الذهب يفقد بريقه تحت ضغط الفائدة
تدخل أسعار الذهب مرحلة شديدة الحساسية بعدما شهد المعدن الأصفر تراجعات خلال الأسبوع الماضي، في وقت تتشابك فيه عوامل السياسة النقدية الأميركية مع أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية وحركة الدولار، ما يجعل تحديد اتجاه واضح للأسعار خلال الفترة المقبلة أكثر صعوبة.
وتراجع الذهب عالمياً بعدما كان قد تجاوز مستوى 4400 دولار للأوقية، متأثراً بالتطورات المتسارعة في منطقة الخليج وما رافقها من تحركات عسكرية وردود فعل إيرانية. وتكشف هذه التحركات مدى حساسية المعدن النفيس للأحداث السياسية التي تدفع المستثمرين إلى تغيير مراكزهم خلال فترات زمنية قصيرة.
لكن اللافت أن التوترات الجيوسياسية لا تعمل دائماً لمصلحة الذهب بوصفه ملاذاً آمناً، إذ يمكن أن تنتقل آثارها إلى أسواق الطاقة، ثم إلى التضخم وأسعار الفائدة، لتتحول في النهاية إلى عامل ضغط على المعدن بدلاً من دعمه.
ضغط الطاقة
أدت المخاطر المتزايدة المحيطة بالممرات البحرية وخطوط نقل النفط إلى ضغوط على إمدادات الطاقة، ما ساهم في ارتفاع أسعار النفط والغاز. ويمكن لهذا الصعود أن يضغط على الذهب بصورة غير مباشرة، لأن زيادة تكاليف الطاقة تغذي التضخم وتؤثر في توقعات السياسة النقدية.
وتكمن المفارقة في أن ارتفاع المخاطر الجيوسياسية يدفع عادة المستثمرين نحو الذهب، لكن ارتفاع النفط الناتج عن المخاطر نفسها قد يقود إلى نتيجة معاكسة إذا عزز التضخم ودفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على السياسة النقدية المتشددة أو زيادة أسعار الفائدة.
ويصبح الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في قلب هذه المعادلة. فإذا دفعت الضغوط التضخمية البنك المركزي إلى تشديد سياسته النقدية، فإن الأدوات الاستثمارية التي تقدم عائداً تصبح أكثر جاذبية مقارنة بالذهب، الذي لا يمنح حائزه عائداً دورياً.
ومع ارتفاع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن النفيس، يمكن أن تتراجع شهية المستثمرين تجاهه، خصوصاً عندما ترتفع عوائد السندات الأميركية بالتوازي مع توقعات الفائدة. وقد أظهرت تحركات السوق الأخيرة بالفعل حساسية الذهب تجاه تغير توقعات السياسة النقدية والعوائد.
تقلب الأسعار
لا توفر الظروف الحالية أساساً كافياً للجزم بأن التراجع الأخير يمثل بداية موجة هبوط ممتدة. فالذهب يتأثر بمجموعة واسعة من المتغيرات التي يمكن أن تتبدل سريعاً، وفي مقدمتها الحروب والتوترات الدولية وقرارات البنوك المركزية واتجاه الدولار وأسعار الطاقة.
وظهر هذا التذبذب بوضوح خلال الأسبوع الماضي، إذ تراجعت الأسعار مع ارتفاع توقعات رفع الفائدة الأميركية، قبل أن يعاود الذهب الصعود بأكثر من 1 % في نهاية الأسبوع مع ظهور عمليات شراء للاستفادة من انخفاض الأسعار.
وتوضح هذه الحركة مدى صعوبة بناء توقعات قصيرة الأجل اعتماداً على عامل واحد. فإذا هدأت المخاطر الجيوسياسية وظلت توقعات الفائدة مرتفعة، قد يتعرض الذهب لمزيد من الضغوط. أما إذا تصاعدت التوترات أو ظهرت مخاطر اقتصادية ومالية جديدة، فقد يستعيد المعدن سريعاً جاذبيته كملاذ آمن.
وتضاف إلى المعادلة في الأسواق المحلية عوامل أخرى، أبرزها أسعار صرف العملات مقابل الدولار. ففي السوق المصرية، على سبيل المثال، يتحرك الذهب أساساً وفق اتجاه السعر العالمي للأوقية وسعر صرف الدولار أمام الجنيه، ما يعني أن تراجع المعدن عالمياً لا يؤدي بالضرورة إلى انخفاض مماثل محلياً إذا تحرك سعر الصرف في الاتجاه المعاكس.
قرار الشراء
وسط هذه التقلبات، يصبح السؤال الأكثر حضوراً لدى المستثمرين والمدخرين هو ما إذا كانت التراجعات الحالية توفر فرصة مناسبة للشراء. لكن تحديد نقطة واحدة باعتبارها السعر الأفضل للجميع يبدو صعباً، لأن القرار يرتبط أساساً بهدف المستثمر والفترة التي ينوي الاحتفاظ خلالها بالذهب.
فالشراء بغرض الادخار طويل الأجل يختلف عن المضاربة على تغيرات الأسعار خلال أيام أو أسابيع. وفي الحالة الأولى، تصبح متابعة الاتجاه العام للسعر العالمي والدولار أكثر أهمية من محاولة اقتناص أدنى سعر في جلسة بعينها، بينما ترتفع المخاطر بصورة أكبر في الاستثمار قصير الأجل بسبب سرعة تغير الأسعار.
كما أن تراجع الذهب بعد تجاوزه 4400 دولار لا يكفي وحده للحكم على انتهاء موجة الصعود، تماماً كما أن ارتداده في نهاية الأسبوع لا يضمن بداية ارتفاع جديد. وستبقى الأسعار رهينة التوازن بين قوة الدولار وعوائد السندات والفائدة الأميركية من جهة، والمخاطر الجيوسياسية والطلب على الملاذات الآمنة من جهة أخرى.
الفائدة ترسم مسار الذهب
تضع المعطيات الحالية الذهب أمام اتجاهين متعارضين؛ فاستمرار التوترات الدولية يوفر دعماً تقليدياً للمعدن كملاذ آمن، بينما يمكن لارتفاع أسعار النفط أن يعزز التضخم ويطيل أمد الفائدة المرتفعة، بما يضغط على جاذبيته الاستثمارية. لذلك لا يمكن اعتبار التراجع الأخير بداية مؤكدة لموجة هبوط، كما لا يمكن استبعاد عودة الأسعار إلى الصعود إذا ظهرت تطورات تعيد المستثمرين بقوة إلى الملاذات الآمنة.