الذهب يترقب قمة تاريخية رغم ضغوط الفائدة
تتجه أنظار المستثمرين في أسواق المعادن الثمينة إلى مستقبل أسعار الذهب، وسط توقعات بعودة المعدن الأصفر إلى تسجيل مستويات تاريخية جديدة خلال فترة تتراوح بين 12 و24 شهراً، رغم الضغوط الناجمة عن ارتفاع معدلات التضخم الأميركية وتزايد احتمالات تشديد السياسة النقدية. وتستند هذه التوقعات إلى استمرار مشتريات البنوك المركزية، وتنامي المخاوف بشأن أوضاع المالية العامة للحكومات، واتجاه المؤسسات الاستثمارية إلى تنويع احتياطياتها بعيداً عن الدولار والسندات السيادية. وبينما يتداول الذهب دون قمته التاريخية المسجلة مطلع العام، يرى مديرو صناديق ومسؤولون في قطاع التعدين أن العوامل الداعمة لصعوده لا تزال قائمة، وإن كانت الأسواق تواجه تحديات تتعلق بتكاليف التمويل وقوة العملة الأميركية.
توقعات الصعود
رجح مديرو صناديق استثمار وتنفيذيون في شركات التعدين أن يستعيد الذهب زخمه الصعودي خلال العامين المقبلين، وفق تصريحات نقلتها صحيفة «فاينانشال تايمز» عن مشاركين في ندوة للمعادن الثمينة عقدت الأربعاء 14 أكتوبر.
وتوقعت شارلوت يونج، من شركة «تروي لإدارة الأصول»، وصول الذهب إلى قمة قياسية جديدة خلال فترة تتراوح بين 12 و18 شهراً، معتبرة أن تدهور أوضاع المالية العامة للحكومات يمثل أحد المحركات الرئيسية للطلب على المعدن النفيس.
وأوضحت أن البنوك المركزية قد تلجأ إلى توسيع المعروض النقدي لمواجهة أي ركود اقتصادي مقبل، ما يعزز جاذبية الذهب باعتباره أصلاً محدود المعروض لا يمكن زيادته بقرارات نقدية.
من جانبه، توقع بول كارن، من شركة «أيون للاستثمارات»، تسجيل مستويات تاريخية جديدة خلال عامين، مشيراً إلى أن استخدام الدولار أداة للضغط الجيوسياسي قد يدفع بعض الدول إلى زيادة اعتمادها على الذهب ضمن احتياطياتها الدولية.
وفي السياق نفسه، أشار بيتر مارون، من شركة «ألايد غولد»، إلى تزايد مخصصات الذهب لدى المكاتب العائلية، بالتزامن مع توجهها لتنويع استثماراتها بعيداً عن السندات الحكومية، وسط مخاوف من اضطرابات مالية محتملة.
مشتريات قياسية
تشكل مشتريات البنوك المركزية أحد أبرز العوامل الداعمة للذهب، بعدما أظهرت بيانات أولية لمجلس الذهب العالمي شراء نحو 63 طناً خلال سبتمبر، في أعلى إجمالي شهري منذ نوفمبر 2024.
وتعكس هذه الزيادة تسارع الطلب الرسمي على المعدن النفيس، مقارنة بمشتريات معلنة بلغت 39 طناً خلال أغسطس، فيما وصل إجمالي المشتريات المعلنة خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام إلى 170 طناً.
وواصل بنك الشعب الصيني تعزيز احتياطياته الذهبية للشهر الثالث والعشرين على التوالي، إذ ارتفعت حيازاته إلى نحو 77.47 مليون أونصة في سبتمبر، مقابل 76.73 مليون أونصة خلال أغسطس، بزيادة تقارب 23 طناً.
وبلغ إجمالي الاحتياطيات الصينية نحو 2410 أطنان، تمثل قرابة 9 % من إجمالي احتياطيات البلاد، في مؤشر إلى استمرار توجه بكين نحو تعزيز دور الذهب ضمن أصولها الاحتياطية.
وترى يونج أن البنوك المركزية في الأسواق الناشئة تبحث بصورة متزايدة عن بدائل للدولار، مع اعتبار الذهب خياراً أكثر جاذبية مقارنة ببعض العملات الاحتياطية الأخرى.
لكن سوكي كوبر، رئيسة أبحاث السلع في «ستاندرد تشارترد»، أشارت إلى أن بعض المؤسسات الرسمية اضطرت إلى بيع جزء من حيازاتها الذهبية لتوفير السيولة خلال الاضطرابات الجيوسياسية، رغم استمرار قوة الطلب الإجمالي.
ضغوط الفائدة
رغم التفاؤل بشأن الآفاق طويلة الأجل، لا تزال أسعار الذهب تواجه تقلبات حادة نتيجة تغير توقعات السياسة النقدية الأميركية.
وكان المعدن قد تراجع بنحو 2 % خلال تعاملات الأربعاء 14 أكتوبر، ليصل إلى نحو 4075 دولاراً للأونصة، متأثراً ببيانات تضخم أميركية تجاوزت التوقعات وعززت رهانات رفع أسعار الفائدة.
وعاود الذهب الارتفاع لاحقاً ليتداول قرب 4177 دولاراً الجمعة، لكنه ظل أقل بنحـو 24 % من مستواه القياسي الذي تجاوز 5500 دولار خلال يناير.
وتكمن أهمية السياسة النقدية في أن ارتفاع الفائدة يزيد تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب، الذي لا يدر عائداً دورياً، ما قد يدفع المستثمرين إلى تفضيل الأصول المدرة للفوائد.
ويرى إيان كوكريل، الرئيس التنفيذي لشركة «إنديفور ماينينغ»، أن الأسعار ربما أصبحت قريبة من مستوياتها الدنيا قبل موجة صعود جديدة، دون الجزم بأن مستوى 4000 دولار يمثل قاعاً مؤكداً.
مستقبل الأسعار تحكمه
عوامل متعارضة
يبقى المسار المستقبلي للذهب رهناً بالتوازن بين الطلب الرسمي والاستثماري من جهة، واتجاه الفائدة الأميركية وقوة الدولار من جهة أخرى.
ويتطلب تجاوز القمة التاريخية البالغة 5500 دولار ارتفاع الأسعار بأكثر مـن 30 % مقارنة بمستوياتها الأخيرة، وهو ما يجعل التوقعات المتفائلة مشروطة باستمرار العوامل الداعمة.
وفي حين توفر مشتريات البنوك المركزية وتنويع الاحتياطيات دعماً هيكلياً للسوق، فإن استمرار التشديد النقدي قد يؤخر تسجيل قمم جديدة.
وتظل توقعات مديري الصناديق ومسؤولي التعدين تقديرات استثمارية وليست ضمانات سعرية، ما يرجح استمرار التقلبات قبل اتضاح الاتجاه طويل الأجل للمعدن النفيس.