الخبير النفطي كامل الحرمي لـ «عالم الاقتصاد»: «شاهين» يعزز الثقة في القطاع النفطي الكويتي
بداية الأسبوع أعلنت مؤسسة البترول الكويتية، أن شركة نفط الكويت وقّعت اتفاقية تأجير وإعادة تأجير شبكة خطوط الأنابيب المحلية والمخصصة لتصدير النفط الخام بأكملها بقيمة 16 مليار دولار ، مع تحالف من كبار المستثمرين العالميين في قطاع البنية التحتية والمؤسسات الاستثمارية وبقيادة صناديق استثمار تديرها كل من شركات «بلاكستون» و«بروكفيلد» و«كي.كي.أر».
وبموجب الاتفاق الذي حمل اسم مشروع «شاهين»، تؤسس شركة نفط الكويت مشروعاً مشتركاً مع المستثمرين الثلاثة وفق هيكل تأجير وإعادة استئجار لمدة 20 سنة ونصف يتضمن تعرفة مرتبطة بأحجام الضخ.
ويستحـوذ التحـالف علـى حصـة 49 %، فيما تحتفظ شركـة نفط الكـويت بـ51 % إلى جانب الملكية الكاملة والسيطرة التشغيلية على الشبكة المؤلفة من 13 خط أنابيب بطول نحو 320 كيلومتراً تربط الحقول بمحطات التصدير على الخليج. ومن المتوقع أن تدرّ الصفقة عائدات مقدمة تبلغ 7.85 مليار دولار عند الإغلاق بما يدعم خطط الإنفاق الرأسمالي للشركة.
وفي حديث خاص لـ «عالم الاقتصاد» قال المحلل والخبير النفطي كامل الحرمي إن صفقة مشروع «شاهين» تمثل خطوة مهمة نحو توسيع مشاركة الاستثمارات الأجنبية في الاقتصاد الكويتي، وتبعث برسالة إيجابية للمؤسسات الاستثمارية العالمية الكبرى بشأن فرص الاستثمار في الكويت، لاسيما أنها تعد من أكبر الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تستقطبها البلاد.
وإليكم تفاصيل اللقاء:
● كيف ترى صفقة مشروع «شاهين»، وأثرها على القطاع النفطي في الكويت؟
بكل تأكيد، تُعد هذه الصفقة خطوة مهمة لعدة أسباب، أولاً، نجحت الكويت في استقطاب مستثمر أجنبي للمشاركة في المشروع بنسبة 49 %، وهذا بحد ذاته إنجاز يعكس الانفتاح على الاستثمار الأجنبي ويعزز الثقة في القطاع النفطي الكويتي.
ثانياً، تمتلك مؤسسة البترول الكويتية شبكة من خطوط أنابيب النفط، ومن خلال هذا المشروع ستشاركها إحدى الشركات في تشغيل وصيانة هذه الشبكة لمدة 20 عاماً ونصف، وهو ما يُعد نموذجاً جيداً للشراكة مع القطاع الخاص، ويضيف مستثمراً استراتيجياً إلى المشروع.
وستحصل المؤسسة على نحو 7.8 مليارات دولار تُدفع مقدماً (Upfront Payment)، وهو ما يوفر سيولة يمكن توجيهها لاستكمال وتنفيذ المشاريع النفطية الاستراتيجية، ومن المتوقع أن تحقق هذه المشاريع عوائد مالية أعلى من تكلفة اللجوء إلى الاقتراض، وبالتالي فإن ذلك يمثل منفعة للمؤسسة وللدولة على حد سواء.
ومن أهم المكاسب أيضاً أن دخول شركة نفطية عالمية للاستثمار في الكويت يعكس مستوى الثقة الذي تتمتع به البيئة الاستثمارية في القطاع النفطي الكويتي، وهو عامل قد يشجع شركات عالمية أخرى على الاستثمار في البلاد مستقبلاً.
● لأول مرة يتم استقطاب شركات كبرى إلى القطاع النفطي في الكويت، ما أبعاد هذه الخطوة؟
بالضبط، وهذا هو الجانب الأهم في الصفقة، لأنها سيفتح الباب أمام إمكانية دخول شركات أجنبية أخرى للاستثمار في الكويت، لكن لدي ملاحظة واحدة، وهي أنه بما أن مؤسسة البترول الكويتية ستحتفظ بحصة 51 %، فلماذا لا يُخصص جزء من هذه الحصة للمواطنين؟ أقترح تخصيص نحو 10 % للاكتتاب العام، بحيث يتمكن المواطنون والمقيمون من الاستثمار في المشروع، وهو ما يوسع قاعدة المشاركة ويخفف في الوقت نفسه العبء المالي على المؤسسة.
هل تقصد أن تكون هذه النسبة متاحة للأفراد وليس للشركات؟
نعم، للأفراد، بحيث يتمكن المواطنون والمقيمون من الاستثمار في أسهم الشركة، لا أرى ما يمنع ذلك، بل سيكون خطوة إيجابية تسهم في توزيع الفرص الاستثمارية، وفي الوقت نفسه تخفف العبء المالي عن مؤسسة البترول الكويتية كما وضحت.
● ما هي تفاصيل المشروع من حيث خطوط الأنابيب؟
بدايةً، يجب التوضيح أن المشروع يقتصر على خطوط أنابيب النفط الخام فقط، ولا يشمل خطوط نقل المشتقات النفطية أو الغاز.
أما من حيث النطاق الجغرافي، فإنه يشمل جميع مناطق الكويت التي تضم حقولاً نفطية، سواء في الشمال أو الجنوب أو الشرق أو الغرب، إذ تتولى هذه الأنابيب نقل النفط الخام من الآبار ومحطات التجميع والخزانات إلى ميناء الأحمدي تمهيداً لتصديره إلى الأسواق الخارجية.
● تعد صفقة مشروع شاهين من أكبر الاستثمارات الأجنبية في تاريخ الكويت.. ما أثر ذلك على تشجيع رؤوس الأموال للكويت؟
كما ذكرت، هذا هو المغزى الأساسي من الصفقة، لكن في الوقت نفسه، يؤلمنـي أن حصة مؤسسة البتـرول الكويتيـة تبلغ 51 %، وكان من الممكن تخصيص جزء من هذه النسبة للقطاع الخاص أو للأفراد، مع احتفاظ المؤسسة بالأغلبية البالغة 51 %.
● أين سيستخدم العائد النقدي المقدم من الصفقة؟
أتوقع أن القطاع النفطي بحاجة ماسة إلى هذه السيولة لتمويل مشاريعه المستقبلية، وفي مقدمتها الاستثمار في زيادة إنتاج النفط الخام الكويتي، ورفع الطاقة الإنتاجية من المستوى الحالي البالغ نحو 2.6 إلى 2.7 مليون برميل يومياً، وصولاً إلى 3 ملايين ثم 4 ملايين برميل يومياً، ويتطلب ذلك الاستثمار في تطوير الحقول النفطية وتعزيز إنتاجها.
● متى تصل الكويت إلى طاقتها الإنتاجية من النفط وتعود كما كانت عليه قبل الحرب التي شهدتها المنطقة؟
في الواقع، الكويت لم تصل في السابق إلى مستويات إنتاج مرتفعة لفترات طويلة، وإذا لم تخنّي الذاكرة، فقد بلغ الإنتاج نحو 3 ملايين برميل يومياً لفترة قصيرة فقط، لذلك، فإن الاستثمار اليوم أصبح ضرورة، لأن التحديات أكبر بكثير، فلم تعد شركة نفط الكويت تعتمد على حقول سهلة الإنتاج، بل أصبحت العمليات تتطلب تقنيات متطورة، وزيادة عمليات حقن المياه وإدارتها والتخلص منها، إلى جانب أعمال الصيانة وإعادة التأهيل لحقول رئيسية مثل حقل برقان، وهذه المشاريع تحتاج إلى استثمارات ومخصصات مالية كبيرة.
● شهد عام 2025 اكتشافات كبيرة في قطاع الغاز الكويتي، ما آخر مستجدات هذه الاكتشافات؟
الاكتشافات التي أُعلن عنها كانت في الحقول البحرية القريبة من جزيرة فيلكا، وكان يُعتقد في البداية أنها حقول غازية، لكن تبيّن أيضاً أنها تحتوي على كميات كبيرة من النفط إلى جانب الغاز، والكويت بحاجة ملحّة إلى زيادة إنتاج الغاز واكتشاف حقول غاز مستقلة، لأنها لا تزال تستورد الغاز من الدول المجاورة، ولا سيما من قطر، إضافة إلى الاستيراد من الخارج، فالغاز الطبيعي يمثل عنصراً أساسياً لتوليد الكهرباء وإنتاج المياه، ولذلك تُنفذ الدولة استثمارات في هذا المجال، ونأمل أن تحقق هذه المشاريع أهدافها في توفير الكميات المطلوبة من الغاز الطبيعي.
● لمواجهة الأزمات هل يمكن تخزين النفط الكويتي في دول مثل اليابان أو كوريا الجنوبية ثم تسويقه لأسواق أخرى؟
هذا الخيار مكلف في المقام الأول، كما أنه في حال حدوث نقص أو شح في الإمدادات النفطية عالمياً، وإذا كانت لدينا مخزونات في اليابان أو كوريا الجنوبية أو الفلبين أو أي دولة أخرى، فقد لا تسمح تلك الدول بإعادة تصدير النفط المخزن لديها، وأعتقد أن الأولوية في أوقات الأزمات ستكون لتلبية احتياجاتها المحلية، وبالتالي ستستخدم تلك المخزونات لتأمين الطلب الداخلي قبل السماح بإعادة تصديرها.
من وجهة نظري، لا يمكن الاعتماد على هذا الخيار بشكل كامل، فهو مكلف، كما أنه يطرح تساؤلات عملية ما حجم الكميات التي يمكن تخزينها هل ستكون مليون برميل، أم مليونين، أم ثلاثة أو أربعة أو خمسة ملايين وفي النهاية، تبقى هذه الكميات محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات الفعلية إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة.
● أعادت التوترات الإقليمية المتكررة طرح التساؤلات حول قدرة الكويت على إيجاد مسارات بديلة لصادراتها النفطية بعيداً عن مضيق هرمز.. كيف ترى ذلك؟
هذا ملف معقد ويشكل تحدياً كبيراً، ومن الصعب جداً إيجاد مسار بديل لتصدير النفط الخام بعيداً عن هرمز، فعندما تفكر في إنشاء مسار خارج حدودك، ستظل هناك مخاوف على أمن وسلامة النفط منذ خروجه وحتى وصوله إلى وجهته، لذلك يحتاج الأمر إلى دراسة متأنية.
● لكن السعودية لديها خط أنابيب يصل إلى البحر الأحمر؟
بالتأكيد، فالسعودية لديها خط أنابيب يصل إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، لكن هذا الخط يقع بالكامل داخل أراضيها، ويربط حقولها بمينائها الذي تملكه، ولا يمر عبر أراضي دول أخرى، وهذا ما يميزه.
وأنا ما زلت أعتقد أنه لن يكون هناك، بإذن الله، ما يدعو للقلق بشأن إغلاق مضيق هرمز مستقبلاً، لأنني أتوقع التوصل إلى تسويات، وأن تتفاهم الدول النفطية مع الحكومة الإيرانية للوصول إلى تفاهمات تحفظ مصالح الجميع، فالأمور لا يمكن أن تُدار دائماً بالقوة أو التهديد، لكن إذا نظرنا إلى الواقع، فما الذي استفادت منه إيران إذا أُغلق الخليج فهي أيضاً لن تتمكن من تصدير نفطها، فما الفائدة، نعم، الجميع سيتضرر، لكن إيران ستكون الخاسر الأكبر، لأنها لا تمتلك الاحتياطيات المالية والأصول السيادية التي تمتلكها دول الخليج، كما أن جزءاً من الأصول الإيرانية يخضع لعقوبات وتجميد، وهذا يزيد من صعوبة وضعها، لذلك المطلوب هو تغليب العقل والحوار وحسن الجوار، لأن هذه المبادئ هي الطريق الأمثل لحماية مصالح الجميع.
● شهد النصف الأول تقلبات حادة في أسعار النفط، كيف ترى مسار السوق خلال الفترة المقبلة؟
الأمر يعتمد أولاً على تطورات الأوضاع الجيوسياسية، فإذا استمرت الأزمات أو اندلعت حروب جديدة أو تم إغلاق مضيق هرمز، فمن المرجح أن تبقى الأسعار عند مستوياتها الحالية، وربما تتجاوز 100 دولار للبرميل، أما إذا استقرت الأوضاع وعادت الأسواق إلى طبيعتها، مع استمرار جميع الدول في الإنتاج وفق حصصها المعتادة، فمن المتوقع أن تتراجع الأسعار إلى نطاق يتراوح بين 70 و75 دولاراً للبرميل.
● هناك مخاوف بشأن الإمدادات النفطية نتيجة التوترات في مضيق هرمز، إضافة إلى التطورات الأخيرة في البحر الأحمر، كيف تقيمون هذه المخاطر؟
حتى الآن، يمكن القول إن روسيا هي المستفيد الأكبر من الظروف الحالية، إذ تواصل بيع النفط الخام رغم الاعتراضات الأميركية السابقة على شراء الهند للنفط الروسي، لكن الواقع الحالي فرض معطيات مختلفة.
وفي المقابل، هناك بالفعل ضغوط على الإمدادات النفطية العالمية، إلا أن روسيا لا تزال تواصل التصدير، بينما تلجأ دول أخرى إلى السحب من مخزوناتها الاستراتيجية، التي بدأت تتراجع تدريجياً، كما أن الولايات المتحدة تصدر جزءاً من نفطها إلى أوروبا، إضافة إلى استفادتها من النفط الفنزويلي، وهو ما يوفر لها بعض الدعم، لكن في نهاية المطاف، لا بد من التوصل إلى حل سريع يضمن إعادة فتح مضيق هرمز، لأن استمرار إغلاقه قد يقود العالم إلى أزمة نفطية كبيرة نتيجة تعطل الإمدادات.
وفي الوقت الراهن، تعتمد معظم الدول على استخدام مخزوناتها التجارية والاستراتيجية لتلبية احتياجات السوق، بما في ذلك الولايات المتحدة.