تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الثقة‭ ‬تحسم‭ ‬الأزمات‭ ‬قبل‭ ‬الحملات‭ ‬الإعلانية

الثقة‭ ‬تحسم‭ ‬الأزمات‭ ‬قبل‭ ‬الحملات‭ ‬الإعلانية

عندما‭ ‬تتعرض‭ ‬الشركات‭ ‬لأزمة‭ ‬مفاجئة،‭ ‬يكون‭ ‬رد‭ ‬الفعل‭ ‬الأول‭ ‬غالباً‭ ‬إطلاق‭ ‬حملات‭ ‬إعلامية،‭ ‬وإصدار‭ ‬بيانات‭ ‬اعتذار،‭ ‬وتخصيص‭ ‬ميزانيات‭ ‬كبيرة‭ ‬لتحسين‭ ‬الصورة‭ ‬أمام‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬التجارب‭ ‬العالمية‭ ‬تثبت‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات،‭ ‬رغم‭ ‬أهميتها،‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬وحدها‭ ‬لاستعادة‭ ‬ثقة‭ ‬العملاء‭ ‬أو‭ ‬المستثمرين،‭ ‬لأن‭ ‬السمعة‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬أثناء‭ ‬الأزمة،‭ ‬بل‭ ‬قبلها‭ ‬بسنوات‭.‬
ويشير‭ ‬خبراء‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الجمهور‭ ‬لا‭ ‬يقيم‭ ‬الشركات‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬الرسائل‭ ‬الإعلانية‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬وفق‭ ‬تاريخها‭ ‬في‭ ‬الوفاء‭ ‬بالوعود‭ ‬وجودة‭ ‬منتجاتها‭ ‬وطريقة‭ ‬تعاملها‭ ‬مع‭ ‬المشكلات‭. ‬فكل‭ ‬تجربة‭ ‬إيجابية‭ ‬سابقة‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬رصيد‭ ‬يمكن‭ ‬للشركة‭ ‬الاعتماد‭ ‬عليه‭ ‬عندما‭ ‬تواجه‭ ‬اختباراً‭ ‬حقيقياً‭.‬
وتتوافق‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬مع‭ ‬قاعدة‭ ‬‮«‬الذروة‭ ‬والنهاية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬وضعها‭ ‬عالم‭ ‬النفس‭ ‬الحائز‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬دانيال‭ ‬كانيمان،‭ ‬والتي‭ ‬تفيد‭ ‬بأن‭ ‬الناس‭ ‬لا‭ ‬يتذكرون‭ ‬جميع‭ ‬تفاصيل‭ ‬التجربة،‭ ‬بل‭ ‬يحتفظون‭ ‬باللحظات‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثيراً‭ ‬والطريقة‭ ‬التي‭ ‬انتهت‭ ‬بها‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬طريقة‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬من‭ ‬الأزمة‭ ‬نفسها‭.‬
وأصبحت‭ ‬السمعة‭ ‬اليوم‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الأصول‭ ‬الاقتصادية‭ ‬غير‭ ‬الملموسة،‭ ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬بيانات‭ ‬مؤسسة‭ ‬كانتار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬القيمة‭ ‬السوقية‭ ‬لأكبر‭ ‬مئة‭ ‬علامة‭ ‬تجارية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬تجاوزت‭ ‬13‭.‬1‭ ‬تريليون‭ ‬دولار،‭ ‬وهي‭ ‬قيمة‭ ‬تعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬ثقة‭ ‬المستهلكين‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اعتمادها‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬الإنفاق‭ ‬الإعلاني‭.‬

الأفعال‭ ‬أولاً
تعد‭ ‬أزمة‭ ‬بوينج‭ ‬737‭ ‬ماكس‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الأمثلة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الحملات‭ ‬الإعلامية‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬وحدها‭ ‬إصلاح‭ ‬أزمة‭ ‬تمس‭ ‬سلامة‭ ‬المنتج‭. ‬فبعد‭ ‬الحادثين‭ ‬اللذين‭ ‬أوديا‭ ‬بحياة‭ ‬346‭ ‬شخصاً،‭ ‬أطلقت‭ ‬الشركة‭ ‬حملات‭ ‬تواصل‭ ‬واسعة‭ ‬وأجرت‭ ‬تغييرات‭ ‬إدارية‭ ‬وأكدت‭ ‬التزامها‭ ‬بمعايير‭ ‬السلامة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يمنع‭ ‬استمرار‭ ‬التداعيات‭ ‬المالية‭.‬
وتجاوزت‭ ‬التكاليف‭ ‬المباشرة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بإيقاف‭ ‬تشغيل‭ ‬الطائرة،‭ ‬والتعويضات،‭ ‬والغرامات،‭ ‬وإعادة‭ ‬التصميم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬20‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬بينما‭ ‬قدرت‭ ‬خسائر‭ ‬الطلبات‭ ‬الملغاة‭ ‬بعشرات‭ ‬المليارات،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬سجلت‭ ‬فيه‭ ‬الشركة‭ ‬أول‭ ‬خسارة‭ ‬سنوية‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عقدين‭.‬
ويرى‭ ‬خبراء‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات‭ ‬أن‭ ‬السبب‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأزمة‭ ‬مست‭ ‬جوهر‭ ‬المنتج‭ ‬نفسه،‭ ‬وليس‭ ‬طريقة‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬الجمهور‭. ‬وتوضح‭ ‬نظرية‭ ‬الاتصال‭ ‬الاستجابي‭ ‬للأزمات‭ ‬التي‭ ‬طورها‭ ‬الباحث‭ ‬تيموثي‭ ‬كومبس‭ ‬أن‭ ‬الشركات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬أزمات‭ ‬تتعلق‭ ‬بالسلامة‭ ‬أو‭ ‬النزاهة‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬استعادة‭ ‬الثقة‭ ‬عبر‭ ‬الرسائل‭ ‬الإعلامية‭ ‬فقط،‭ ‬لأن‭ ‬أصحاب‭ ‬المصلحة‭ ‬يحكمون‭ ‬على‭ ‬الأفعال‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الأقوال‭.‬
وتكرر‭ ‬المشهد‭ ‬مع‭ ‬سلسلة‭ ‬مطاعم‭ ‬شيبوتلي‭ ‬الأميركية‭ ‬بعد‭ ‬أزمة‭ ‬تلوث‭ ‬الأغذية‭ ‬عام‭ ‬2015،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬العروض‭ ‬التسويقية‭ ‬والحملات‭ ‬الترويجية‭ ‬في‭ ‬استعادة‭ ‬العملاء‭ ‬سريعاً،‭ ‬بل‭ ‬احتاج‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬تطوير‭ ‬أنظمة‭ ‬سلامة‭ ‬الغذاء‭ ‬وسلسلة‭ ‬الإمداد‭ ‬حتى‭ ‬استعادت‭ ‬الشركة‭ ‬مكانتها‭ ‬في‭ ‬السوق‭.‬

الشفافية‭ ‬تصنع‭ ‬الفارق
في‭ ‬المقابل،‭ ‬تقدم‭ ‬جونسون‭ ‬آند‭ ‬جونسون‭ ‬نموذجاً‭ ‬مختلفاً‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات،‭ ‬بعدما‭ ‬تعاملت‭ ‬مع‭ ‬أزمة‭ ‬كبسولات‭ ‬تايلينول‭ ‬عام‭ ‬1982‭ ‬بطريقة‭ ‬أصبحت‭ ‬مرجعاً‭ ‬عالمياً‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭.‬
فعقب‭ ‬وفاة‭ ‬سبعة‭ ‬أشخاص‭ ‬نتيجة‭ ‬عبث‭ ‬إجرامي‭ ‬بالمنتج‭ ‬خارج‭ ‬مصانع‭ ‬الشركة،‭ ‬لم‭ ‬تكتف‭ ‬الإدارة‭ ‬بإصدار‭ ‬بيانات‭ ‬توضيحية،‭ ‬بل‭ ‬سارعت‭ ‬إلى‭ ‬سحب‭ ‬نحو‭ ‬31‭ ‬مليون‭ ‬عبوة‭ ‬من‭ ‬الأسواق‭ ‬الأميركية،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬التحقيقات‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬الشركة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مسؤولة‭ ‬عن‭ ‬التلاعب‭.‬
وتحملت‭ ‬الشركة‭ ‬خسائر‭ ‬تجاوزت‭ ‬100‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬آنذاك،‭ ‬وأوقفت‭ ‬حملاتها‭ ‬الإعلانية‭ ‬مؤقتاً،‭ ‬وركزت‭ ‬على‭ ‬معالجة‭ ‬المشكلة‭ ‬عملياً‭ ‬قبل‭ ‬استئناف‭ ‬أنشطتها‭ ‬التسويقية‭. ‬وقد‭ ‬ساعدها‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬على‭ ‬استعادة‭ ‬حصتها‭ ‬السوقية‭ ‬خلال‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬عام،‭ ‬لتصبح‭ ‬مثالاً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الشفافية‭ ‬وسرعة‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬أكثر‭ ‬تأثيراً‭ ‬من‭ ‬الحملات‭ ‬الإعلانية‭.‬
كما‭ ‬واجهت‭ ‬سامسونج‭ ‬اختباراً‭ ‬مشابهاً‭ ‬عام‭ ‬2016‭ ‬بعد‭ ‬أزمة‭ ‬هاتف‭ ‬جالاكسي‭ ‬نوت‭ ‬7،‭ ‬إذ‭ ‬سحبت‭ ‬نحو‭ ‬2‭.‬5‭ ‬مليون‭ ‬جهاز‭ ‬من‭ ‬الأسواق،‭ ‬وأوقفت‭ ‬إنتاج‭ ‬الهاتف‭ ‬نهائياً،‭ ‬وكلفت‭ ‬مئات‭ ‬المهندسين‭ ‬بإجراء‭ ‬تحقيق‭ ‬شامل‭ ‬في‭ ‬أسباب‭ ‬الخلل،‭ ‬قبل‭ ‬إعلان‭ ‬النتائج‭ ‬والإجراءات‭ ‬التصحيحية‭ ‬بشفافية‭ ‬كاملة‭.‬
ورغم‭ ‬الخسائر‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬تكبدتها‭ ‬الشركة،‭ ‬فإنها‭ ‬استعادت‭ ‬ريادتها‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الهواتف‭ ‬الذكية‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬سجل‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬الجودة‭ ‬وثقة‭ ‬المستهلكين‭.‬

السمعة‭ ‬استثمار‭ ‬طويل‭ ‬الأجل
تؤكد‭ ‬التجارب‭ ‬العالمية‭ ‬أن‭ ‬السمعة‭ ‬أصبحت‭ ‬أصلاً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬المصانع‭ ‬أو‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬أو‭ ‬رأس‭ ‬المال‭. ‬فالشركات‭ ‬التي‭ ‬تستثمر‭ ‬باستمرار‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬منتجاتها،‭ ‬والالتزام‭ ‬بوعودها،‭ ‬وبناء‭ ‬علاقة‭ ‬متينة‭ ‬مع‭ ‬عملائها،‭ ‬تمتلك‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ ‬خبراء‭ ‬الإدارة‭ ‬‮«‬احتياطي‭ ‬الثقة‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬الرصيد‭ ‬الذي‭ ‬يمنحها‭ ‬فرصة‭ ‬التعافي‭ ‬عندما‭ ‬تواجه‭ ‬الأزمات‭.‬
وتشير‭ ‬دراسات‭ ‬متخصصة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الشركات‭ ‬ذات‭ ‬السمعة‭ ‬القوية‭ ‬تستطيع‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬الخسائر‭ ‬السوقية‭ ‬بصورة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬ضعفاً‭ ‬في‭ ‬صورتها‭ ‬الذهنية،‭ ‬لأن‭ ‬المستثمرين‭ ‬والعملاء‭ ‬يمنحونها‭ ‬فرصة‭ ‬لإثبات‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬معالجة‭ ‬الأزمة‭.‬
وفي‭ ‬عصر‭ ‬تنتشر‭ ‬فيه‭ ‬الأخبار‭ ‬خلال‭ ‬ثوانٍ‭ ‬عبر‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قيمة‭ ‬العلامة‭ ‬التجارية‭ ‬تقاس‭ ‬بحجم‭ ‬الإنفاق‭ ‬الإعلاني‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬ثقة‭ ‬جمهورها‭ ‬عبر‭ ‬الزمن‭. ‬ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يحدد‭ ‬مصير‭ ‬الشركات‭ ‬عند‭ ‬وقوع‭ ‬الأزمات‭ ‬لم‭ ‬يعد‭: ‬كم‭ ‬ستنفق‭ ‬على‭ ‬الإعلان؟‭ ‬بل‭: ‬ما‭ ‬حجم‭ ‬الرصيد‭ ‬الذي‭ ‬بنته‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬عملائها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬الأزمة؟

رجوع لأعلى