تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذهب‭ ‬يفقد‭ ‬بريقه‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬الفائدة

QSO…3

تدخل‭ ‬أسعار‭ ‬الذهب‭ ‬مرحلة‭ ‬شديدة‭ ‬الحساسية‭ ‬بعدما‭ ‬شهد‭ ‬المعدن‭ ‬الأصفر‭ ‬تراجعات‭ ‬خلال‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تتشابك‭ ‬فيه‭ ‬عوامل‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬الأميركية‭ ‬مع‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬والتوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬وحركة‭ ‬الدولار،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬تحديد‭ ‬اتجاه‭ ‬واضح‭ ‬للأسعار‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬المقبلة‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭.‬
وتراجع‭ ‬الذهب‭ ‬عالمياً‭ ‬بعدما‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬تجاوز‭ ‬مستوى‭ ‬4400‭ ‬دولار‭ ‬للأوقية،‭ ‬متأثراً‭ ‬بالتطورات‭ ‬المتسارعة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬وما‭ ‬رافقها‭ ‬من‭ ‬تحركات‭ ‬عسكرية‭ ‬وردود‭ ‬فعل‭ ‬إيرانية‭. ‬وتكشف‭ ‬هذه‭ ‬التحركات‭ ‬مدى‭ ‬حساسية‭ ‬المعدن‭ ‬النفيس‭ ‬للأحداث‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬المستثمرين‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬مراكزهم‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬زمنية‭ ‬قصيرة‭.‬
لكن‭ ‬اللافت‭ ‬أن‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬لا‭ ‬تعمل‭ ‬دائماً‭ ‬لمصلحة‭ ‬الذهب‭ ‬بوصفه‭ ‬ملاذاً‭ ‬آمناً،‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنتقل‭ ‬آثارها‭ ‬إلى‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬التضخم‭ ‬وأسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬لتتحول‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬ضغط‭ ‬على‭ ‬المعدن‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬دعمه‭.‬

ضغط‭ ‬الطاقة
أدت‭ ‬المخاطر‭ ‬المتزايدة‭ ‬المحيطة‭ ‬بالممرات‭ ‬البحرية‭ ‬وخطوط‭ ‬نقل‭ ‬النفط‭ ‬إلى‭ ‬ضغوط‭ ‬على‭ ‬إمدادات‭ ‬الطاقة،‭ ‬ما‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭. ‬ويمكن‭ ‬لهذا‭ ‬الصعود‭ ‬أن‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬الذهب‭ ‬بصورة‭ ‬غير‭ ‬مباشرة،‭ ‬لأن‭ ‬زيادة‭ ‬تكاليف‭ ‬الطاقة‭ ‬تغذي‭ ‬التضخم‭ ‬وتؤثر‭ ‬في‭ ‬توقعات‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭.‬
وتكمن‭ ‬المفارقة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬ارتفاع‭ ‬المخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬يدفع‭ ‬عادة‭ ‬المستثمرين‭ ‬نحو‭ ‬الذهب،‭ ‬لكن‭ ‬ارتفاع‭ ‬النفط‭ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬المخاطر‭ ‬نفسها‭ ‬قد‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬نتيجة‭ ‬معاكسة‭ ‬إذا‭ ‬عزز‭ ‬التضخم‭ ‬ودفع‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬إلى‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬المتشددة‭ ‬أو‭ ‬زيادة‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة‭.‬
ويصبح‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬الأميركي‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭. ‬فإذا‭ ‬دفعت‭ ‬الضغوط‭ ‬التضخمية‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬إلى‭ ‬تشديد‭ ‬سياسته‭ ‬النقدية،‭ ‬فإن‭ ‬الأدوات‭ ‬الاستثمارية‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬عائداً‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬جاذبية‭ ‬مقارنة‭ ‬بالذهب،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمنح‭ ‬حائزه‭ ‬عائداً‭ ‬دورياً‭.‬
ومع‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكلفة‭ ‬الفرصة‭ ‬البديلة‭ ‬للاحتفاظ‭ ‬بالمعدن‭ ‬النفيس،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتراجع‭ ‬شهية‭ ‬المستثمرين‭ ‬تجاهه،‭ ‬خصوصاً‭ ‬عندما‭ ‬ترتفع‭ ‬عوائد‭ ‬السندات‭ ‬الأميركية‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬توقعات‭ ‬الفائدة‭. ‬وقد‭ ‬أظهرت‭ ‬تحركات‭ ‬السوق‭ ‬الأخيرة‭ ‬بالفعل‭ ‬حساسية‭ ‬الذهب‭ ‬تجاه‭ ‬تغير‭ ‬توقعات‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬والعوائد‭.‬

تقلب‭ ‬الأسعار
لا‭ ‬توفر‭ ‬الظروف‭ ‬الحالية‭ ‬أساساً‭ ‬كافياً‭ ‬للجزم‭ ‬بأن‭ ‬التراجع‭ ‬الأخير‭ ‬يمثل‭ ‬بداية‭ ‬موجة‭ ‬هبوط‭ ‬ممتدة‭. ‬فالذهب‭ ‬يتأثر‭ ‬بمجموعة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المتغيرات‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتبدل‭ ‬سريعاً،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬الحروب‭ ‬والتوترات‭ ‬الدولية‭ ‬وقرارات‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬واتجاه‭ ‬الدولار‭ ‬وأسعار‭ ‬الطاقة‭.‬
وظهر‭ ‬هذا‭ ‬التذبذب‭ ‬بوضوح‭ ‬خلال‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي،‭ ‬إذ‭ ‬تراجعت‭ ‬الأسعار‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬توقعات‭ ‬رفع‭ ‬الفائدة‭ ‬الأميركية،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يعاود‭ ‬الذهب‭ ‬الصعود‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬1‭ % ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الأسبوع‭ ‬مع‭ ‬ظهور‭ ‬عمليات‭ ‬شراء‭ ‬للاستفادة‭ ‬من‭ ‬انخفاض‭ ‬الأسعار‭.‬
وتوضح‭ ‬هذه‭ ‬الحركة‭ ‬مدى‭ ‬صعوبة‭ ‬بناء‭ ‬توقعات‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل‭ ‬اعتماداً‭ ‬على‭ ‬عامل‭ ‬واحد‭. ‬فإذا‭ ‬هدأت‭ ‬المخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬وظلت‭ ‬توقعات‭ ‬الفائدة‭ ‬مرتفعة،‭ ‬قد‭ ‬يتعرض‭ ‬الذهب‭ ‬لمزيد‭ ‬من‭ ‬الضغوط‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬تصاعدت‭ ‬التوترات‭ ‬أو‭ ‬ظهرت‭ ‬مخاطر‭ ‬اقتصادية‭ ‬ومالية‭ ‬جديدة،‭ ‬فقد‭ ‬يستعيد‭ ‬المعدن‭ ‬سريعاً‭ ‬جاذبيته‭ ‬كملاذ‭ ‬آمن‭.‬
وتضاف‭ ‬إلى‭ ‬المعادلة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المحلية‭ ‬عوامل‭ ‬أخرى،‭ ‬أبرزها‭ ‬أسعار‭ ‬صرف‭ ‬العملات‭ ‬مقابل‭ ‬الدولار‭. ‬ففي‭ ‬السوق‭ ‬المصرية،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬يتحرك‭ ‬الذهب‭ ‬أساساً‭ ‬وفق‭ ‬اتجاه‭ ‬السعر‭ ‬العالمي‭ ‬للأوقية‭ ‬وسعر‭ ‬صرف‭ ‬الدولار‭ ‬أمام‭ ‬الجنيه،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تراجع‭ ‬المعدن‭ ‬عالمياً‭ ‬لا‭ ‬يؤدي‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬انخفاض‭ ‬مماثل‭ ‬محلياً‭ ‬إذا‭ ‬تحرك‭ ‬سعر‭ ‬الصرف‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬المعاكس‭.‬

قرار‭ ‬الشراء
وسط‭ ‬هذه‭ ‬التقلبات،‭ ‬يصبح‭ ‬السؤال‭ ‬الأكثر‭ ‬حضوراً‭ ‬لدى‭ ‬المستثمرين‭ ‬والمدخرين‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬التراجعات‭ ‬الحالية‭ ‬توفر‭ ‬فرصة‭ ‬مناسبة‭ ‬للشراء‭. ‬لكن‭ ‬تحديد‭ ‬نقطة‭ ‬واحدة‭ ‬باعتبارها‭ ‬السعر‭ ‬الأفضل‭ ‬للجميع‭ ‬يبدو‭ ‬صعباً،‭ ‬لأن‭ ‬القرار‭ ‬يرتبط‭ ‬أساساً‭ ‬بهدف‭ ‬المستثمر‭ ‬والفترة‭ ‬التي‭ ‬ينوي‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬خلالها‭ ‬بالذهب‭.‬
فالشراء‭ ‬بغرض‭ ‬الادخار‭ ‬طويل‭ ‬الأجل‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬المضاربة‭ ‬على‭ ‬تغيرات‭ ‬الأسعار‭ ‬خلال‭ ‬أيام‭ ‬أو‭ ‬أسابيع‭. ‬وفي‭ ‬الحالة‭ ‬الأولى،‭ ‬تصبح‭ ‬متابعة‭ ‬الاتجاه‭ ‬العام‭ ‬للسعر‭ ‬العالمي‭ ‬والدولار‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬من‭ ‬محاولة‭ ‬اقتناص‭ ‬أدنى‭ ‬سعر‭ ‬في‭ ‬جلسة‭ ‬بعينها،‭ ‬بينما‭ ‬ترتفع‭ ‬المخاطر‭ ‬بصورة‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬الاستثمار‭ ‬قصير‭ ‬الأجل‭ ‬بسبب‭ ‬سرعة‭ ‬تغير‭ ‬الأسعار‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬تراجع‭ ‬الذهب‭ ‬بعد‭ ‬تجاوزه‭ ‬4400‭ ‬دولار‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬وحده‭ ‬للحكم‭ ‬على‭ ‬انتهاء‭ ‬موجة‭ ‬الصعود،‭ ‬تماماً‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬ارتداده‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الأسبوع‭ ‬لا‭ ‬يضمن‭ ‬بداية‭ ‬ارتفاع‭ ‬جديد‭. ‬وستبقى‭ ‬الأسعار‭ ‬رهينة‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬قوة‭ ‬الدولار‭ ‬وعوائد‭ ‬السندات‭ ‬والفائدة‭ ‬الأميركية‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والمخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬والطلب‭ ‬على‭ ‬الملاذات‭ ‬الآمنة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

الفائدة‭ ‬ترسم‭ ‬مسار‭ ‬الذهب
تضع‭ ‬المعطيات‭ ‬الحالية‭ ‬الذهب‭ ‬أمام‭ ‬اتجاهين‭ ‬متعارضين؛‭ ‬فاستمرار‭ ‬التوترات‭ ‬الدولية‭ ‬يوفر‭ ‬دعماً‭ ‬تقليدياً‭ ‬للمعدن‭ ‬كملاذ‭ ‬آمن،‭ ‬بينما‭ ‬يمكن‭ ‬لارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬أن‭ ‬يعزز‭ ‬التضخم‭ ‬ويطيل‭ ‬أمد‭ ‬الفائدة‭ ‬المرتفعة،‭ ‬بما‭ ‬يضغط‭ ‬على‭ ‬جاذبيته‭ ‬الاستثمارية‭. ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬التراجع‭ ‬الأخير‭ ‬بداية‭ ‬مؤكدة‭ ‬لموجة‭ ‬هبوط،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬استبعاد‭ ‬عودة‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬الصعود‭ ‬إذا‭ ‬ظهرت‭ ‬تطورات‭ ‬تعيد‭ ‬المستثمرين‭ ‬بقوة‭ ‬إلى‭ ‬الملاذات‭ ‬الآمنة‭.‬

رجوع لأعلى