تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحوكمة‭ ‬المؤسسية‭… ‬توازن‭ ‬يصنع‭ ‬استدامة‭ ‬الأعمال

QAZ…133

تمثل‭ ‬الحوكمة‭ ‬المؤسسية‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الأطر‭ ‬القانونية‭ ‬والتنظيمية‭ ‬التي‭ ‬تستند‭ ‬إليها‭ ‬المؤسسات‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬أعمالها‭ ‬وضبط‭ ‬علاقاتها‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية،‭ ‬إذ‭ ‬تحدد‭ ‬القواعد‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬والإدارة‭ ‬التنفيذية‭ ‬والمساهمين‭ ‬وأصحاب‭ ‬المصلحة،‭ ‬وتضع‭ ‬حدوداً‭ ‬واضحة‭ ‬للصلاحيات‭ ‬والمسؤوليات،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬القرارات‭ ‬ويحمي‭ ‬مصالح‭ ‬الأطراف‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالمؤسسة‭.‬
وتستند‭ ‬الحوكمة‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬من‭ ‬التشريعات‭ ‬واللوائح‭ ‬والسياسات‭ ‬الداخلية‭ ‬التي‭ ‬تنظم‭ ‬حقوق‭ ‬المساهمين،‭ ‬والإفصاح‭ ‬والشفافية،‭ ‬ومسؤوليات‭ ‬مجالس‭ ‬الإدارة،‭ ‬وآليات‭ ‬الرقابة‭ ‬والمساءلة‭ ‬وإدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬وتضارب‭ ‬المصالح‭. ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬هذه‭ ‬المبادئ‭ ‬مجرد‭ ‬متطلبات‭ ‬تنظيمية‭ ‬يتعين‭ ‬استيفاؤها،‭ ‬وإنما‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬معيار‭ ‬رئيسي‭ ‬لقياس‭ ‬جودة‭ ‬الإدارة‭ ‬ومدى‭ ‬قدرة‭ ‬المؤسسات‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬النمو‭ ‬والاستمرار‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬أعمال‭ ‬تزداد‭ ‬تعقيداً‭.‬
فالمؤسسة‭ ‬الناجحة‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬فقط‭ ‬بحجم‭ ‬الإيرادات‭ ‬أو‭ ‬الأرباح‭ ‬التي‭ ‬تحققها،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضاً‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬هيكل‭ ‬إداري‭ ‬واضح،‭ ‬وتطوير‭ ‬آليات‭ ‬رقابية‭ ‬فاعلة،‭ ‬واتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬مدروسة،‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬المخاطر‭ ‬قبل‭ ‬تحولها‭ ‬إلى‭ ‬أزمات‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬أصبحت‭ ‬الحوكمة‭ ‬جزءاً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬بناء‭ ‬المؤسسات‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬النمو‭ ‬المستدام‭.‬

تزداد‭ ‬أهمية‭ ‬الحوكمة‭ ‬كلما‭ ‬اتسعت‭ ‬أعمال‭ ‬المؤسسة‭ ‬وتعددت‭ ‬إداراتها‭ ‬وتشابكت‭ ‬مسؤولياتها،‭ ‬إذ‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬تحديد‭ ‬الجهة‭ ‬التي‭ ‬تضع‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬ومن‭ ‬يتولى‭ ‬التنفيذ،‭ ‬ومن‭ ‬يراقب‭ ‬الأداء،‭ ‬ومن‭ ‬يتحمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬عن‭ ‬النتائج‭.‬
وفي‭ ‬جوهرها،‭ ‬تقوم‭ ‬الحوكمة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬هيكل‭ ‬واضح‭ ‬للصلاحيات‭. ‬فمجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬يتولى‭ ‬رسم‭ ‬التوجهات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬ومتابعة‭ ‬الأداء‭ ‬والإشراف‭ ‬على‭ ‬الإدارة‭ ‬التنفيذية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تتحمل‭ ‬الإدارة‭ ‬التنفيذية‭ ‬مسؤولية‭ ‬تحويل‭ ‬تلك‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬إلى‭ ‬خطط‭ ‬وبرامج‭ ‬ونتائج‭ ‬عملية‭.‬
ولا‭ ‬يعني‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬الاختصاصات‭ ‬خلق‭ ‬مسافة‭ ‬بين‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬والإدارة‭ ‬التنفيذية،‭ ‬وإنما‭ ‬إقامة‭ ‬علاقة‭ ‬مؤسسية‭ ‬تحقق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الإدارة‭ ‬والرقابة‭. ‬فمجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬تنفيذية‭ ‬موازية،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬للإدارة‭ ‬التنفيذية‭ ‬أن‭ ‬تعمل‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الرقابة‭ ‬والمساءلة‭.‬
وكلما‭ ‬كانت‭ ‬حدود‭ ‬الاختصاصات‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً،‭ ‬تراجعت‭ ‬احتمالات‭ ‬تداخل‭ ‬المسؤوليات‭ ‬أو‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬خارج‭ ‬نطاق‭ ‬الصلاحيات،‭ ‬وأصبح‭ ‬من‭ ‬الأسهل‭ ‬تحديد‭ ‬المسؤولية‭ ‬ومراجعة‭ ‬الأداء‭ ‬عند‭ ‬ظهور‭ ‬أي‭ ‬خلل‭.‬

الشفافية‭ ‬تبني‭ ‬الثقة
تمثل‭ ‬الشفافية‭ ‬أحد‭ ‬الأعمدة‭ ‬الرئيسية‭ ‬للحوكمة،‭ ‬إذ‭ ‬يصعب‭ ‬على‭ ‬المستثمرين‭ ‬والمساهمين‭ ‬وأصحاب‭ ‬المصلحة‭ ‬تقييم‭ ‬أداء‭ ‬المؤسسة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬معلومات‭ ‬واضحة‭ ‬ودقيقة‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭.‬
ويشمل‭ ‬ذلك‭ ‬الإفصاح‭ ‬عن‭ ‬النتائج‭ ‬المالية‭ ‬والقرارات‭ ‬الجوهرية‭ ‬والمخاطر‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬النشاط،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬المعاملات‭ ‬والعلاقات‭ ‬والمصالح‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لها‭ ‬تأثير‭ ‬في‭ ‬استقلالية‭ ‬القرار‭.‬
ولا‭ ‬تتحقق‭ ‬الشفافية‭ ‬بمجرد‭ ‬نشر‭ ‬البيانات،‭ ‬وإنما‭ ‬تتطلب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬المعلومات‭ ‬مفهومة‭ ‬ودقيقة‭ ‬وقابلة‭ ‬للمقارنة،‭ ‬وأن‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬الأطراف‭ ‬المعنية‭ ‬دون‭ ‬تمييز‭ ‬غير‭ ‬مبرر‭.‬
وتنعكس‭ ‬جودة‭ ‬الإفصاح‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬المؤسسة،‭ ‬إذ‭ ‬يستطيع‭ ‬المستثمر‭ ‬بناء‭ ‬قراراته‭ ‬على‭ ‬معلومات‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً،‭ ‬بينما‭ ‬تستطيع‭ ‬الجهات‭ ‬الرقابية‭ ‬وأصحاب‭ ‬المصلحة‭ ‬تقييم‭ ‬الأداء‭ ‬والمخاطر‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الدقة‭.‬
كما‭ ‬تتجاوز‭ ‬الشفافية‭ ‬الإفصاح‭ ‬الخارجي‭ ‬لتصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الثقافة‭ ‬الداخلية‭ ‬للمؤسسة،‭ ‬بحيث‭ ‬تنتقل‭ ‬المعلومات‭ ‬المهمة‭ ‬بين‭ ‬الإدارات‭ ‬والمستويات‭ ‬الإدارية‭ ‬بكفاءة،‭ ‬ولا‭ ‬تتحول‭ ‬المشكلات‭ ‬إلى‭ ‬ملفات‭ ‬مؤجلة‭ ‬بسبب‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬كشفها‭ ‬أو‭ ‬مناقشتها‭.‬

المساءلة‭ ‬تربط‭ ‬السلطة‭ ‬بالمسؤولية
لا‭ ‬تكتمل‭ ‬الحوكمة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬المساءلة،‭ ‬فالقاعدة‭ ‬الأساسية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬صلاحية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تقابلها‭ ‬مسؤولية،‭ ‬وأن‭ ‬القرارات‭ ‬الجوهرية‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قابلة‭ ‬للمراجعة‭ ‬والتقييم‭.‬
وتساعد‭ ‬المساءلة‭ ‬على‭ ‬رفع‭ ‬مستوى‭ ‬الانضباط‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحديد‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬تنفيذ‭ ‬الخطط‭ ‬وتحقيق‭ ‬الأهداف،‭ ‬وربط‭ ‬المسؤوليات‭ ‬بمؤشرات‭ ‬أداء‭ ‬قابلة‭ ‬للقياس‭.‬
كما‭ ‬تمنع‭ ‬تحول‭ ‬المناصب‭ ‬الإدارية‭ ‬إلى‭ ‬مراكز‭ ‬سلطة‭ ‬تعمل‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬رقابة،‭ ‬وتدفع‭ ‬القيادات‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬الآثار‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭ ‬للقرارات‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬التركيز‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬النتائج‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل‭.‬
ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬أنظمة‭ ‬الرقابة‭ ‬الداخلية‭ ‬والتدقيق‭ ‬والمراجعة‭ ‬والالتزام،‭ ‬باعتبارها‭ ‬خطوط‭ ‬دفاع‭ ‬تساعد‭ ‬المؤسسة‭ ‬على‭ ‬اكتشاف‭ ‬أوجه‭ ‬القصور‭ ‬مبكراً‭ ‬ومعالجتها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مخاطر‭ ‬أكبر‭.‬

حماية‭ ‬المصالح‭ ‬ومنع‭ ‬تعارضها
تتعامل‭ ‬المؤسسات‭ ‬مع‭ ‬شبكة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المصالح‭ ‬تضم‭ ‬المساهمين‭ ‬والمستثمرين‭ ‬والموظفين‭ ‬والعملاء‭ ‬والموردين‭ ‬والدائنين‭ ‬والجهات‭ ‬التنظيمية،‭ ‬وقد‭ ‬تتعارض‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬المصالح‭ ‬في‭ ‬مواقف‭ ‬معينة‭.‬
وتتمثل‭ ‬مهمة‭ ‬الحوكمة‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬إطار‭ ‬يضمن‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬المصالح‭ ‬بعدالة‭ ‬ووضوح،‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬تتحول‭ ‬سيطرة‭ ‬طرف‭ ‬معين‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬للإضرار‭ ‬بحقوق‭ ‬الأطراف‭ ‬الأخرى‭.‬
ويعد‭ ‬تضارب‭ ‬المصالح‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬المخاطر‭ ‬التي‭ ‬تستهدفها‭ ‬قواعد‭ ‬الحوكمة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬عندما‭ ‬تتداخل‭ ‬المصالح‭ ‬الشخصية‭ ‬لمسؤول‭ ‬أو‭ ‬عضو‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬مع‭ ‬واجباته‭ ‬المهنية‭. ‬ولهذا‭ ‬تتطلب‭ ‬الحوكمة‭ ‬وجود‭ ‬سياسات‭ ‬واضحة‭ ‬للإفصاح‭ ‬عن‭ ‬المصالح،‭ ‬وتنظيم‭ ‬التعاملات‭ ‬مع‭ ‬الأطراف‭ ‬ذات‭ ‬الصلة،‭ ‬ومنع‭ ‬استغلال‭ ‬المعلومات‭ ‬أو‭ ‬المناصب‭ ‬لتحقيق‭ ‬منافع‭ ‬خاصة‭.‬
وتكتسب‭ ‬حماية‭ ‬صغار‭ ‬المساهمين‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة،‭ ‬إذ‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تضمن‭ ‬القواعد‭ ‬المؤسسية‭ ‬حصول‭ ‬جميع‭ ‬المساهمين‭ ‬على‭ ‬حقوقهم‭ ‬الأساسية‭ ‬والمعلومات‭ ‬اللازمة‭ ‬لممارسة‭ ‬تلك‭ ‬الحقوق،‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬حجم‭ ‬ملكياتهم‭.‬

إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬تحمي‭ ‬المستقبل
لم‭ ‬تعد‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬وظيفة‭ ‬منفصلة‭ ‬عن‭ ‬الحوكمة،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬مكوناً‭ ‬رئيسياً‭ ‬منها،‭ ‬لأن‭ ‬جودة‭ ‬القرار‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬فقط‭ ‬بالعائد‭ ‬المتوقع،‭ ‬وإنما‭ ‬كذلك‭ ‬بحجم‭ ‬المخاطر‭ ‬المصاحبة‭ ‬له‭ ‬وقدرة‭ ‬المؤسسة‭ ‬على‭ ‬تحملها‭.‬
وتبدأ‭ ‬الإدارة‭ ‬الفاعلة‭ ‬للمخاطر‭ ‬بتحديد‭ ‬أنواع‭ ‬المخاطر‭ ‬المحتملة،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬مالية‭ ‬أو‭ ‬تشغيلية‭ ‬أو‭ ‬استراتيجية‭ ‬أو‭ ‬تنظيمية‭ ‬أو‭ ‬تقنية،‭ ‬ثم‭ ‬تقييم‭ ‬احتمالات‭ ‬حدوثها‭ ‬وحجم‭ ‬تأثيرها‭ ‬ووضع‭ ‬الإجراءات‭ ‬اللازمة‭ ‬للتعامل‭ ‬معها‭.‬
وهنا‭ ‬يتحمل‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬مسؤولية‭ ‬التأكد‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬منظومة‭ ‬فعالة‭ ‬لإدارة‭ ‬المخاطر،‭ ‬ومن‭ ‬أن‭ ‬قرارات‭ ‬التوسع‭ ‬والاستثمار‭ ‬والتمويل‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬قدرة‭ ‬المؤسسة‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬المخاطر‭.‬
فالهدف‭ ‬ليس‭ ‬تجنب‭ ‬المخاطر‭ ‬بصورة‭ ‬كاملة،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬يكاد‭ ‬يكون‭ ‬مستحيلاً‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الأعمال،‭ ‬وإنما‭ ‬تحديد‭ ‬مستوى‭ ‬المخاطر‭ ‬المقبول‭ ‬وتحقيق‭ ‬توازن‭ ‬عقلاني‭ ‬بين‭ ‬العائد‭ ‬والمخاطرة‭.‬

مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬المنظومة
يقع‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬منظومة‭ ‬الحوكمة،‭ ‬باعتباره‭ ‬الحلقة‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬المساهمين‭ ‬بالإدارة‭ ‬التنفيذية،‭ ‬والمسؤول‭ ‬عن‭ ‬رسم‭ ‬الاتجاه‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬ومتابعة‭ ‬الأداء‭ ‬والإشراف‭ ‬على‭ ‬المخاطر‭.‬
وتتطلب‭ ‬فعالية‭ ‬المجلس‭ ‬توافر‭ ‬الخبرات‭ ‬والكفاءات‭ ‬المناسبة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬قدر‭ ‬كافٍ‭ ‬من‭ ‬الاستقلالية‭ ‬يسمح‭ ‬للأعضاء‭ ‬بمناقشة‭ ‬القرارات‭ ‬وتقييمها‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬التأثيرات‭ ‬التنفيذية‭ ‬أو‭ ‬المصالح‭ ‬الخاصة‭.‬
ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬مهمة‭ ‬المجلس‭ ‬على‭ ‬عقد‭ ‬الاجتماعات‭ ‬واعتماد‭ ‬القرارات،‭ ‬وإنما‭ ‬تشمل‭ ‬متابعة‭ ‬تنفيذ‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬ومراجعة‭ ‬النتائج،‭ ‬والتأكد‭ ‬من‭ ‬كفاءة‭ ‬أنظمة‭ ‬الرقابة،‭ ‬ومناقشة‭ ‬المخاطر‭ ‬والتحديات،‭ ‬ومساءلة‭ ‬الإدارة‭ ‬التنفيذية‭ ‬عن‭ ‬الأداء‭.‬
وتزداد‭ ‬فعالية‭ ‬المجلس‭ ‬عندما‭ ‬تتوافر‭ ‬أمام‭ ‬أعضائه‭ ‬معلومات‭ ‬دقيقة‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب،‭ ‬لأن‭ ‬جودة‭ ‬الرقابة‭ ‬تعتمد‭ ‬بصورة‭ ‬أساسية‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬البيانات‭ ‬التي‭ ‬تستند‭ ‬إليها‭ ‬عملية‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭.‬

اللجان‭ ‬تعمق‭ ‬الرقابة‭ ‬المتخصصة
مع‭ ‬تعقد‭ ‬أعمال‭ ‬المؤسسات،‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬على‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬القيام‭ ‬بجميع‭ ‬المهام‭ ‬الرقابية‭ ‬والتخصصية‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة،‭ ‬ما‭ ‬عزز‭ ‬أهمية‭ ‬اللجان‭ ‬المنبثقة‭ ‬عنه‭.‬
وتأتي‭ ‬لجان‭ ‬التدقيق‭ ‬والمراجعة‭ ‬وإدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬والترشيحات‭ ‬والمكافآت‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬الأدوات‭ ‬التي‭ ‬تساعد‭ ‬المجلس‭ ‬على‭ ‬دراسة‭ ‬الملفات‭ ‬المتخصصة‭ ‬بعمق‭ ‬أكبر‭ ‬ورفع‭ ‬التوصيات‭ ‬المناسبة‭.‬
وتساعد‭ ‬لجنة‭ ‬التدقيق،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬في‭ ‬متابعة‭ ‬التقارير‭ ‬المالية‭ ‬وأنظمة‭ ‬الرقابة‭ ‬الداخلية‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬المدققين،‭ ‬بينما‭ ‬تركز‭ ‬لجان‭ ‬المخاطر‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬المؤسسة‭ ‬ومدى‭ ‬كفاءة‭ ‬الخطط‭ ‬الموضوعة‭ ‬لمواجهتها‭.‬
ولا‭ ‬يعني‭ ‬إنشاء‭ ‬اللجان‭ ‬انتقال‭ ‬مسؤولية‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬إليها،‭ ‬وإنما‭ ‬يمثل‭ ‬وسيلة‭ ‬لتعزيز‭ ‬جودة‭ ‬العمل‭ ‬الرقابي،‭ ‬إذ‭ ‬تبقى‭ ‬المسؤولية‭ ‬النهائية‭ ‬عن‭ ‬القرارات‭ ‬والتوجهات‭ ‬الرئيسية‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬المجلس‭.‬

من‭ ‬اللوائح‭ ‬إلى‭ ‬التطبيق
لا‭ ‬تتحقق‭ ‬الحوكمة‭ ‬بمجرد‭ ‬إعداد‭ ‬دليل‭ ‬داخلي‭ ‬أو‭ ‬اعتماد‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬السياسات،‭ ‬بل‭ ‬تبدأ‭ ‬قيمتها‭ ‬الحقيقية‭ ‬عندما‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬القواعد‭ ‬إلى‭ ‬ممارسات‭ ‬يومية‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة‭.‬
وتستطيع‭ ‬المؤسسات‭ ‬البدء‭ ‬بتقييم‭ ‬هيكلها‭ ‬التنظيمي‭ ‬وتحديد‭ ‬مواطن‭ ‬الغموض‭ ‬أو‭ ‬التداخل‭ ‬في‭ ‬المسؤوليات،‭ ‬ثم‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬الصلاحيات‭ ‬بصورة‭ ‬واضحة‭ ‬بين‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬والإدارة‭ ‬التنفيذية‭ ‬والإدارات‭ ‬المختلفة‭.‬
ويلي‭ ‬ذلك‭ ‬تطوير‭ ‬سياسات‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬والإفصاح‭ ‬وإدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬وتضارب‭ ‬المصالح،‭ ‬ووضع‭ ‬حدود‭ ‬للصلاحيات‭ ‬المالية‭ ‬والإدارية،‭ ‬وتحديد‭ ‬مستويات‭ ‬الاعتماد‭ ‬والمراجعة‭.‬
كما‭ ‬ينبغي‭ ‬تطوير‭ ‬مؤشرات‭ ‬واضحة‭ ‬لقياس‭ ‬الأداء،‭ ‬بحيث‭ ‬تستطيع‭ ‬المؤسسة‭ ‬معرفة‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬القرارات‭ ‬والخطط‭ ‬تحقق‭ ‬النتائج‭ ‬المستهدفة‭ ‬بالفعل‭.‬
ولا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬أهمية‭ ‬إجراء‭ ‬مراجعات‭ ‬دورية‭ ‬لمنظومة‭ ‬الحوكمة،‭ ‬لأن‭ ‬النظام‭ ‬الذي‭ ‬يناسب‭ ‬مؤسسة‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬معينة‭ ‬من‭ ‬عمرها‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬كافياً‭ ‬بعد‭ ‬توسع‭ ‬أعمالها‭ ‬أو‭ ‬دخولها‭ ‬أسواقاً‭ ‬وأنشطة‭ ‬جديدة‭.‬

الحوكمة‭ ‬ثقافة‭ ‬وليست‭ ‬أوراقاً
قد‭ ‬تمتلك‭ ‬المؤسسة‭ ‬لوائح‭ ‬متطورة‭ ‬وسياسات‭ ‬مكتوبة‭ ‬بصورة‭ ‬احترافية،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يضمن‭ ‬وجود‭ ‬حوكمة‭ ‬حقيقية‭ ‬إذا‭ ‬ظلت‭ ‬هذه‭ ‬القواعد‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬الممارسة‭ ‬الفعلية‭.‬
فالاختبار‭ ‬الحقيقي‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات،‭ ‬ومدى‭ ‬الالتزام‭ ‬بحدود‭ ‬الصلاحيات،‭ ‬وكيفية‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الأخطاء،‭ ‬واستعداد‭ ‬الإدارة‭ ‬للإفصاح‭ ‬عن‭ ‬المشكلات‭ ‬ومناقشتها‭ ‬ومعالجتها‭.‬
ولهذا‭ ‬تبدأ‭ ‬ثقافة‭ ‬الحوكمة‭ ‬من‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬والإدارة‭ ‬العليا،‭ ‬لأن‭ ‬السلوك‭ ‬في‭ ‬المستويات‭ ‬القيادية‭ ‬ينتقل‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬بقية‭ ‬المؤسسة‭.‬
وعندما‭ ‬يرى‭ ‬الموظفون‭ ‬أن‭ ‬القواعد‭ ‬تطبق‭ ‬على‭ ‬الجميع،‭ ‬وأن‭ ‬القرارات‭ ‬قابلة‭ ‬للمراجعة،‭ ‬وأن‭ ‬المصالح‭ ‬الشخصية‭ ‬لا‭ ‬تتقدم‭ ‬على‭ ‬مصلحة‭ ‬المؤسسة،‭ ‬تتحول‭ ‬الحوكمة‭ ‬من‭ ‬نصوص‭ ‬مكتوبة‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬عمل‭ ‬فعلية‭.‬

رجوع لأعلى