تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذهب‭ ‬يلتقط‭ ‬أنفاسه‭ ‬قبل‭ ‬قرارات‭ ‬الكبار

الذهب‭ ‬يلتقط‭ ‬أنفاسه‭ ‬قبل‭ ‬قرارات‭ ‬الكبار

شهدت أسعار الذهب تراجعاً محدوداً خلال تعاملات الخميس، في وقت دخلت فيه الأسواق العالمية مرحلة ترقب شديدة الحساسية مع انطلاق الاجتماعات المرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ في بكين، وسط تصاعد المخاوف المرتبطة بالحرب مع إيران والتضخم العالمي ومسار أسعار الفائدة الأميركية.
ورغم التراجع الطفيف في الأسعار، فإن الذهب لا يزال يتحرك قرب مستويات تاريخية مرتفعة تعكس حجم القلق المسيطر على المستثمرين عالمياً. فقد انخفض سعر الذهب في المعاملات الفورية بشكل هامشي إلى نحو 4687 دولاراً للأوقية، بينما تراجعت العقود الأميركية الآجلة بصورة محدودة أيضاً، في إشارة إلى أن الأسواق لا تزال تتعامل بحذر شديد مع التطورات السياسية والاقتصادية المتسارعة.

اتجاهات التجارة

ويأتي هذا التحرك في وقت أصبحت فيه قمة بكين واحدة من أكثر الأحداث تأثيراً في الأسواق العالمية خلال الفترة الحالية، إذ لا ينظر المستثمرون إلى لقاء ترمب وشي باعتباره مجرد اجتماع دبلوماسي بين أكبر اقتصادين في العالم، بل باعتباره محطة قد تحدد اتجاهات التجارة العالمية والطاقة والعملات وحتى تدفقات الاستثمار خلال الأشهر المقبلة.
فالأسواق تدرك أن العلاقة بين واشنطن وبكين أصبحت مرتبطة بكل الملفات الحساسة تقريباً، من التجارة والتكنولوجيا وسلاسل التوريد، وصولاً إلى الحرب مع إيران وأمن الطاقة العالمي. ولذلك، فإن أي إشارة إلى تهدئة سياسية أو تفاهم اقتصادي بين الطرفين قد تنعكس مباشرة على شهية المخاطرة في الأسواق، وهو ما قد يخفف مؤقتاً من الإقبال على الذهب كملاذ آمن.
لكن في المقابل، فإن حالة التوتر الجيوسياسي لا تزال مرتفعة للغاية، خصوصاً مع استمرار تداعيات الحرب المرتبطة بإيران وتعطل جزء من إمدادات الطاقة العالمية. ولهذا السبب، يرى محللون أن تراجع الذهب الحالي لا يعكس ضعفاً حقيقياً في الطلب، بل مجرد حركة تصحيح محدودة وسط انتظار المتعاملين لمخرجات القمة الأميركية الصينية.

تراجع الدولار

كما أن الذهب يستفيد بصورة غير مباشرة من تراجع الدولار الأميركي، إذ يؤدي انخفاض العملة الأميركية إلى جعل المعدن النفيس أقل تكلفة بالنسبة لحائزي العملات الأخرى، ما يعزز الطلب العالمي عليه. وخلال الفترات الماضية، لعب ضعف الدولار دوراً مهماً في دعم أسعار الذهب ومنعها من التراجع الحاد رغم ارتفاع عوائد السندات وأسعار الفائدة.
وتتزامن هذه التطورات مع عودة التضخم الأميركي بقوة إلى واجهة الأسواق، بعدما أظهرت بيانات أسعار المنتجين في الولايات المتحدة أكبر زيادة خلال أربع سنوات، مدفوعة بارتفاع تكاليف السلع والخدمات والطاقة والنقل نتيجة الاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
وتثير هذه البيانات قلق المستثمرين، لأنها تعني أن معركة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي ضد التضخم لم تنته بعد، رغم التوقعات السابقة التي كانت تشير إلى إمكانية بدء دورة خفض للفائدة خلال العام الجاري. فعودة الضغوط التضخمية قد تدفع البنك المركزي إلى الإبقاء على السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول، وهو ما يشكل عاملاً ضاغطاً على الذهب عادةً، لأن ارتفاع الفائدة يزيد جاذبية الأصول المدرة للعائد مقارنة بالمعدن الذي لا يدر فوائد.
غير أن الوضع الحالي يبدو أكثر تعقيداً من الدورات التقليدية السابقة، لأن التضخم هذه المرة لا يأتي فقط من قوة الاقتصاد أو ارتفاع الطلب، بل من صدمات جيوسياسية واضطرابات في الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. وهذا النوع من التضخم يجعل الأسواق أكثر حساسية وأقل قدرة على توقع المسار المستقبلي للفائدة والنمو.

السياسة النقدية

كما زادت حالة الغموض بعد موافقة مجلس الشيوخ الأميركي على تعيين كيفن وارش رئيساً لمجلس الاحتياطي الاتحادي، في خطوة يراها المستثمرون مؤشراً مهماً على مستقبل السياسة النقدية الأميركية خلال المرحلة المقبلة. ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه ترمب الضغط من أجل خفض أسعار الفائدة لدعم الاقتصاد والأسواق، بينما يواجه البنك المركزي تحدياً متزايداً في احتواء التضخم.
وتحاول بعض الأصوات داخل الفيدرالي تهدئة المخاوف بشأن استمرار الضغوط السعرية، إذ أشارت مسؤولة الاحتياطي الفيدرالي سوزان كولينز إلى أن جزءاً كبيراً من التضخم الحالي يرتبط بصدمة الحرب مع إيران، متوقعة أن تتراجع هذه الضغوط تدريجياً مع استقرار الأوضاع. لكنها في الوقت نفسه أقرت بأن التطورات الأخيرة حجبت مؤقتاً الإشارات التي كانت تدل على تباطؤ التضخم الأساسي.
وهذا التناقض هو ما يجعل الأسواق في حالة ارتباك واضحة. فمن جهة، هناك مخاوف من تباطؤ الاقتصاد العالمي نتيجة ارتفاع الفائدة وتراجع التجارة، ومن جهة أخرى هناك ضغوط تضخمية جديدة تدفع البنوك المركزية إلى الحذر الشديد في أي خطوة نحو التيسير النقدي.
وفي مثل هذه البيئات، يعود الذهب عادة إلى لعب دوره التقليدي كأداة للتحوط ضد التضخم وعدم اليقين السياسي والمالي. ولهذا السبب، يرى كثير من المحللين أن أي تراجعات حالية في الأسعار قد تبقى محدودة ما دامت المخاطر الجيوسياسية قائمة، وما دام الاقتصاد العالمي يتحرك وسط هذا الكم من الضبابية.

تحركات متباينة

ولا يقتصر الاهتمام على الذهب فقط، بل امتد إلى بقية المعادن النفيسة التي شهدت تحركات متباينة. فقد تراجعت الفضة قليلاً تحت ضغط جني الأرباح، بينما واصل البلاتين والبلاديوم تسجيل مكاسب مدعومة بالمخاوف المرتبطة بالإمدادات الصناعية والطاقة.
ويعكس أداء هذه المعادن حجم التغيرات التي تشهدها الأسواق العالمية حالياً، حيث تختلط عوامل الاستثمار التقليدية بالمخاطر الجيوسياسية والتوترات التجارية والتحولات الصناعية. فالبلاتين والبلاديوم مثلاً يرتبطان بصورة وثيقة بصناعة السيارات والطاقة النظيفة، ما يجعلهما أكثر حساسية تجاه اضطرابات الإنتاج العالمي وسلاسل التوريد.
أما الذهب، فيبقى المؤشر الأكثر وضوحاً على مستوى القلق العالمي. فكلما ارتفعت المخاطر السياسية أو المالية أو الجيوسياسية، زادت جاذبية المعدن الأصفر باعتباره ملاذاً آمناً يحافظ على القيمة في أوقات الاضطراب.
ولهذا، لا ينظر المستثمرون حالياً إلى تحركات الذهب اليومية باعتبارها مجرد تقلبات سعرية عادية، بل باعتبارها انعكاساً مباشراً لحالة الاقتصاد العالمي وتوازن القوى السياسية والمالية بين واشنطن وبكين وبقية العالم.

رجوع لأعلى