الذهب والفضة يرتفعان بدعم آمال التهدئة وتراجع الدولار
ارتفعت أسعار الذهب والفضة عند تسوية تعاملات الجمعة، مستفيدة من تحسن نسبي في معنويات المستثمرين بعد ظهور مؤشرات سياسية فتحت الباب أمام احتمال تهدئة التوترات المرتبطة بالحرب مع إيران. وجاء هذا التحسن بعد إعلان طهران تقديم مقترح تفاوضي جديد للولايات المتحدة، ما دفع الأسواق إلى إعادة تقييم حجم المخاطر الجيوسياسية التي سيطرت على التداولات خلال الفترة الماضية، ورغم أن هذا التطور لم يكن كافيًا لتغيير الصورة العامة بالكامل، فإنه منح المعادن النفيسة دفعة واضحة في نهاية الأسبوع، خصوصاً مع تراجع الدولار الأميركي، وهو عامل عادة ما يدعم أسعار الذهب والفضة المقومة بالعملة الأميركية.
قفزة الفضة
في المقابل، كان أداء الفضة أكثر قوة خلال جلسة الجمعة، إذ ارتفعت العقود الآجلة للمعدن الأبيض تسليم يوليو بنسبة 3.24 %، بما يعادل 2.403 دولار، لتصل إلى 76.431 دولار للأوقية. ورغم هذه القفزة اليومية الكبيرة، ظلت الفضة منخفضة على أساس أسبوعي بنسبة 0.66 %، ما يعكس حجم الضغوط التي تعرضت لها في بداية الأسبوع، وتتميز الفضة بأنها تتحرك عادة بعوامل مزدوجة، فهي من جهة معدن نفيس يستفيد من الطلب الاستثماري في أوقات التوتر، ومن جهة أخرى معدن صناعي يتأثر بتوقعات النشاط الاقتصادي العالمي. ولهذا، جاءت تحركاتها أكثر حدة من الذهب، سواء في الصعود أو التراجع.
انفراجة سياسية
لعبت آمال الانفراجة الجيوسياسية دوراً مهماً في تحويل مسار الأسعار خلال جلسة الجمعة، إذ رأى المستثمرون في المقترح الإيراني الجديد فرصة محتملة لتخفيف التصعيد وفتح مسار تفاوضي مع الولايات المتحدة. وهذه التوقعات ساعدت على تهدئة جزء من المخاوف المرتبطة باستمرار الحرب، كما خففت نسبياً الضغوط التضخمية المتوقعـة الناتجـة عن اضطرابات سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة، ومع ذلك، فإن الأسواق تعاملت مع هذه التطورات بحذر، لأن مجرد تقديم مقترح تفاوضي لا يعني بالضرورة الوصول إلى اتفاق سريع أو شامل. لذلك، بقيت المكاسب محدودة في الذهب، بينما استفادت الفضة بدرجة أكبر من تحسن شهية المخاطرة وتراجع الدولار.
الدولار والأسعار
كان انخفاض الدولار الأميركي من أبرز العوامل الداعمة للذهب والفضة في نهاية الأسبوع، إذ يجعل تراجع العملة الأميركية المعادن المقومة بها أقل تكلفة للمشترين من خارج الولايات المتحدة. وهذا العامل يكتسب أهمية خاصة في أسواق المعادن النفيسة، لأن الطلب العالمي يتأثر مباشرة بحركة الدولار والعوائد الأميركية. فعندما يتراجع الدولار، تزداد القدرة الشرائية للمستثمرين الذين يستخدمون عملات أخرى، ما يرفع الطلب على السبائك والعقود الآجلة. كما أن ضعف العملة الأميركية قد يعكس توقعات بتراجع التشدد النقدي أو انخفاض الضغوط التضخمية، وهي عوامل تمنح الذهب والفضة دعماً إضافيًا في فترات التقلب.
ضغوط أسبوعية
ورغم المكاسب اليومية، فإن تسجيل الذهب والفضة خسائر للأسبوع الثاني على التوالي يكشف أن الزخم الصعودي لم يكن مستقراً بالكامل. فقد تعرض المعدنان لضغوط من عمليات جني الأرباح، خصوصاً بعد الارتفاعات السابقة التي دفعت بعض المستثمرين إلى تقليص مراكزهم. كما أن تحسن احتمالات التهدئة السياسية قد يقلل جزئياً من الطلب الدفاعي على الذهب، باعتباره ملاذًا آمنًا في أوقات الأزمات، وفي المقابل، لا تزال الأسواق تجد صعوبة في بناء اتجاه واضح، لأن العوامل الداعمة والضاغطة تتحرك في الوقت نفسه، بين تراجع الدولار، وهدوء نسبي في المخاطر، واستمرار الغموض بشأن مسار الحرب.
مخاوف التضخم
ساهمت آمال إنهاء الحرب مع إيران في تخفيف المخاوف المرتبطة بالتضخم، خصوصاً أن أي تهدئة جيوسياسية قد تقلل احتمالات اضطراب أسواق الطاقة والشحن والتجارة، وعادة ما تؤدي التوترات الكبرى في الشرق الأوسط إلى رفع توقعات التضخم، بسبب احتمالات صعود أسعار النفط وزيادة تكاليف النقل والتأمين. ومع تراجع هذه المخاوف نسبياً، يصبح الطلب على الذهب كأداة للتحوط من التضخم أقل قوة، وهو ما يفسر استمرار الخسائر الأسبوعية رغم ارتفاع جلسة الجمعة. إلا أن هذا لا يعني اختفاء المخاطر بالكامل، بل يشير إلى أن السوق بدأت تسعر احتمالين متوازيين: تهدئة محتملة من جهة، وتصعيد قائم من جهة أخرى.
سلوك المستثمرين
تحركات الذهب والفضة تعكس أيضاً تغيراً واضحاً في سلوك المستثمرين، الذين باتوا أكثر حساسية للأخبار السياسية والاقتصادية. فمع كل إشارة إلى تهدئة أو تصعيد، تتحرك الأسعار بسرعة، سواء عبر الشراء للتحوط أو البيع لجني الأرباح. ويبدو أن كثيرًا من المتعاملين لا يريدون بناء مراكز طويلة الأجل قبل اتضاح المسار السياسي بين إيران والولايات المتحدة، وكذلك قبل ظهور إشارات أوضح من البنوك المركزية بشأن الفائدة. لذلك، تتحرك الأسواق حالياً ضمن نمط متقلب، تزداد فيه أهمية الأخبار اليومية والتصريحات الرسمية، مقارنة بالعوامل الأساسية بعيدة المدى.
الفائدة والعوائد
يبقى مسار الفائدة الأميركية والعوائد على السندات عاملًا رئيسيًا في تحديد اتجاه الذهب والفضة خلال المرحلة المقبلة. فالذهب لا يدر عائدًا، وبالتالي يتأثر عادة بارتفاع العوائد الحقيقية، لأن المستثمرين يقارنون بين الاحتفاظ بالمعدن الأصفر وبين الاستثمار في أدوات مالية تحقق دخلاً ثابتاً، وإذا اتجهت التوقعات نحو خفض الفائدة أو تراجع العوائد، فقد يحصل الذهب على دعم إضافي. أما إذا عادت التوقعات إلى ترجيح بقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول، فقد يتعرض المعدن لضغوط جديدة، وهذا العامل ينطبق بدرجة مختلفة على الفضة، التي تتأثر أيضاً بتوقعات الطلب الصناعي والنشاط الاقتصادي.
الفضة والصناعة
تكتسب الفضة أهمية خاصة لأنها لا تعتمد فقط على الطلب الاستثماري، بل تدخل في قطاعات صناعية واسعة، من بينها الإلكترونيات والطاقة الشمسية وبعض الصناعات الدقيقة. ولذلك، فإن أي تحسن في توقعات النمو أو النشاط الصناعي يمكن أن يمنحها دعماً إضافياً مقارنة بالذهب، وقد تكون القفزة القوية في جلسة الجمعة مرتبطة بجانب من هذا العامل، إذ إن تحسن المعنويات العامة وتراجع الدولار يدعمان الطلب الاستثماري والصناعي في الوقت نفسه. لكن في المقابل، فإن أي تباطؤ اقتصادي عالمي قد يضغط على الفضة بشكل أكبر من الذهب، لأنها أكثر ارتباطاً بالدورة الاقتصادية.
توازن دقيق بين الطلب وضغوط جني الأرباح
في المحصلة، جاءت مكاسب الذهب والفضة في جلسة الجمعة نتيجة تفاعل عدة عوامل في وقت واحد، أبرزها آمال التهدئة الجيوسياسية، وتراجع الدولار، وتراجع نسبي في مخاوف التضخم. لكن تسجيل خسائر أسبوعية للمعدنين يؤكد أن السوق لم تتحول بعد إلى مسار صعودي واضح ومستقر. فالذهب لا يزال محكومًا بتوازن دقيق بين الطلب على الملاذ الآمن وضغوط جني الأرباح، بينما تتحرك الفضة بين جاذبية الاستثمار وتوقعات الطلب الصناعي. ومن المرجح أن تستمر التقلبات خلال الفترة المقبلة، في انتظار مؤشرات أوضح بشأن مسار المفاوضات، واتجاه الدولار، وتوقعات الفائدة، ومدى قدرة الأسواق على استيعاب التطورات السياسية دون موجات بيع جديدة.