الذهب يخسر بريقه أمام صدمة النفط
تعرضت أسعار الذهب لضغوط بيعية قوية خلال تعاملات الخميس، بعدما أدى الارتفاع المتسارع في أسعار النفط إلى تجدد المخاوف من استمرار التضخم الأميركي، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم توقعاتهم بشأن أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة. وتراجعت جاذبية المعدن الأصفر رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية، في مفارقة تعكس تغلب تأثير السياسة النقدية على الطلب التقليدي للذهب باعتباره ملاذاً آمناً خلال فترات الاضطراب.
وهبط الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 1.4 % إلى 4081.89 دولار للأوقية بحلول الساعة 0902 بتوقيت غرينتش، مسجلاً أدنى مستوياته منذ أسبوعين، فيما انخفضت العقود الأميركية الآجلة تسليم ديسمبر بنسبة 1.3 % إلى 4097.90 دولار، وسط عمليات بيع طالت المعادن النفيسة الأخرى.
وجاء التراجع قبل اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي المقرر يومي 27 و28 أكتوبر، في وقت تزايدت فيه توقعات الأسواق باتجاه البنك المركزي إلى تبني موقف أكثر تشدداً تجاه التضخم، حتى إذا أبقى أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه المقبل.
أعاد ارتفاع أسعار الخام بأكثر من دولارين للبرميل خلال تعاملات الخميس رسم توقعات المستثمرين بشأن التضخم العالمي، بعدما أثارت هجمات جديدة على السعودية مخاوف من اتساع الصراع الإقليمي واحتمال تعرض إمدادات النفط لمزيد من الاضطرابات.
وتنعكس زيادة تكاليف الطاقة على أسعار النقل والإنتاج والسلع الاستهلاكية، ما قد يؤدي إلى استمرار الضغوط التضخمية لفترة أطول من المتوقع، ويمنح البنوك المركزية مبررات إضافية للإبقاء على السياسة النقدية المشددة، ورغم أن الذهب يعد تقليدياً وسيلة للتحوط من ارتفاع الأسعار، فإن العلاقة تصبح أكثر تعقيداً عندما تؤدي موجات التضخم إلى زيادة احتمالات رفع الفائدة، إذ ترتفع حينها تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بمعدن لا يدر عائداً دورياً.
وقالت سوني كوماري، المحللة لدى بنك «إيه إن زد»، إن أسعار الذهب قد تتعرض لمزيد من الانخفاض، في ظل استمرار حالة عدم اليقين المحيطة بأسواق الطاقة، وما تفرضه من ضبابية على توقعات التضخم والسياسة النقدية.
وتكشف هذه التطورات أن صعود النفط لا يدعم الذهب بالضرورة، خصوصاً عندما تتحول مخاوف المستثمرين من المخاطر الجيوسياسية المباشرة إلى التداعيات المحتملة لارتفاع أسعار الفائدة على السيولة وتقييمات الأصول.
رهانات الفائدة
زادت بيانات التضخم الأميركية الأخيرة من الضغوط على المعدن الأصفر، بعدما جاءت مؤشرات أسعار المستهلكين والمنتجين خلال الأسبوع الماضي أعلى من توقعات الأسواق، مدفوعة بصورة رئيسية باستمرار ارتفاع تكاليف الطاقة. وعززت هذه القراءات احتمالات تبني الاحتياطي الفيدرالي موقفاً أكثر تشدداً، رغم أن التوقعات لا تزال تشير إلى عدم رفع الفائدة خلال اجتماعه المقرر يومي 27 و28 أكتوبر.
ويتوقع بنك «غولدمان ساكس» زيادة أسعار الفائدة الأميركية بمقدار 25 نقطة أساس خلال ديسمبر، ليصل النطاق المستهدف إلى ما بين 4 % و4.25 %، في خطوة تعكس استمرار القلق بشأن قدرة التضخم على العودة إلى المستويات المستهدفة.
وتشير أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي» إلى أن المتعاملين يسعرون احتمال رفع الفائدة في ديسمبر بنسبة تبلغ 91 %، وهو مستوى يعكس قوة التوقعات باتجاه مزيد من التشديد النقدي. وتكتسب هذه الرهانات أهمية مباشرة بالنسبة إلى الذهب، لأن ارتفاع الفائدة يزيد جاذبية الأصول التي توفر عوائد، مثل السندات وأدوات سوق النقد، مقارنة بالاحتفاظ بالمعدن النفيس.
كما أن استمرار التشديد النقدي قد يوفر دعماً للدولار الأميركي، ما يضيف ضغوطاً محتملة على أسعار الذهب المقومة بالعملة الأميركية، خصوصاً بالنسبة إلى المستثمرين الذين يستخدمون عملات أخرى.
اختبار التضخم
تتجه أنظار المستثمرين إلى بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي الأميركية المقرر إعلانها في 29 أكتوبر، باعتبارها أحد المؤشرات الرئيسية التي يعتمد عليها الاحتياطي الفيدرالي في تقييم اتجاهات التضخم وتحديد مسار السياسة النقدية.
وقد تؤدي قراءة أعلى من التوقعات إلى تعزيز احتمالات رفع الفائدة، بينما يمكن لأي مؤشرات على تباطؤ الضغوط السعرية أن تخفف حدة الرهانات على التشديد وتمنح الذهب فرصة لاستعادة بعض خسائره.
وقال حمد حسين، كبير خبراء اقتصاد المناخ والسلع الأولية لدى «كابيتال إيكونوميكس»، إن استمرار ارتفاع الأسعار بوتيرة مقلقة قد يدفع لجنة السوق المفتوحة إلى تبني لهجة أكثر تشدداً، وهو ما قد ينعكس سلباً على المعدن الأصفر.
وامتدت موجة الهبوط إلــى بقيـة المعــادن النفيسة، إذ تراجعت الفضة بنسبـــة 3.7 % إلى 55.86 دولار للأوقية، وانخفض البلاتين 2.6 % إلى 1586.22 دولار، مسجلاً أدنى مستوى منذ يوليو 2026.
كما هبط البلاديــوم بنسبـة 3.2 % إلى 1052.88 دولار، بعدما لامس أدنى مستوياته منذ يونيو 2025، ما يعكس اتساع عمليات البيع في أسواق المعادن.
مستقبل الذهب تحدده
قرارات الفيدرالي
تضع التطورات الأخيرة المعدن الأصفر أمام مرحلة حساسة، تتداخل فيها المخاطر الجيوسياسية مع توقعات التضخم وأسعار الفائدة، ما يجعل اتجاه الأسعار مرهوناً بدرجة كبيرة بإشارات الاحتياطي الفيدرالي خلال الأيام المقبلة.
وقد يؤدي استمرار ارتفاع النفط إلى زيادة الضغوط على الذهب إذا عزز توقعات التشديد النقدي، بينما يمكن لتراجع المخاوف التضخمية أن يعيد التوازن إلى السوق ويدعم الطلب الاستثماري.
وفي المحصلة، لم تعد التوترات الجيوسياسية وحدها كافية لضمان ارتفاع الذهب، إذ أصبحت توقعات العائد على الأصول المالية والسياسة النقدية الأميركية أكثر تأثيراً في قرارات المستثمرين، بما يفتح المجال أمام تقلبات جديدة مع صدور بيانات التضخم وقرارات الفائدة المرتقبة.