تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬يشعل‭ ‬حرباً‭ ‬عالمية‭ ‬على‭ ‬السيولة

الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬يشعل‭ ‬حرباً‭ ‬عالمية‭ ‬على‭ ‬السيولة

تدخل‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬المنافسة‭ ‬على‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال،‭ ‬بعدما‭ ‬أطلقت‭ ‬طفرة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬موجة‭ ‬استثمارات‭ ‬ضخمة‭ ‬في‭ ‬مراكز‭ ‬البيانات‭ ‬والرقائق‭ ‬الإلكترونية‭ ‬وشبكات‭ ‬الطاقة‭ ‬والاتصالات،‭ ‬ما‭ ‬يضع‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬أمام‭ ‬تحديات‭ ‬متزايدة‭ ‬تتعلق‭ ‬بالتضخم‭ ‬وأسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬واستقرار‭ ‬الأسواق‭. ‬وبينما‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬باعتباره‭ ‬محركاً‭ ‬رئيسياً‭ ‬للنمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة،‭ ‬فإن‭ ‬التوسع‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬بنيته‭ ‬التحتية‭ ‬يرفع‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬السيولة‭ ‬قبل‭ ‬تحقق‭ ‬المكاسب‭ ‬الإنتاجية‭ ‬المنتظرة‭. ‬ويحذر‭ ‬مسؤولون‭ ‬نقديون‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الاختلالات‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬استمرار‭ ‬تكاليف‭ ‬الاقتراض‭ ‬عند‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬لفترة‭ ‬أطول،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬تزايد‭ ‬احتياجات‭ ‬الحكومات‭ ‬للتمويل،‭ ‬ما‭ ‬يعيد‭ ‬رسم‭ ‬ملامح‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬العالمية‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬اتسمت‭ ‬بانخفاض‭ ‬الفائدة‭ ‬ووفرة‭ ‬المدخرات‭.‬

سباق‭ ‬التمويل
تتنافس‭ ‬الحكومات‭ ‬والشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬على‭ ‬تأمين‭ ‬التمويل‭ ‬اللازم‭ ‬لمشروعات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬استثمارات‭ ‬رأسمالية‭ ‬ضخمة‭ ‬لإنشاء‭ ‬مراكز‭ ‬البيانات‭ ‬وتطوير‭ ‬أشباه‭ ‬الموصلات‭ ‬وتوسيع‭ ‬شبكات‭ ‬الكهرباء‭ ‬والاتصالات‭.‬
وتؤدي‭ ‬هذه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬إلى‭ ‬تنشيط‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬المعدات‭ ‬والعمالة‭ ‬والطاقة‭ ‬والمواد‭ ‬الصناعية،‭ ‬لكنها‭ ‬تزيد‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الاقتراض،‭ ‬خصوصاً‭ ‬مع‭ ‬تسارع‭ ‬تنفيذ‭ ‬المشروعات‭ ‬قبل‭ ‬ظهور‭ ‬عوائدها‭ ‬الاقتصادية‭.‬
وخلال‭ ‬الاجتماعات‭ ‬السنوية‭ ‬لصندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬والبنك‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬بانكوك،‭ ‬حذر‭ ‬مصرفيون‭ ‬مركزيون‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬سرعة‭ ‬الإنفاق‭ ‬التكنولوجي‭ ‬قد‭ ‬تخلق‭ ‬ضغوطاً‭ ‬تضخمية‭ ‬جديدة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬محدودية‭ ‬القدرة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬لبعض‭ ‬القطاعات‭ ‬على‭ ‬الاستجابة‭ ‬للطلب‭ ‬المتزايد‭.‬
ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬مفارقة‭ ‬اقتصادية،‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬للتكنولوجيا‭ ‬التي‭ ‬يُتوقع‭ ‬أن‭ ‬تخفض‭ ‬التكاليف‭ ‬وترفع‭ ‬الإنتاجية‭ ‬مستقبلاً‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬مصدراً‭ ‬لارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬خلال‭ ‬مراحل‭ ‬تطويرها‭ ‬الأولى‭.‬

صدمة‭ ‬الطلب
أكد‭ ‬رئيس‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬الأميركي‭ ‬كيفين‭ ‬وارش‭ ‬أن‭ ‬طفرة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬تمثل‭ ‬صدمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬تؤثر‭ ‬أولاً‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬الطلب،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تظهر‭ ‬آثارها‭ ‬الإيجابية‭ ‬على‭ ‬جانب‭ ‬العرض‭ ‬والإنتاجية‭.‬
وأشار‭ ‬إلى‭ ‬استفادة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬موجة‭ ‬استثمارية‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق،‭ ‬لكنه‭ ‬حذر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬المرحلة‭ ‬الانتقالية‭ ‬قد‭ ‬تتسم‭ ‬باضطرابات‭ ‬كبيرة،‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬الغموض‭ ‬بشأن‭ ‬الشركات‭ ‬والقطاعات‭ ‬التي‭ ‬ستحقق‭ ‬أكبر‭ ‬المكاسب‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬
وتكمن‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الأموال‭ ‬تُضخ‭ ‬حالياً‭ ‬في‭ ‬مشروعات‭ ‬تتطلب‭ ‬سنوات‭ ‬لتحقيق‭ ‬عوائد‭ ‬مستقرة،‭ ‬بينما‭ ‬تظهر‭ ‬آثار‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬الموارد‭ ‬وتكاليف‭ ‬التمويل‭ ‬بصورة‭ ‬أسرع‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬المبالغة‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬الأرباح‭ ‬المستقبلية‭ ‬قد‭ ‬تدفع‭ ‬المستثمرين‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تقييم‭ ‬الأصول‭ ‬التكنولوجية،‭ ‬بما‭ ‬يثير‭ ‬تقلبات‭ ‬حادة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭.‬
وقد‭ ‬ظهرت‭ ‬مؤشرات‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المخاطر‭ ‬خلال‭ ‬موجة‭ ‬بيع‭ ‬تعرضت‭ ‬لها‭ ‬أسهم‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الآسيوية‭ ‬هذا‭ ‬الأسبوع،‭ ‬وسط‭ ‬تزايد‭ ‬التساؤلات‭ ‬بشأن‭ ‬استدامة‭ ‬التقييمات‭ ‬المرتفعة‭.‬

تكلفة‭ ‬الأموال
يرى‭ ‬مارتينز‭ ‬كازاكس،‭ ‬عضو‭ ‬مجلس‭ ‬محافظي‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬الأوروبي،‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يشهد‭ ‬منافسة‭ ‬متصاعدة‭ ‬على‭ ‬الأموال،‭ ‬ويشكل‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬أحد‭ ‬العوامل‭ ‬الرئيسية‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬تكاليف‭ ‬التمويل‭ ‬إلى‭ ‬الارتفاع‭.‬
وتتزامن‭ ‬هذه‭ ‬المنافسة‭ ‬مع‭ ‬زيادة‭ ‬الاقتراض‭ ‬الحكومي‭ ‬في‭ ‬اقتصادات‭ ‬كبرى،‭ ‬بينها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬واليابان‭ ‬وألمانيا،‭ ‬لتمويل‭ ‬الإنفاق‭ ‬الدفاعي‭ ‬والسياسات‭ ‬الصناعية‭ ‬ومشروعات‭ ‬الطاقة‭.‬
ويؤدي‭ ‬تزامن‭ ‬الطلب‭ ‬الحكومي‭ ‬والخاص‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬أسواق‭ ‬الدين،‭ ‬خصوصاً‭ ‬عندما‭ ‬لا‭ ‬تواكب‭ ‬المدخرات‭ ‬المتاحة‭ ‬الاحتياجات‭ ‬التمويلية‭ ‬المتنامية‭.‬
وقد‭ ‬تضطر‭ ‬الحكومات‭ ‬نتيجة‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬أولويات‭ ‬الإنفاق‭ ‬العام،‭ ‬بينما‭ ‬تواجه‭ ‬الشركات‭ ‬الصغيرة‭ ‬والأقل‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الاقتراض‭ ‬صعوبات‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬تمويل‭ ‬أنشطتها‭.‬

الفائدة‭ ‬المحايدة
تثير‭ ‬التحولات‭ ‬الحالية‭ ‬تساؤلات‭ ‬بشأن‭ ‬المستوى‭ ‬المناسب‭ ‬لأسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بالفائدة‭ ‬المحايدة،‭ ‬وهي‭ ‬المعدل‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يحفز‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ولا‭ ‬يقيده‭.‬
وحذر‭ ‬محافظ‭ ‬بنك‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الجنوب‭ ‬أفريقي‭ ‬ليسيتجا‭ ‬كجانياجو‭ ‬من‭ ‬صعوبة‭ ‬تقدير‭ ‬هذا‭ ‬المعدل‭ ‬في‭ ‬الظروف‭ ‬الراهنة،‭ ‬مشيراً‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬مؤشرات‭ ‬على‭ ‬ارتفاعه‭ ‬دون‭ ‬وضوح‭ ‬حجم‭ ‬الزيادة‭.‬
ويعني‭ ‬ارتفاع‭ ‬الفائدة‭ ‬المحايدة‭ ‬أن‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تعد‭ ‬مرتفعة‭ ‬سابقاً‭ ‬قد‭ ‬تصبح‭ ‬أقل‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬كبح‭ ‬التضخم،‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬تحديات‭ ‬إضافية‭ ‬أمام‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭.‬
من‭ ‬جانبه،‭ ‬رجح‭ ‬كبير‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬في‭ ‬بنك‭ ‬إنجلترا‭ ‬هيو‭ ‬بيل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬متوسط‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭ ‬أعلى‭ ‬قليلاً‭ ‬خلال‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭.‬
كما‭ ‬أشار‭ ‬بنك‭ ‬اليابان‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الطلب‭ ‬المرتبط‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬قراره‭ ‬الأخير‭ ‬برفع‭ ‬الفائدة،‭ ‬بعدما‭ ‬أصبحت‭ ‬الضغوط‭ ‬السعرية‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬الاستثمارات‭ ‬أوسع‭ ‬نطاقاً‭ ‬وأكثر‭ ‬استدامة‭.‬
مستقبل‭ ‬الفائدة‭ ‬تحدده‭ ‬عوائد‭ ‬التكنولوجيا
تعكس‭ ‬التحذيرات‭ ‬النقدية‭ ‬تحولاً‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬وفرة‭ ‬المدخرات‭ ‬وانخفاض‭ ‬التضخم،‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬عام‭ ‬2008،‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬تتزايد‭ ‬فيها‭ ‬المنافسة‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬المال‭.‬
وسيكون‭ ‬العامل‭ ‬الحاسم‭ ‬قدرة‭ ‬استثمارات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬إنتاجية‭ ‬تكفي‭ ‬لتعويض‭ ‬تكاليفها‭ ‬المرتفعة‭ ‬وتخفيف‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية‭.‬
أما‭ ‬إذا‭ ‬استمر‭ ‬الإنفاق‭ ‬بوتيرة‭ ‬أسرع‭ ‬من‭ ‬نمو‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬فقد‭ ‬تواجه‭ ‬الاقتصادات‭ ‬فترة‭ ‬أطول‭ ‬من‭ ‬الفائدة‭ ‬المرتفعة‭ ‬والضغوط‭ ‬المالية،‭ ‬مع‭ ‬تزايد‭ ‬مخاطر‭ ‬التصحيح‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬التكنولوجيا‭.‬
وبذلك‭ ‬تصبح‭ ‬طفرة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬اختباراً‭ ‬مزدوجاً‭ ‬للبنوك‭ ‬المركزية،‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬دعم‭ ‬التحول‭ ‬التكنولوجي‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬الأسعار‭ ‬والأسواق‭ ‬المالية‭.‬

رجوع لأعلى