الذكاء الاصطناعي يختصر العمل.. والعافية تجذب التريليونات
تتزايد توقعات كبار رجال الأعمال بأن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تقليص أيام العمل خلال السنوات المقبلة، مع ارتفاع الإنتاجية وقدرة التكنولوجيا على إنجاز مهام كانت تتطلب ساعات طويلة. غير أن هذه التوقعات تثير تساؤلات اقتصادية بشأن كيفية استغلال الوقت الذي توفره التقنيات الحديثة، وما إذا كان الموظفون سيختارون العمل أقل أم سيبحثون عن أنشطة وخدمات جديدة لتحسين مستويات معيشتهم.
وفي الوقت الذي يراهن فيه قادة شركات التكنولوجيا على مستقبل يتراجع فيه الدوام التقليدي، تشير التحولات الاستهلاكية إلى أن زيادة الإنتاجية لا تعني بالضرورة انخفاض النشاط الاقتصادي، بل قد تفتح أسواقاً جديدة ترتبط بالصحة والعافية والعلاقات الاجتماعية وتطوير الذات، وهي قطاعات تستقطب بالفعل إنفاقاً متزايداً من المستهلكين في الاقتصادات المتقدمة.
دوام أقصر
يتوقع الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» جينسن هوانغ أن يسهم الذكاء الاصطناعي في تقليص أسبوع العمل إلى أربعة أيام، بينما يرى الرئيس التنفيذي لـ«جي بي مورغان» جيمي ديمون أن الدوام قد ينخفض إلى ثلاثة أيام ونصف.
ويذهب مؤسس «مايكروسوفت» بيل غيتس إلى أبعد من ذلك، بطرحه احتمال الاكتفاء بالعمل يومين أسبوعياً، رغم أنه كان يعمل نحو 80 ساعة أسبوعياً خلال المراحل الأولى لتأسيس شركته.
وتستند هذه التوقعات إلى قدرة الذكاء الاصطناعي على أتمتة المهام المتكررة وتحسين الإنتاجية، بما يسمح للشركات بتحقيق مستويات أعلى من الإنتاج باستخدام وقت أقل.
لكن انتقال هذه المكاسب إلى تقليص فعلي لساعات العمل ليس أمراً مضموناً، إذ قد تختار المؤسسات زيادة الإنتاج وتوسيع أنشطتها بدلاً من خفض أيام الدوام، خصوصاً في القطاعات التي تواجه منافسة قوية.
دروس التاريخ
تكشف التجارب الاقتصادية السابقة أن التكنولوجيا لا تؤدي بالضرورة إلى زيادة وقت الفراغ بالقدر المتوقع، حتى عندما تنجح في تقليل الجهد المطلوب لإنجاز المهام.
ففي كتابها الصادر عام 1983 بعنوان «المزيد من العمل للأم»، ناقشت الباحثة روث شوارتز كوان تأثير الأجهزة المنزلية الحديثة على الوقت المخصص للأعمال المنزلية، مشيرة إلى أن ظهور التقنيات الجديدة لم يؤد تلقائياً إلى اختفاء الأعباء اليومية.
ورغم أن دراسات لاحقة شككت في بعض تقديراتها وأظهرت انخفاض ساعات الأعمال المنزلية، فإن التطورات التقنية ساعدت أيضاً على زيادة مشاركة النساء في سوق العمل.
وتشير البيانات التاريخية إلى أن ساعات العمل للفرد في الاقتصادات الغنية انخفضت إلى النصف تقريباً منذ أواخر القرن التاسع عشر، بالتزامن مع ارتفاع الإنتاجية وتحسن مستويات المعيشة.
غير أن الوقت الذي وفرته التكنولوجيا استُخدم أيضاً في أنشطة اقتصادية واجتماعية جديدة، ما يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يغير طبيعة العمل أكثر مما ينهي الحاجة إليه.
إنفاق متغير
شهدت أنماط الاستهلاك في الدول الغنية تحولات كبيرة مع ارتفاع الدخول وتحسن القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية، ما أتاح للأسر توجيه جزء أكبر من إنفاقها نحو الخدمات والأنشطة المرتبطة بجودة الحياة.
وفي بريطانيا، انخفضت حصة الإنفاق على الغذاء والملابس إلى النصف مقارنة بمستوياتها عند إجراء أول مسح لإنفاق الأسر عام 1957، في مؤشر إلى تغير أولويات المستهلكين مع تطور الاقتصاد.
ومع تراجع الوزن النسبي للضروريات في ميزانيات الأسر، أصبحت الخدمات المرتبطة بالصحة والترفيه والتعليم والتجارب الشخصية أكثر أهمية.
ويستند هذا التحول إلى فكرة أن المستهلكين، بعد تلبية احتياجاتهم الأساسية، يتجهون نحو منتجات وخدمات تحقق لهم الرضا الشخصي والانتماء الاجتماعي وتحسين المكانة وجودة الحياة.
وقد تستفيد الشركات التي تقدم هذه الخدمات من ارتفاع الطلب مستقبلاً، خصوصاً إذا ساعد الذكاء الاصطناعي على زيادة الإنتاجية والدخول المتاحة للإنفاق.
تريليونات العافية
يبرز قطاع العافية العالمي باعتباره أحد أكبر المستفيدين من تغير أولويات المستهلكين، بعدما بلغت قيمته نحو 7 تريليونات دولار خلال 2024، مقارنة بنحو نصف هذا المستوى في 2013.
ويشمل القطاع مجموعة واسعة من الأنشطة والخدمات، من التغذية الصحية واللياقة البدنية إلى المنتجعات والعناية الشخصية والخدمات المرتبطة بتحسين الصحة النفسية والجسدية.
ووفق الأرقام الواردة في التقرير الأصلي، تجاوز حجم هذا القطاع القيمة المجمعة للاقتصاد الأخضر وتكنولوجيا المعلومات والسياحة والرياضة، بما يعكس اتساع نطاق الإنفاق المرتبط بجودة الحياة.
وتشير دراسة أجرتها «ماكينزي» إلى أن 85 % من المستهلكين يضعون الصحة والعافية ضمن أولوياتهم، مع تصدر الحصول على نوم جيد اهتماماتهم.
وتوضح هذه المؤشرات أن المستهلكين أصبحوا أكثر استعداداً لتخصيص موارد مالية لتحسين صحتهم وراحتهم، ما يوفر فرصاً استثمارية للشركات العاملة في الخدمات الصحية والتقنيات القابلة للارتداء والتغذية واللياقة.
احتياجات جديدة
لا يقتصر الطلب المستقبلي على المنتجات المادية والخدمات التقليدية، بل يمتد إلى الاحتياجات النفسية والاجتماعية التي تزداد أهميتها مع تحسن مستويات المعيشة. ووفق هرم الاحتياجات الذي وضعه عالم النفس أبراهام ماسلو، ينتقل الإنسان بعد تلبية احتياجاته الأساسية نحو البحث عن الحب والانتماء والتقدير والمكانة الاجتماعية وتحقيق الذات.
وأظهر استطلاع عالمي أجرته «غالوب»، شمل نحو 61 ألف شخص في 123 دولة بين عامي 2005 و2010، ارتباط المشاعر الإيجابية بالتفاعل الاجتماعي والشعور بالاحترام.
كما يرى عالم النفس التطوري دوغلاس كينريك أن تكوين العلاقات والحفاظ عليها وتربية الأبناء تمثل احتياجات إنسانية أساسية.
وتفتح هذه التوجهات المجال أمام شركات تقدم خدمات تساعد الأفراد على بناء العلاقات وتحسين التواصل وتطوير المهارات الشخصية، بما يحول الاحتياجات الاجتماعية إلى فرص اقتصادية جديدة.
علاقات رقمية
تظهر التحولات في أنماط العلاقات الاجتماعية بوضوح مع تزايد استخدام المنصات الرقمية للتعارف وتكوين الصداقات والمشاركة في الأنشطة الجماعية.
وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، التقى أكثر من ربع الأزواج الذين تزوجوا خلال العام الماضي عبر الإنترنت، ما يعكس الدور المتنامي للتكنولوجيا في تشكيل العلاقات الشخصية.
وفي مجال اللياقة البدنية، سجلت أندية منصة «سترافا» الرياضية الاجتماعية نمواً يقارب أربعة أضعاف خلال العام الماضي، في مؤشر إلى زيادة الإقبال على الجمع بين ممارسة الرياضة والتفاعل الاجتماعي.
كما تشهد تطبيقات متخصصة في تكوين الصداقات وتنظيم اللقاءات الاجتماعية اهتماماً متزايداً، من بينها «تايم ليفت» و«ميت 5».
وتشير هذه التطورات إلى أن المستهلكين لا يبحثون فقط عن أدوات توفر الوقت، بل عن خدمات تساعدهم على استغلاله بصورة أفضل، سواء لتحسين صحتهم أو توسيع علاقاتهم أو ممارسة أنشطة تحقق لهم الرضا.
فرص استثمارية
قد يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى ظهور شركات جديدة تستفيد من تغير أولويات المستهلكين، بدلاً من اقتصار الفرص الاستثمارية على الشركات المطورة للرقائق والبرمجيات والنماذج الذكية.
فمع ارتفاع الإنتاجية، قد يتجه جزء من الإنفاق نحو خدمات تساعد الأفراد على تحسين حياتهم اليومية، مثل التدريب الشخصي والصحة الوقائية وتطوير المهارات وتعزيز العلاقات الاجتماعية.
وتكتسب هذه الفرص أهمية في ضوء التغير المستمر في تركيبة الشركات الكبرى، إذ إن نصف الشركات العشر الأكبر المدرجة حالياً في مؤشر «إس أند بي 500»، وفق كاتب التقرير الأصلي، لم تكن موجودة عندما بدأ الاستثمار. ويعكس ذلك قدرة الابتكارات على تغيير موازين الأسواق وخلق قطاعات جديدة، بينما قد تواجه الشركات التي تعتمد على نماذج أعمال تقليدية منافسة متزايدة.
ومع ذلك، فإن اتساع الطلب لا يضمن نجاح جميع الشركات الجديدة، إذ ستظل الربحية والقدرة على التوسع واستدامة الإيرادات عوامل أساسية في تحديد جاذبيتها الاستثمارية.