الذهب يتراجع تحت ضغط الدولار والعوائد وسط ترقب قرارات الفيدرالي
يشهد المعدن الأصفر في الآونة الأخيرة تقلبات حادة تعكس حالة من إعادة التقييم الشاملة للأصول في ظل إدارة أمريكية جديدة وتوجهات نقدية مغايرة. فخلال تعاملات الثلاثاء، واصلت أسعار الذهب نزيف الخسائر، متأثرة بمزيج معقد من العوامل الاقتصادية والمالية والسياسية، وفي مقدمتها الصعود القوي للدولار الأمريكي والقفزة المحسوسة في عوائد سندات الخزانة. يأتي هذا التراجع في وقت حساس للغاية، حيث يراقب المستثمرون عن كثب خيوط المحادثات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران، بالإضافة إلى الحدث الأبرز في الأوساط المالية: جلسة الاستماع الخاصة بتثبيت «كيفن وارش»، مرشح الرئيس دونالد ترامب لرئاسة مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي).
على صعيد الأرقام، انخفض الذهب في المعاملات الفورية بنسبة وصلت إلى 2 %، ليلامس مستوى 4724.31 دولار للأونصة، وهو أدنى مستوى يسجله المعدن في أكثر من أسبوع. ولم تكن العقود الآجلة بمنأى عن هذا الضغط؛ إذ تراجعت عقود تسليم يونيو بنسبة 1.8 % لتستقر عند 4743.50 دولار. هذه الأرقام تعطي دلالة واضحة على أن الضغوط البيعية ليست مجرد حركة تصحيحية عابرة، بل هي انعكاس لتغير مراكز المستثمرين الذين باتوا يعيدون حسابات الجدوى بين الملاذات الآمنة التقليدية والأصول المدرة للدخل.
سطوة الأخضر.. كيف خنق
الدولار جاذبية المعدن؟
جاء هذا التراجع الدراماتيكي بالتزامن مع انتعاش لافت في مؤشر الدولار الأمريكي أمام سلة من العملات الرئيسية. وتعد هذه العلاقة العكسية حجر الزاوية في فهم تحركات سوق المعادن؛ فعندما ترتفع قيمة الدولار، تزداد كلفة شراء الذهب بالنسبة للمستثمرين الذين يحملون عملات أخرى مثل اليورو أو الين أو الجنيه الإسترليني. هذا «الغلاء القسري» يؤدي بطبيعة الحال إلى انكماش الطلب العالمي، مما يدفع بالأسعار نحو الأسفل.
إن قوة الدولار الحالية لا تنبع فقط من قوة الاقتصاد الأمريكي، بل من «علاوة المخاطرة» والسياسات التجارية المتوقعة للإدارة الأمريكية التي تلوح بفرض رسوم جمركية واسعة، مما يدعم العملة المحلية. وفي بيئة التشديد النقدي، يصبح الدولار منافساً شرساً للذهب؛ فالأول يمثل سيولة نقدية فورية وقوة شرائية متصاعدة، بينما يظل الثاني أصلاً جامداً يحتاج إلى ظروف من عدم الاستقرار السياسي أو التضخم المفرط ليحقق مكاسب حقيقية.
سباق العوائد.. تكلفة الفرصة البديلة
إلى جانب قوة الدولار، ساهمت عوائد سندات الخزانة الأمريكية في تعميق جراح الذهب بشكل ملموس. فقد ارتفعت العوائد على السندات القياسية لأجل 10 سنوات بأكثر من 1%، وهو تحرك جوهري في عالم الدخل الثابت. هنا تبرز معضلة «تكلفة الفرصة البديلة»؛ فالذهب، مهما بلغت قيمته، لا يدر عائداً سنوياً أو توزيعات أرباح، بينما توفر السندات عوائد مضمونة ومدعومة من الحكومة الأمريكية.
وعلق بوب هابركورن، كبير محللي السوق في شركة «آر.جيه.أو فيوتشرز»، بأن هذا التزامن بين ارتفاع العوائد وقوة الدولار يمثل «العاصفة الكاملة» ضد الذهب. وأضاف أن الأسواق تعيش حالة من التباين؛ فبينما تدفع التوترات في الشرق الأوسط (تحديداً الملف الإيراني) أسعار الطاقة للارتفاع، مما قد يغذي التضخم ويدعم الذهب نظرياً، إلا أن جاذبية العوائد المرتفعة تظل هي المحرك الأساسي لقرارات الصناديق الاستثمارية الكبرى في الوقت الراهن. المستثمر الآن يفضل الحصول على 4 % أو 5 % كعائد مضمون على سنداته بدلاً من الرهان على تقلبات المعدن الأصفر.
اختبار الفائدة والسياسة النقدية الجديدة
رغم أن الذهب يُعرف تاريخياً بأنه التحوط الأفضل ضد التضخم، إلا أن هذه القاعدة تتعرض لاختبار قاسٍ في بيئة «الفائدة المرتفعة لفترة أطول». ومع استمرار الضغوط التضخمية الناتجة عن تعطل سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة، تجد البنوك المركزية نفسها مضطرة للحفاظ على مستويات فائدة مرتفعة لكبح جماح الأسعار.
توقعات المستثمرين بخصوص مسار الفائدة هي المحرك الفعلي للسعر. فكلما تزايدت المؤشرات التي توحي بأن الاحتياطي الفيدرالي سيؤجل خفض الفائدة، أو سيبقيها عند مستوياتها الحالية، تآكلت فرص الذهب في التعافي. وفي المقابل، فإن أي بارقة أمل بحدوث تباطؤ اقتصادي حاد (ركود) أو إشارات على تيسير نقدي قد تعيد للذهب زخمه كملاذ أخير لحماية الثروة من الانهيارات الاقتصادية.
عهد «كيفن وارش» وترقب الفيدرالي
تتجه الأنظار حالياً إلى مبنى «الكابيتول هيل»، حيث تعقد اللجنة المصرفية في مجلس الشيوخ جلسة استماع لتثبيت كيفن وارش رئيساً للاحتياطي الفيدرالي. تكتسب هذه الجلسة أهمية استثنائية؛ إذ يُنظر إلى وارش كشخصية قد تميل نحو تبني سياسات نقدية أكثر مرونة أو ربما أكثر انسجاماً مع توجهات البيت الأبيض الداعية لتعزيز النمو.
حساسية الذهب لهذه الجلسة تنبع من حقيقة أن أي تلميح حول مستقبل السيولة العالمية سيعيد رسم خارطة الأصول. إذا أظهر وارش توجهاً «تشدداً» (Hawkish) لمحاربة التضخم، فإن الدولار سيزداد قوة والذهب سيستمر في الهبوط. أما إذا بدت نبرته «تميل للتيسير» (Dovish)، فقد نرى ارتدادة سريعة للذهب فوق مستويات الـ 4800 دولار. الأسواق تكره عدم اليقين، وتغيير قيادة البنك المركزي الأمريكي هو أحد أكبر مصادر عدم اليقين حالياً.
تراجع جماعي للمعادن النفيسة
لم يكن الذهب الضحية الوحيدة لهذه التحولات؛ فقد امتدت موجة البيع لتشمل سلة المعادن النفيسة بالكامل، مما يشير إلى خروج جماعي للسيولة من هذا القطاع. وهبطت الفضة، التي تتأثر بالطلب الصناعي والاستثماري معاً، بنسبة حادة بلغت 4 % لتستقر عند 76.63 دولار للأونصة. كما تراجع البلاتين بنسبة 2.6 % ليصل إلى 2035 دولاراً، بينما كان البلاديوم الأقل تأثراً بتراجع طفيف بنسبة 0.6% عند 1538.78 دولار.
هذا الأداء الجماعي يعكس «نظرة تشاؤمية» قصيرة المدى تجاه السلع التي لا تدر عائداً، ويوضح أن المستثمرين يفضلون حالياً توجيه تدفقاتهم النقدية نحو أسواق الأسهم المرتبطة بالنمو التكنولوجي أو نحو أدوات الدين الحكومية، بانتظار اتضاح الرؤية الجيوسياسية.
التحليل الفني والآفاق المستقبلية
من الناحية الفنية، يواجه الذهب حالياً مستويات دعم حرجة. فكسر مستوى 4700 دولار قد يفتح الباب لمزيد من التراجعات نحو مناطق الـ 4500 دولار، وهو ما قد يمثل «تصحيحاً صحياً» في نظر البعض، أو بداية لترند هابط طويل الأمد في نظر آخرين. تظل «نقطة التعادل» معلقة بمدى قدرة الاقتصاد الأمريكي على تحقيق «الهبوط الناعم»؛ فإذا نجح الفيدرالي في خفض التضخم دون التسبب في بطالة واسعة، سيفقد الذهب بريقه لسنوات. أما إذا تسببت الفائدة المرتفعة في تصدعات في النظام المصرفي أو أزمة ديون سيادية (كما نوقش في تقارير سابقة)، فإن الذهب سيقفز لمستويات غير مسبوقة تاريخياً.