الذهب يخسر 5 % خلال سبتمبر
ارتفعت أسعار الذهب بصورة محدودة خلال تعاملات الأربعاء، في محاولة لاستعادة جانب من الخسائر الحادة التي تعرض لها المعدن النفيس، إلا أنه لا يزال في طريقه لتسجيل خسارة شهرية تتجاوز 5 %، تحت ضغط توقعات استمرار أسعار الفائدة الأميركية المرتفعة واحتمال تنفيذ مجلس الاحتياطي الفيدرالي زيادة إضافية قبل نهاية العام.
وصعد الذهب في المعاملات الفوريـة بنسبـة 0.2 % إلى 4188.17 دولار للأوقية بحلول الساعة 09:20 بتوقيت غرينتش، بينما ارتفعت العقود الأميركية الآجلة للذهب بنسبة 1 % إلى 4219.90 دولار. وجاء التحسن بعدما قلص المستثمرون رهاناتهم على رفع قريب للفائدة عقب تصريحات أكثر ميلاً للتهدئة من رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون وليامز.
ضغوط الفائدة
ويظل مسار السياسة النقدية الأميركية المحرك الرئيسي لأسعار المعدن النفيس، إذ تتأثر جاذبية الذهب، الذي لا يدر عائداً، بارتفاع أسعار الفائدة وعوائد السندات. وكلما زادت توقعات بقاء تكاليف الاقتراض مرتفعة لفترة أطول، ارتفعت تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب مقارنة بالأصول التي تمنح المستثمرين عائداً.
وقال جيمي دوتا، محلل السوق لدى منصة «نيمو دوت ماني»، إن الذهب يخضع بدرجة كبيرة للتغيرات في توقعات رفع الاحتياطي الفيدرالي للفائدة، إلى جانب تصريحات مسؤولي السياسة النقدية، وهو ما يفسر التقلبات الحادة التي شهدها المعدن خلال الجلسات الأخيرة.
وكانت البيانات الاقتصادية القوية والتصريحات المتشددة الصادرة عن عدد من مسؤولي الفيدرالي خلال الأسبوع الماضي قد عززت توقعات استمرار التشديد النقدي، ما أدى إلى موجة بيع قوية في بداية الأسبوع. وانخفض الذهب يوم الاثنين بنحـو 4 % ليصل إلى 4110.55 دولار للأوقية، في واحدة من أبرز جلسات التراجع الأخيرة.
وجاء الهبوط أيضاً بالتزامن مع ارتفاع أسعار النفط الخام، إذ أثارت زيادة تكاليف الطاقة مخاوف من تجدد الضغوط التضخمية، وبالتالي اضطرار الفيدرالي إلى استخدام أسعار الفائدة لكبح الأسعار. وتضع هذه العلاقة الذهب أمام معادلة معقدة، فبينما يمكن للتوترات الجيوسياسية أن تعزز الطلب عليه كملاذ آمن، فإن ارتفاع النفط الناتج عنها قد يدفع توقعات الفائدة إلى الصعود، وهو عامل سلبي للمعدن.
كما ظل الدولار عاملاً مؤثراً في حركة الأسعار، إذ تراجعت العملة الأميركية خلال تعاملات الأربعاء، لكنها بقيت في طريقها لتحقيق مكاسب شهرية. ويؤدي ارتفاع الدولار عادة إلى زيادة تكلفة شراء الذهب بالنسبة إلى حائزي العملات الأخرى، وهو ما يمكن أن يضغط على الطلب العالمي ويحد من قدرة المعدن على تحقيق مكاسب قوية.
تحول وليامز
وتحسنت معنويات سوق الذهب بعدما قدم جون وليامز، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك والعضو الدائم التصويت في اللجنة الاتحادية للسوق المفتوحة، رؤية أقل تشدداً بشأن المسار المتوقع للفائدة. وأشار إلى أن صناع السياسة النقدية قد يحتاجون إلى تنفيذ زيادة واحدة إضافية فقط خلال العام للمساعدة في إعادة التضخم إلى المسار المتوافق مع مستهدف البنك المركزي البالغ 2 %.
وأكد وليامز في الوقت نفسه أن الفيدرالي يمتلك متسعاً من الوقت لدراسة البيانات الاقتصادية قبل اتخاذ قرار جديد بشأن أسعار الفائدة. وساهمت هذه الإشارة في تهدئة التوقعات التي كانت ترجح بدرجة أكبر تنفيذ زيادة خلال الاجتماع المقبل للجنة الاتحادية للسوق المفتوحة يومي 27 و28 أكتوبر.
وقبل تصريحات وليامز، كان المستثمرون يمنحون احتمالاً مرتفعاً لرفع الفائدة خلال اجتماع أكتوبر، لكن اللهجة الأكثر مرونة دفعت الأسواق إلى تقليص هذه الرهانات. وانعكس التحول سريعاً على الذهب، الذي بدأ استعادة جزء من خسائر جلسة الاثنين، بعدما تراجعت الضغوط المرتبطة بالتشديد النقدي الفوري.
ويظهر ذلك مدى حساسية المعدن لأي تغير ولو محدود في توقعات السياسة النقدية، خصوصاً بعدما وصلت الأسعار إلى مستويات مرتفعة تاريخياً جعلت تحركاتها اليومية أكثر تأثراً بتغير مراكز المستثمرين. وبالتالي، فإن الفارق بين رفع الفائدة في أكتوبر وتأجيل الخطوة إلى اجتماع لاحق يمكن أن يحدث تحركات ملحوظة في أسعار المعدن وعوائد السندات والدولار.
التضخم يحسم المسار
وتتحول أنظار المستثمرين الآن إلى بيانات التضخم الأميركية بحثاً عن إشارات أكثر وضوحاً بشأن الخطوة التالية للاحتياطي الفيدرالي، إذ ستحدد قوة الضغوط السعرية إلى حد كبير ما إذا كان البنك المركزي بحاجة إلى رفع الفائدة سريعاً أو يمكنه الانتظار لمزيد من الوقت.
وأي قراءة للتضخم تتجاوز توقعات الأسواق قد تعيد سيناريو الضغوط الذي شهدته أسعار الذهب في بداية الأسبوع، من خلال زيادة احتمالات رفع الفائدة ودعم الدولار وعوائد سندات الخزانة. وفي المقابل، يمكن لبيانات أكثر اعتدالاً أن تعزز الاعتقاد بأن زيادة واحدة إضافية ستكون كافية خلال العام، وهو ما يمنح المعدن النفيس فرصة لاستعادة جانب أكبر من خسائره.
ورغم ارتفاع الذهب إلى 4188.17 دولار للأوقية خلال تعاملات الأربعاء وصعود العقود الآجلة فوق 4219 دولاراً، فإن الخسارة الشهرية التي تتجاوز 5% تكشف حجم التحول في معنويات المستثمرين خلال سبتمبر. وبعدما كان الطلب على الملاذات الآمنة يوفر دعماً قوياً للأسعار، أصبحت توقعات الفائدة والتضخم وعوائد السندات عوامل أكثر تأثيراً في اتجاه السوق.
ولهذا تبقى قدرة الذهب على إنهاء موجة الخسائر مرتبطة بما ستكشف عنه البيانات الأميركية المقبلة. فإذا أكدت استمرار التضخم، ستظل توقعات التشديد النقدي عبئاً على المعدن، أما إذا دعمت لهجة وليامز الأكثر حذراً بشأن توقيت الزيادة المقبلة، فقد يجد الذهب مساحة لتعويض جانب من خسائره، لتصبح معركة مستوى 4200 دولار للأوقية مؤشراً مهماً على اتجاه المعدن خلال بداية الربع الأخير من العام.