭ ‬جديدة‭ ‬للصراع‭ ‬الدولي،‭ ‬تختلف‭ ‬أدواتها‭ ‬عن‭ ‬وسائل‭ ‬المواجهة‭ ‬التقليدية‭. ‬ففي‭ ‬الفضاء‭ ‬السيبراني،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتخذ‭ ‬المنافسة‭ ‬أشكالاً‭ ‬متعددة،‭ ‬تشمل‭ ‬اختراق‭ ‬البيانات‭ ‬السرية،‭ ‬والتجسس‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والصناعي،‭ ‬واستخدام‭ ‬الهجمات‭ ‬الإلكترونية‭ ‬لاستهداف‭ ‬المؤسسات‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تجاوز‭ ‬الشبكات‭ ‬الرقمية‭ ‬للحدود‭ ‬الجغرافية‭ ‬والسياسية‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تتفاعل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وروسيا‭ ‬باعتبارهما‭ ‬قوتين‭ ‬تمتلكان‭ ‬قدرات‭ ‬تكنولوجية‭ ‬وعسكرية‭ ‬متقدمة،‭ ‬فيما‭ ‬تتزايد‭ ‬حدة‭ ‬التنافس‭ ‬بينهما‭ ‬كلما‭ ‬تداخلت‭ ‬المصالح‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬أو‭ ‬تعرضت‭ ‬المعلومات‭ ‬والأنظمة‭ ‬الحيوية‭ ‬للتهديد‭.‬

هل‭ ‬تفرض‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬هيمنة‭ ‬رقمية‭ ‬عالمية؟
يستند‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬النفوذ‭ ‬التكنولوجي‭ ‬الأمريكي‭ ‬إلى‭ ‬الحضور‭ ‬الواسع‭ ‬للشركات‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الرقمي‭ ‬العالمي،‭ ‬وإلى‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬تؤديه‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للإنترنت‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المعنية‭ ‬بإدارة‭ ‬موارده‭ ‬التقنية‭.‬
ويبرز‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬بُعدان،‭ ‬أحدهما‭ ‬مادي‭ ‬والآخر‭ ‬قانوني‭ ‬وتنظيمي‭. ‬فعلى‭ ‬المستوى‭ ‬المادي،‭ ‬توجد‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬مهمة‭ ‬لخدمات‭ ‬الإنترنت‭ ‬والخوادم‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها،‭ ‬كما‭ ‬نشأت‭ ‬فيها‭ ‬شركات‭ ‬كبرى‭ ‬أصبحت‭ ‬ذات‭ ‬تأثير‭ ‬عالمي‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬الإلكتروني‭ ‬وأنظمة‭ ‬تشغيل‭ ‬الحواسيب‭ ‬والبرمجيات‭ ‬ومنصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭.‬
أما‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬التنظيمي،‭ ‬فتبرز‭ ‬هيئة‭ ‬الإنترنت‭ ‬للأسماء‭ ‬والأرقام‭ ‬المخصصة‭ ‬‮«‬آيكان‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬تأسست‭ ‬عام‭ ‬1998،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬تطور‭ ‬إدارة‭ ‬الموارد‭ ‬الأساسية‭ ‬للإنترنت‭. ‬وقد‭ ‬ارتبطت‭ ‬الهيئة‭ ‬في‭ ‬مراحلها‭ ‬الأولى‭ ‬بعلاقة‭ ‬تعاقدية‭ ‬مع‭ ‬وزارة‭ ‬التجارة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬قبل‭ ‬انتهاء‭ ‬الإشراف‭ ‬التعاقدي‭ ‬للحكومة‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬وظائف‭ ‬هيئة‭ ‬أرقام‭ ‬الإنترنت‭ ‬المخصصة‭ ‬‮«‬آيانا‮»‬‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬2016،‭ ‬وانتقال‭ ‬إدارتها‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬متعدد‭ ‬الأطراف‭ ‬تشارك‭ ‬فيه‭ ‬جهات‭ ‬من‭ ‬مجتمع‭ ‬الإنترنت‭ ‬العالمي‭.‬
وقد‭ ‬أسهمت‭ ‬هذه‭ ‬العوامل،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬انتشار‭ ‬شركات‭ ‬كبرى‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬غوغل‮»‬‭ ‬و«مايكروسوفت‮»‬‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الحضور‭ ‬الأمريكي‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرقمي،‭ ‬ومنح‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬نفوذاً‭ ‬واسعاً‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬التقنيات‭ ‬والخدمات‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬عليها‭ ‬الشركات‭ ‬والمستهلكون‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭.‬
ويكتسب‭ ‬هذا‭ ‬النفوذ‭ ‬أهمية‭ ‬اقتصادية‭ ‬واستراتيجية،‭ ‬لأن‭ ‬امتلاك‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬والخدمات‭ ‬الرقمية‭ ‬يمنح‭ ‬الشركات‭ ‬والدول‭ ‬قدرات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬اتجاهات‭ ‬الابتكار‭ ‬والتجارة‭ ‬وتدفق‭ ‬البيانات،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬احتكار‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬لجميع‭ ‬عناصر‭ ‬القطاع‭ ‬الرقمي‭ ‬العالمي‭.‬
وعلى‭ ‬صعيد‭ ‬الأمن‭ ‬السيبراني،‭ ‬أصدرت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬استراتيجيتها‭ ‬الوطنية‭ ‬للأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬لعام‭ ‬2018‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬العام،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬توجه‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬السابق‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬العمليات‭ ‬السيبرانية‭ ‬وتعزيز‭ ‬القدرات‭ ‬اللازمة‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬التهديدات‭ ‬الإلكترونية‭.‬
وركزت‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬القدرات‭ ‬الدفاعية‭ ‬والهجومية،‭ ‬وتوسيع‭ ‬الشراكات‭ ‬والتحالفات،‭ ‬والاستعداد‭ ‬لمواجهة‭ ‬الأنشطة‭ ‬السيبرانية‭ ‬التي‭ ‬تهدد‭ ‬المصالح‭ ‬الأمريكية‭. ‬كما‭ ‬تبنت‭ ‬نهجاً‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬إمكانية‭ ‬الرد‭ ‬على‭ ‬الهجمات‭ ‬الإلكترونية‭ ‬بوسائل‭ ‬متعددة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬استخدام‭ ‬القدرات‭ ‬العسكرية‭ ‬التقليدية‭ ‬عندما‭ ‬ترى‭ ‬واشنطن‭ ‬أن‭ ‬طبيعة‭ ‬التهديد‭ ‬تستدعي‭ ‬ذلك‭.‬
وتنظر‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬الفضاء‭ ‬السيبراني‭ ‬باعتباره‭ ‬امتداداً‭ ‬لمجالات‭ ‬الأمن‭ ‬القومي،‭ ‬ووسيلة‭ ‬لتعزيز‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري،‭ ‬وتطوير‭ ‬الأنشطة‭ ‬الاستخباراتية،‭ ‬وحماية‭ ‬المؤسسات‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬الحيوية،‭ ‬وردع‭ ‬المنافسين‭ ‬الدوليين‭ ‬عن‭ ‬تنفيذ‭ ‬عمليات‭ ‬إلكترونية‭ ‬تستهدف‭ ‬مصالحها‭.‬

التقدم‭ ‬الروسي‭ ‬الامن‭ ‬السيبراني

في‭ ‬المقابل،‭ ‬شهدت‭ ‬روسيا‭ ‬خلال‭ ‬العقدين‭ ‬الماضيين‭ ‬تطورات‭ ‬اقتصادية‭ ‬وتكنولوجية‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المجالات،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬علوم‭ ‬الفضاء‭ ‬وتكنولوجيا‭ ‬النانو‭ ‬وصناعة‭ ‬الطائرات‭. ‬وتمتلك‭ ‬البلاد‭ ‬خبرات‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬تطبيقات‭ ‬الفضاء،‭ ‬وقد‭ ‬شكل‭ ‬التعاون‭ ‬الفضائي‭ ‬الروسي‭ ‬الأمريكي،‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬مختلفة،‭ ‬أحد‭ ‬أوجه‭ ‬الاعتماد‭ ‬المتبادل‭ ‬بين‭ ‬القوتين،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬نقل‭ ‬رواد‭ ‬الفضاء‭ ‬وتشغيل‭ ‬المركبات‭ ‬والمحطات‭ ‬الفضائية‭.‬
وتعد‭ ‬صناعة‭ ‬الطائرات‭ ‬من‭ ‬القطاعات‭ ‬المهمة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الروسي،‭ ‬لما‭ ‬تتطلبه‭ ‬من‭ ‬قدرات‭ ‬هندسية‭ ‬وبحثية‭ ‬وصناعية‭ ‬متقدمة،‭ ‬فيما‭ ‬تمثل‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬النانو‭ ‬أحد‭ ‬المجالات‭ ‬التي‭ ‬تسعى‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬تطويرها‭ ‬لما‭ ‬توفره‭ ‬من‭ ‬تطبيقات‭ ‬محتملة‭ ‬في‭ ‬الصناعة‭ ‬والطب‭ ‬والمواد‭ ‬المتقدمة‭.‬
أما‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬السيبراني،‭ ‬فتختلف‭ ‬المقاربة‭ ‬الروسية‭ ‬عن‭ ‬النموذج‭ ‬الأمريكي‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬البناء‭ ‬المؤسسي‭ ‬والمفاهيم‭ ‬التنظيمية‭. ‬فبينما‭ ‬أنشأت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬قيادة‭ ‬عسكرية‭ ‬متخصصة‭ ‬بالفضاء‭ ‬السيبراني،‭ ‬اعتمدت‭ ‬روسيا‭ ‬مقاربة‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬أمن‭ ‬المعلومات‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يتجاوز‭ ‬حماية‭ ‬الأنظمة‭ ‬والشبكات‭ ‬ليشمل‭ ‬نطاقاً‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالمعلومات‭ ‬واستخدامها‭ ‬وتأثيراتها‭.‬
وتسعى‭ ‬موسكو‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬قدراتها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬معايير‭ ‬دولية‭ ‬لتنظيم‭ ‬الفضاء‭ ‬الإلكتروني‭. ‬كما‭ ‬تتمسك‭ ‬بأهمية‭ ‬دور‭ ‬الدول‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬أمن‭ ‬المعلومات،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تختلف‭ ‬رؤيتها‭ ‬عن‭ ‬مواقف‭ ‬القوى‭ ‬الغربية‭ ‬بشأن‭ ‬طبيعة‭ ‬القواعد‭ ‬الدولية‭ ‬المطلوبة،‭ ‬وحدود‭ ‬سلطة‭ ‬الحكومات‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬الإنترنت،‭ ‬والفصل‭ ‬بين‭ ‬التهديدات‭ ‬الخارجية‭ ‬والداخلية‭ ‬لأمن‭ ‬المعلومات‭.‬

رجوع لأعلى