تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التغيرات‭ ‬النقدية‭ ‬تعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬معادلات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي

QSY…1345

في‭ ‬ظل‭ ‬هيمنة‭ ‬الدولار‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬النقدي‭ ‬العالمي،‭ ‬لا‭ ‬تبقى‭ ‬قرارات‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬الأميركية‭ ‬محصورة‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬آثارها‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالعملة‭ ‬الأميركية‭. ‬فعندما‭ ‬يتجه‭ ‬مجلس‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬إلى‭ ‬خفض‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬وتوسيع‭ ‬السيولة،‭ ‬أو‭ ‬ينتقل‭ ‬إلى‭ ‬التشديد‭ ‬النقدي‭ ‬ورفع‭ ‬تكلفة‭ ‬التمويل،‭ ‬تنتقل‭ ‬انعكاسات‭ ‬هذه‭ ‬القرارات‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الدولار‭ ‬في‭ ‬احتياطياتها‭ ‬أو‭ ‬تجارتها‭ ‬الخارجية،‭ ‬لتجد‭ ‬نفسها‭ ‬أمام‭ ‬متغيرات‭ ‬نقدية‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تتطابق‭ ‬بالضرورة‭ ‬مع‭ ‬ظروفها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المحلية‭.‬
وتكشف‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬عن‭ ‬محدودية‭ ‬الأدوات‭ ‬المتاحة‭ ‬أمام‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالدولار،‭ ‬وتطرح‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إطار‭ ‬جماعي‭ ‬يساعدها‭ ‬على‭ ‬تنسيق‭ ‬مواقفها‭ ‬والتعامل‭ ‬بصورة‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬النقدية‭ ‬العالمية‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تنطلق‭ ‬فكرة‭ ‬إنشاء‭ ‬منظمة‭ ‬نقدية‭ ‬مشتركة‭ ‬لا‭ ‬تستهدف‭ ‬النظام‭ ‬القائم‭ ‬ولا‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬الانفصال‭ ‬عنه،‭ ‬وإنما‭ ‬توفر‭ ‬منصة‭ ‬مؤسسية‭ ‬تستطيع‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬تنسيق‭ ‬مصالحها،‭ ‬وتبادل‭ ‬الخبرات،‭ ‬وبناء‭ ‬مقاربات‭ ‬مشتركة‭ ‬تجاه‭ ‬التطورات‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬المنظومة‭ ‬النقدية‭ ‬الدولية‭.‬

تنظيم‭ ‬مالي

ولا‭ ‬يتمثل‭ ‬الهدف‭ ‬في‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬مع‭ ‬النظام‭ ‬النقدي‭ ‬القائم،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬العلاقة‭ ‬معه‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬أكثر‭ ‬توازناً‭. ‬فوجود‭ ‬إطار‭ ‬نقدي‭ ‬مشترك‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يمنح‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬تحليل‭ ‬آثار‭ ‬القرارات‭ ‬النقدية‭ ‬الخارجية،‭ ‬وتطوير‭ ‬استجابات‭ ‬تتلاءم‭ ‬مع‭ ‬أوضاعها‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالتكيف‭ ‬مع‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬تنشأ‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المصدرة‭ ‬للعملات‭ ‬الرئيسية‭.‬
كما‭ ‬يمكن‭ ‬للمنظمة‭ ‬المقترحة‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬إطار‭ ‬للتنسيق‭ ‬المالي‭ ‬والنقدي،‭ ‬بما‭ ‬يرفع‭ ‬القدرة‭ ‬الجماعية‭ ‬لأعضائها‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬التقلبات‭ ‬الدولية‭. ‬ومع‭ ‬تطور‭ ‬آليات‭ ‬التعاون،‭ ‬قد‭ ‬تتشكل‭ ‬كتلة‭ ‬مالية‭ ‬ذات‭ ‬وزن‭ ‬مؤثر،‭ ‬لا‭ ‬بهدف‭ ‬إعادة‭ ‬رسم‭ ‬قواعد‭ ‬النظام‭ ‬النقدي‭ ‬العالمي‭ ‬بصورة‭ ‬صدامية،‭ ‬وإنما‭ ‬للمشاركة‭ ‬بصورة‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬في‭ ‬تطويره‭ ‬ودعم‭ ‬استقراره‭ ‬بما‭ ‬يراعي‭ ‬مصالح‭ ‬اقتصادات‭ ‬تختلف‭ ‬في‭ ‬هياكلها‭ ‬وأولوياتها‭.‬
وتتضح‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬بصورة‭ ‬أكبر‭ ‬عند‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬محدودية‭ ‬استقلال‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬عملاتها‭ ‬بالدولار‭. ‬فالحفاظ‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬سعر‭ ‬الصرف،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬حرية‭ ‬حركة‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال،‭ ‬يفرض‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬التحرك‭ ‬ضمن‭ ‬نطاق‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬توجهات‭ ‬مجلس‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬الأميركي،‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬تستدعي‭ ‬الظروف‭ ‬المحلية‭ ‬سياسة‭ ‬نقدية‭ ‬مختلفة‭.‬
وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬نظرية‭ ‬‮«‬الثالوث‭ ‬المستحيل‮»‬‭ ‬التي‭ ‬طورها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬روبرت‭ ‬ماندل‭ ‬في‭ ‬ستينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬والتي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬صعوبة‭ ‬الجمع‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬بين‭ ‬استقلال‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية،‭ ‬وثبات‭ ‬سعر‭ ‬الصرف،‭ ‬وحرية‭ ‬حركة‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭. ‬وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصادات‭ ‬التي‭ ‬اختارت‭ ‬تثبيت‭ ‬عملاتها‭ ‬أمام‭ ‬الدولار،‭ ‬تتقلص‭ ‬مساحة‭ ‬المناورة‭ ‬أمام‭ ‬السلطات‭ ‬النقدية‭ ‬كلما‭ ‬ارتفعت‭ ‬درجة‭ ‬اندماجها‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭.‬
ولا‭ ‬تتشابه‭ ‬اقتصادات‭ ‬الدول‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالدولار‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬مصادر‭ ‬الدخل‭ ‬أو‭ ‬طبيعة‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أو‭ ‬دورات‭ ‬النمو‭. ‬فهناك‭ ‬اقتصادات‭ ‬تعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬صادرات‭ ‬النفط،‭ ‬بينما‭ ‬ترتكز‭ ‬اقتصادات‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬الخدمات‭ ‬المالية‭ ‬أو‭ ‬السياحة،‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الكاريبي‭. ‬ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬التغير‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬قد‭ ‬ينتج‭ ‬عنه‭ ‬تأثيرات‭ ‬مختلفة‭ ‬تبعاً‭ ‬لطبيعة‭ ‬كل‭ ‬اقتصاد‭.‬

اختلاف‭ ‬الهياكل‭ ‬الاقتصادية

ويكشف‭ ‬هذا‭ ‬التباين‭ ‬أن‭ ‬الارتباط‭ ‬بعملة‭ ‬واحدة‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬تماثل‭ ‬الظروف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬كما‭ ‬يثير‭ ‬تساؤلات‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬ملاءمة‭ ‬الاستجابة‭ ‬النقدية‭ ‬المتقاربة‭ ‬لاقتصادات‭ ‬تختلف‭ ‬في‭ ‬هياكلها‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬الصدمات‭. ‬ويتصل‭ ‬ذلك‭ ‬بمفهوم‭ ‬‮«‬منطقة‭ ‬العملة‭ ‬المثلى‮»‬‭ ‬لدى‭ ‬ماندل،‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬فاعلية‭ ‬ترتيبات‭ ‬العملة‭ ‬المشتركة‭ ‬بمدى‭ ‬التقارب‭ ‬بين‭ ‬الاقتصادات‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬بصورة‭ ‬متناسقة‭ ‬مع‭ ‬الصدمات‭ ‬المالية‭ ‬والاقتصادية‭.‬
إلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬تفسر‭ ‬نظرية‭ ‬الاعتماد‭ ‬الهيكلي،‭ ‬المرتبطة‭ ‬بأعمال‭ ‬أندريه‭ ‬غوندر‭ ‬فرانك‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬السياسي‭ ‬الدولي،‭ ‬جانباً‭ ‬من‭ ‬القيود‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬الاقتصادات‭ ‬النامية‭ ‬عندما‭ ‬تربط‭ ‬عملاتها‭ ‬بعملات‭ ‬رئيسية‭ ‬مثل‭ ‬الدولار‭. ‬فالارتباط‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬تثبيت‭ ‬سعر‭ ‬الصرف،‭ ‬وإنما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬هامش‭ ‬الحركة‭ ‬أمام‭ ‬السلطات‭ ‬النقدية،‭ ‬ويجعل‭ ‬تصميم‭ ‬السياسات‭ ‬المحلية‭ ‬أكثر‭ ‬تأثراً‭ ‬بالتحولات‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬الدولي‭.‬
وتذهب‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الاعتماد‭ ‬المستمر‭ ‬على‭ ‬العملة‭ ‬المهيمنة‭ ‬قد‭ ‬يرسخ‭ ‬علاقات‭ ‬اقتصادية‭ ‬تتجاوز‭ ‬الجانب‭ ‬النقدي،‭ ‬إذ‭ ‬تصبح‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها‭ ‬أكثر‭ ‬تعرضاً‭ ‬لتأثير‭ ‬القواعد‭ ‬والاتجاهات‭ ‬التي‭ ‬تحددها‭ ‬مراكز‭ ‬القوة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬توسيع‭ ‬هامش‭ ‬الاستقلال‭ ‬النقدي‭ ‬يبدأ‭ ‬بفهم‭ ‬طبيعة‭ ‬هذه‭ ‬القيود،‭ ‬وكيفية‭ ‬انتقال‭ ‬آثار‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المهيمن‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المرتبطة‭ ‬به‭.‬
وفي‭ ‬السياق‭ ‬نفسه،‭ ‬تكشف‭ ‬أدبيات‭ ‬الهيمنة‭ ‬المالية‭ ‬عن‭ ‬الوزن‭ ‬الذي‭ ‬تمنحه‭ ‬المكانة‭ ‬الدولية‭ ‬للدولار‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬داخل‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭. ‬فانتشار‭ ‬الدولار‭ ‬كعملة‭ ‬احتياط‭ ‬وتسوية‭ ‬دولية‭ ‬يمنح‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي‭ ‬قدرة‭ ‬واسعة‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬والأسواق‭ ‬العالمية‭. ‬وتتناول‭ ‬أعمال‭ ‬بيتر‭ ‬إيفانز،‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬أوسع‭ ‬لدراسة‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وديناميكيات‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬كيفية‭ ‬انعكاس‭ ‬موقع‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المهيمنة‭ ‬على‭ ‬خيارات‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأخرى‭ ‬وعلاقاتها‭ ‬بالنظام‭ ‬العالمي‭.‬
وتظهر‭ ‬هذه‭ ‬الآلية‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬قرارات‭ ‬مجلس‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي،‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬لتغير‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬أو‭ ‬مستويات‭ ‬السيولة‭ ‬أن‭ ‬ينتقل‭ ‬أثره‭ ‬سريعاً‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬الاقتصادات‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬الدولار‭ ‬في‭ ‬احتياطياتها‭ ‬أو‭ ‬تجارتها‭ ‬الخارجية‭. ‬وهكذا‭ ‬تصبح‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬الأميركية‭ ‬متغيراً‭ ‬خارجياً‭ ‬مؤثراً‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات،‭ ‬رغم‭ ‬اختلاف‭ ‬أوضاعها‭ ‬الداخلية‭.‬
ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يتجاوز‭ ‬إنشاء‭ ‬منظمة‭ ‬نقدية‭ ‬للدول‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالدولار‭ ‬مفهوم‭ ‬التنسيق‭ ‬التقليدي‭ ‬للسياسات‭ ‬النقدية‭. ‬فالمقترح‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬إطار‭ ‬جماعي‭ ‬يتيح‭ ‬للدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬توسيع‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬التداعيات‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬التحولات‭ ‬النقدية‭ ‬العالمية،‭ ‬وتطوير‭ ‬أدوات‭ ‬مشتركة‭ ‬لتحليل‭ ‬الصدمات‭ ‬واتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬أكثر‭ ‬ارتباطاً‭ ‬بخصوصية‭ ‬كل‭ ‬اقتصاد‭.‬
ويظل‭ ‬نجاح‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بطبيعة‭ ‬البناء‭ ‬الذي‭ ‬سيحكم‭ ‬عمله‭. ‬فالتنوع‭ ‬الكبير‭ ‬بين‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالدولار‭ ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬بنموذج‭ ‬جامد‭ ‬يفرض‭ ‬سياسة‭ ‬نقدية‭ ‬موحدة‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬الأعضاء،‭ ‬وإنما‭ ‬يستدعي‭ ‬آليات‭ ‬مرنة‭ ‬تراعي‭ ‬اختلاف‭ ‬الهياكل‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ومصادر‭ ‬الدخل‭ ‬وأولويات‭ ‬السياسة‭ ‬المالية‭ ‬والنقدية‭.‬

معادلة‭ ‬جوير

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬تكتسب‭ ‬‮«‬معادلة‭ ‬جوير‮»‬‭ ‬أهميتها‭ ‬بوصفها‭ ‬إطاراً‭ ‬تحليلياً‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬حركة‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬والبيئة‭ ‬النقدية‭. ‬وتنطلق‭ ‬المعادلة‭ ‬من‭ ‬فرضية‭ ‬أن‭ ‬النفط‭ ‬لا‭ ‬يؤثر‭ ‬في‭ ‬التضخم‭ ‬والنمو‭ ‬وتكاليف‭ ‬الإنتاج‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تمتد‭ ‬انعكاساته‭ ‬إلى‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬تتشكل‭ ‬في‭ ‬ظلها‭ ‬قرارات‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬والسياسة‭ ‬النقدية‭.‬
وتحاول‭ ‬‮«‬جوير‮»‬‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬قراءة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬وأسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تتبع‭ ‬القنوات‭ ‬التي‭ ‬تنتقل‭ ‬عبرها‭ ‬الصدمات‭ ‬النفطية‭ ‬إلى‭ ‬المتغيرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والنقدية‭. ‬ووفق‭ ‬هذا‭ ‬المنظور،‭ ‬فإن‭ ‬تحليل‭ ‬مسار‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬التضخم‭ ‬والنشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وحدهما،‭ ‬بل‭ ‬يأخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬أيضاً‭ ‬التغيرات‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬النفط‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬ذات‭ ‬تأثير‭ ‬ملموس‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭.‬

المتغيرات‭ ‬النفطية

وتبرز‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالدولار‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إمكانية‭ ‬استخدامه‭ ‬لتقييم‭ ‬أثر‭ ‬المتغيرات‭ ‬النفطية‭ ‬على‭ ‬اقتصاداتها‭ ‬بصورة‭ ‬أكثر‭ ‬دقة‭. ‬فهذه‭ ‬الاقتصادات،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬المنتجة‭ ‬والمصدرة‭ ‬للطاقة،‭ ‬تتأثر‭ ‬حركة‭ ‬إيراداتها‭ ‬ونفقاتها‭ ‬ونشاطها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬بتقلبات‭ ‬أسعار‭ ‬النفط،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬فهم‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬النفط‭ ‬والمتغيرات‭ ‬النقدية‭ ‬عاملاً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬الاستجابة‭ ‬المناسبة‭ ‬للظروف‭ ‬الاقتصادية‭.‬
وفي‭ ‬إطار‭ ‬المنظمة‭ ‬المقترحة،‭ ‬يمكن‭ ‬توظيف‭ ‬‮«‬معادلة‭ ‬جوير‮»‬‭ ‬كأداة‭ ‬تحليلية‭ ‬مشتركة‭ ‬تساعد‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬على‭ ‬قياس‭ ‬انعكاسات‭ ‬التحولات‭ ‬النفطية‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬والظروف‭ ‬النقدية‭. ‬ومن‭ ‬شأن‭ ‬اعتماد‭ ‬منهج‭ ‬تحليلي‭ ‬مشترك‭ ‬أن‭ ‬يوفر‭ ‬قاعدة‭ ‬أكثر‭ ‬اتساقاً‭ ‬للمقارنة‭ ‬بين‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأعضاء،‭ ‬مع‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬مساحة‭ ‬كافية‭ ‬لكل‭ ‬دولة‭ ‬لتكييف‭ ‬قراراتها‭ ‬وفق‭ ‬ظروفها‭ ‬المحلية‭.‬
ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬قابلية‭ ‬‮«‬جوير‮»‬‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المبدأ‭ ‬على‭ ‬النفط،‭ ‬إذ‭ ‬يستند‭ ‬مفهومها‭ ‬إلى‭ ‬الوزن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للسلعة‭ ‬ومدى‭ ‬انعكاس‭ ‬التغير‭ ‬في‭ ‬سعرها‭ ‬على‭ ‬التضخم‭ ‬وتكاليف‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتدفقات‭ ‬النقدية‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬يمكن‭ ‬تطبيق‭ ‬الإطار‭ ‬على‭ ‬سلع‭ ‬استراتيجية‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬الذهب‭ ‬والغاز‭ ‬وبعض‭ ‬المعادن‭ ‬النادرة‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬الصناعات‭ ‬التكنولوجية،‭ ‬متى‭ ‬كان‭ ‬تغير‭ ‬أسعارها‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬تأثير‭ ‬ملموس‭ ‬في‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أو‭ ‬البيئة‭ ‬النقدية‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬النفط‭ ‬يظل‭ ‬المجال‭ ‬الأكثر‭ ‬وضوحاً‭ ‬لتطبيق‭ ‬المعادلة،‭ ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬اتساع‭ ‬نطاق‭ ‬تداوله‭ ‬وارتباطه‭ ‬المباشر‭ ‬بتكاليف‭ ‬الطاقة‭ ‬والنقل‭ ‬والإنتاج،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬حساسيته‭ ‬العالية‭ ‬للتطورات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والجيوسياسية‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬حركة‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬تمثل‭ ‬متغيراً‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنتقل‭ ‬آثاره‭ ‬عبر‭ ‬قطاعات‭ ‬متعددة،‭ ‬من‭ ‬تكلفة‭ ‬الإنتاج‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬الأسعار‭ ‬والنمو‭ ‬والسيولة‭ ‬والإيرادات‭ ‬العامة‭.‬
ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية،‭ ‬لا‭ ‬تتعامل‭ ‬‮«‬معادلة‭ ‬جوير‮»‬‭ ‬مع‭ ‬النفط‭ ‬باعتباره‭ ‬مجرد‭ ‬سلعة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬وإنما‭ ‬كمتغير‭ ‬اقتصادي‭ ‬قادر،‭ ‬عندما‭ ‬تتسع‭ ‬تقلباته،‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬مترابطة‭ ‬من‭ ‬المؤشرات‭ ‬التي‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬البيئة‭ ‬النقدية‭. ‬ويمنح‭ ‬ذلك‭ ‬الدول‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالدولار‭ ‬أداة‭ ‬إضافية‭ ‬لفهم‭ ‬الضغوط‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬تحولات‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬النظر‭ ‬إليها‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬قرارات‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬العالمية‭.‬
وتكتسب‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬للدول‭ ‬التي‭ ‬يرتبط‭ ‬استقرارها‭ ‬المالي‭ ‬والنقدي‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭ ‬بأداء‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة‭. ‬فالتغيرات‭ ‬الحادة‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬قد‭ ‬تنتقل‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬واحد‭ ‬إلى‭ ‬الإيرادات‭ ‬العامة‭ ‬والتضخم‭ ‬والسيولة‭ ‬والنشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتدفقات‭ ‬الخارجية،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬مترابطة‭ ‬لهذه‭ ‬التأثيرات،‭ ‬وليس‭ ‬إلى‭ ‬تحليل‭ ‬كل‭ ‬متغير‭ ‬بصورة‭ ‬منفصلة‭.‬
وبذلك‭ ‬تمثل‭ ‬‮«‬جوير‮»‬‭ ‬محاولة‭ ‬لتوسيع‭ ‬أدوات‭ ‬التحليل‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬أسواق‭ ‬السلع‭ ‬والسياسة‭ ‬النقدية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إدخال‭ ‬الوزن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للنفط‭ ‬وحركة‭ ‬أسعاره‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬أوسع‭ ‬لقراءة‭ ‬التحولات‭ ‬النقدية‭. ‬وفي‭ ‬حال‭ ‬دمج‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬ضمن‭ ‬المنظمة‭ ‬المقترحة،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يشكل‭ ‬أساساً‭ ‬لبناء‭ ‬أدوات‭ ‬تحليل‭ ‬مشتركة‭ ‬تساعد‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬على‭ ‬تقييم‭ ‬الصدمات‭ ‬الخارجية‭ ‬بصورة‭ ‬أكثر‭ ‬دقة،‭ ‬وتطوير‭ ‬استجابات‭ ‬نقدية‭ ‬تتلاءم‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر‭ ‬مع‭ ‬خصوصية‭ ‬اقتصاداتها‭.‬

رجوع لأعلى