الديزل يشعل فاتورة الطاقة حول العالم
تدخل أسواق الطاقة العالمية مرحلة جديدة من الضغوط، لم تعد فيها أسعار النفط الخام وحدها المقياس الرئيسي لحجم الأزمة، بعدما انتقلت بؤرة التوتر إلى المنتجات المكررة وتكاليف الشحن وسلاسل الإمداد، لتصبح تكلفة إيصال الوقود إلى المستهلك أكثر أهمية في بعض الأسواق من تحركات الخام نفسه.
ويتصدر الديزل هذه الموجة، باعتباره وقوداً رئيسياً للنقل والزراعة والصناعة، بعدما قفزت هوامش تكريره إلى مستويات تاريخية في أوروبا والولايات المتحدة، بالتزامن مع تقلص المعروض وتراجع المخزونات واضطراب حركة التجارة العالمية.
وتكشف التطورات الأخيرة عن أزمة متعددة الجبهات؛ إذ تجاوزت هوامش تكرير الديزل في أوروبا 100 دولار للبرميل للمرة الأولى، وسجلت الأسعار الأميركية مستويات قياسية، بينما ارتفعت تكلفة نقل الخام الأميركي إلى الصين إلى أكثر من 14 دولاراً للبرميل.
وفي الوقت نفسه، فرضت القيود على حركة السفن عبر قناة بنما تحديات إضافية أمام شحنات الغاز البترولي المسال المتجهة إلى آسيا، ما يعني أن أزمة الطاقة الراهنة لم تعد مرتبطة بتوافر النفط والوقود فقط، وإنما أيضاً بالقدرة على نقلهما بين مناطق الإنتاج والاستهلاك.
قفزة أوروبية
تجاوز الفارق بين سعر الديزل بالجملة وسعر النفط الخام في أوروبا 100 دولار للبرميل للمرة الأولى، مع تجدد القتال في الشرق الأوسط وتمديد روسيا حظر صادرات الديزل، ما أدى إلى تفاقم شح إمدادات الوقود المكرر.
وبلغ هامش تكرير الديزل في جنوب أوروبا 104.08 دولار للبرميل، قبل أن يتراجع إلى 100.79 دولار، بينما اقترب في شمال أوروبا من الحاجز نفسه مسجلاً 99.66 دولار، قبل انخفاضه إلى 96.53 دولار.
ويعكس هامش التكرير مقدار الربحية التي تحققها المصافي من تحويل النفط الخام إلى ديزل، ولذلك فإن وصوله إلى هذه المستويات غير المسبوقة يكشف حجم الاختلال بين تكلفة المادة الخام وقيمة المنتج النهائي الذي تحتاج إليه الأسواق.
ودفعت هذه العلاوة سعر الديزل بالجملة إلى 198.73 دولار للبرميل في جنوب أوروبا و194.47 دولار في شمالها. ورغم بقاء الأسعار دون القمة التاريخية البالغة 215 دولاراً للبرميل، فإن استمرارها قرب هذه المستويات يضاعف الضغوط على النقل والزراعة والصناعات كثيفة استهلاك الوقود.
معروض شحيح
تعود الأزمة بدرجة كبيرة إلى انكماش الإمدادات المتاحة للتجارة الدولية، فقد مددت روسيا حظر صادرات الديزل حتى 30 سبتمبر، بالتزامن مع تراجع صادرات المصافي الآسيوية واستمرار انخفاض المخزونات الأميركية.
وتقدر «Argus» أن ما بين 1.3 و1.4 مليون برميل يومياً من شحنات الديزل المعتادة أصبحت خارج السوق، بما يعادل نحو 15 إلى 20 % من التجارة الدولية الطبيعية للوقود.
وتجعل هذه الكميات المفقودة السوق أكثر حساسية لأي اضطراب جديد في الإنتاج أو النقل، خصوصاً أن المعروض العالمي من الديزل أصبح أقل من الطلب، ما يؤدي إلى سحب مستمر من المخزونات ويفرض الحاجة إلى أسعار أعلى لكبح الاستهلاك وإعادة التوازن.
ضغط أميركي
على الجانب الآخر من الأطلسي، لا تبدو الصورة أقل حدة، فقد سجل الديزل منخفض الكبريت للغاية في ساحل الخليج الأميركي مستوى قياسياً عند 4.6973 دولار للغالون في الأول من سبتمبر، بزيادة 27.17 سنتاً عن اليوم السابق، وهو أعلى سعر منذ بدء التقييمات في مايو 2006.
وتزامنت القفزة مع ارتفاع صادرات الولايات المتحدة من الديزل وزيت الغاز إلى مستوى قياسي بلغ 54.2 مليون برميل في أغسطس، بزيادة 7.6 ملايين برميل عن الرقم القياسي السابق المسجل في يوليو.
وفي المقابل، تراجعت المخزونات المحلية للأسبوع الرابع على التوالي إلى 93.59 مليون برميل، ما يعكس مفارقة واضحة تتمثل في قوة الطلب الخارجي على المنتجات الأميركية بالتزامن مع تقلص الاحتياطيات المتاحة للسوق المحلية.
أرباح المصافي
رغم ما تحمله الأزمة من أعباء على المستهلكين والقطاعات الاقتصادية، فإنها تخلق في المقابل ظروفاً شديدة الربحية للمصافي، بعدما اتسعت الفجوة بين تكلفة الخام وأسعار المنتجات النهائية إلى مستويات استثنائية.
وسجل هامش تكرير الديزل الأميركي مقارنة بخام غرب تكساس الوسيط نحو 98.15 دولار للبرميل في الأول من سبتمبر، وهو أعلى مستوى منذ بدء التقييمات في 2009، كما سجل الهامش رقماً قياسياً للمرة السابعة خلال شهر واحد.
ويعني ذلك أن المشكلة لا تتمثل بالضرورة في نقص النفط الخام نفسه، وإنما في القدرة على توفير الكميات الكافية من المنتجات المكررة في الأسواق التي تحتاج إليها وفي التوقيت المناسب.
شحن مكلف
ولا تتوقف الضغوط عند أبواب المصافي، إذ أصبحت حركة الناقلات عنصراً إضافياً في رفع فاتورة الطاقة، بعدما تجاوزت تكلفة شحن النفط الخام من الخليج الأميركي إلى الصين 14 دولاراً للبرميل، مقارنة بنحو 8 دولارات قبل الحرب.
وحجزت شركة «ST Shipping» ناقلة عملاقة من فئة «VLCC»، تستوعب نحو مليوني برميل، لنقل الخام الأميركي إلى آسيا مقابل 29.75 مليون دولار، بما يعادل نحو 14.29 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ بدء تقييم هذا المسار في 2017.
ويعكس الارتفاع زيادة المنافسة على الناقلات العملاقة مع اتجاه المشترين الآسيويين إلى مصادر بعيدة لتعويض تراجع تدفقات الخام من الخليج العربي، كما جرى تأجير ما لا يقل عن 10 ناقلات عملاقة على هذا المسار منذ 31 أغسطس.
اختناق بنما
تضيف قناة بنما طبقة أخرى من التعقيد إلى المشهد، بعدما تقرر خفض عدد مواعيد العبور اليومية عبر أهوسة «Neopanamax» إلى 9 مواعيد بدلاً من 10 في الظروف المعتادة، مع تراجع مستويات المياه نتيجة انخفاض الأمطار.
وتراجع هطول الأمطار 34 % عن المتوسط بين مايو وأغسطس، فيما انخفض تدفق المياه إلى القناة 44 %، ما يحد من الطاقة الاستيعابية ويرفع مخاطر التأخير وتكاليف الشحن، خصوصاً لناقلات الغاز البترولي المسال الكبيرة.
وأدت القيود إلى اشتداد المنافسة على مواعيد العبور، إذ بلغ سعر أحد المواعيد في المزاد 3.1 ملايين دولار في 27 أغسطس، فيما دفع أحد ملاك السفن 5.3 ملايين دولار لحجز موعد عبور في أواخر الشهر، ووصل انتظار بعض الناقلات المتجهة جنوباً إلى 21 يوماً.
وتبرز التداعيات بصورة خاصة في سوق البروبان الأميركي، حيث بلغت المخزونات مستوى قياسياً عند 109.5 مليون برميل، أو 8.8 ملايين طن، بما يزيد بنحو الثلث على متوسط خمس سنوات.
مسارات بديلة
قد تدفع قيود بنما مزيداً من شحنات الغاز البترولي المسال الأميركي إلى البحث عن وجهات بديلة، وفي مقدمتها شمال غرب أوروبا، التي استقبلت 621 ألف طن في أغسطس، وهو أعلى مستوى في تسعة أشهر ونحو الثلث فوق متوسط الأشهر الخمسة السابقة.
لكن ضعف الطلب الأوروبي يحد من قدرة المنطقة على استيعاب فائض كبير، وهو ما يضع المنتجين الأميركيين أمام معادلة صعبة تتمثل في ارتفاع المخزونات المحلية من جهة، وصعوبة إيصال الكميات إلى السوق الآسيوية الرئيسية من جهة أخرى.