السعودية تبني سلسلة متكاملة لليورانيوم النووي
تمضي السعودية في بناء قاعدة متكاملة للطاقة النووية وتطوير مواردها المحلية من اليورانيوم، ضمن استراتيجية أوسع لتنويع مزيج الطاقة وتعظيم القيمة الاقتصادية لثرواتها المعدنية، مع تأسيس سلسلة قيمة تمتد من الاستكشاف والتعدين إلى المعالجة والفصل والتكرير وإنتاج «الكعكة الصفراء».
وقال وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية الأمير عبد العزيز بن سلمان، أمام الدورة السبعين للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا، إن المملكة تعمل على تطوير مواردها الطبيعية ضمن منظومة اقتصادية وصناعية متكاملة، بالتوازي مع المحافظة على دورها مصدراً موثوقاً للطاقة وشريكاً في استقرار الأسواق العالمية.
مزيج متنوع
تتجه المملكة إلى إدخال الطاقة النووية ضمن مزيجها الوطني في إطار تنظيمي يتوافق مع التزاماتها الدولية، في وقت يتزايد فيه الطلب العالمي على الطاقة نتيجة التوسع الاقتصادي والتقني والصناعي.
وأكد الأمير عبد العزيز أن تنويع مصادر الطاقة ورفع موثوقيتها واستدامتها أصبح ضرورة لدعم النمو الاقتصادي وتعزيز أمن الإمدادات، مشيراً إلى أن المملكة تعمل على بناء مزيج أكثر تنوعاً وفق اعتبارات اقتصادية وتنموية متكاملة. وتأتي هذه الخطوات في ظل تحولات متسارعة بأسواق الطاقة وارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تجاوزت 108 دولارات للبرميل، ما يسلط الضوء على أهمية توسيع خيارات إنتاج الطاقة وتقليل الاعتماد على مصدر واحد، مع الاستفادة من الموارد المحلية المتاحة.
وتملك السعودية قاعدة واسعة من الثروات المعدنية تشمل الفوسفات والذهب والنحاس والزنك والفضة والبوكسيت والمغنيسيوم وخام الحديد والنيكل والمعادن الأرضية النادرة واليورانيوم، وتسعى إلى تحويل هذه الموارد إلى قيمة اقتصادية وصناعية مستدامة.
ثلاثة مسارات
تركز استراتيجية اليورانيوم السعودية على ثلاثة مسارات رئيسية، أولها استخلاص اليورانيوم المصاحب لحمض الفوسفوريك الناتج عن صناعة الأسمدة الفوسفاتية في شمال المملكة، مستفيدة من موقع السعودية باعتبارها ثاني أكبر مصدر للأسمدة الفوسفاتية عالمياً.
وأظهرت أعمال تجريبية أجريت بالتعاون مع شركة «أورانو» الفرنسية مؤشرات اقتصادية واعدة لإعادة استخلاص اليورانيوم من عمليات إنتاج الأسمدة، وتوج التعاون بتوقيع مذكرة تفاهم خلال زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا في أغسطس الماضي.
أما المسار الثاني فيركز على مشروع جبل صايد بمنطقة المدينة المنورة، حيث كشفت أعمال الاستكشاف والدراسات الجيولوجية عن موارد تقديرية تبلغ نحو 110 ملايين طن من الخام، تحتوي على تركيزات مرتفعة من المعادن الأرضية النادرة، خصوصاً العناصر الثقيلة، إلى جانب تركيزات واعدة من اليورانيوم.
ويرفع هذا الاكتشاف الأهمية الاستراتيجية للمشروع، ليس فقط ضمن خطط المملكة المتعلقة باليورانيوم، وإنما أيضاً في سوق المعادن الأرضية النادرة التي تشكل عنصراً رئيسياً في الصناعات المتقدمة وتقنيات الطاقة.
ويتمثل المسار الثالث في مواصلة مبادرة مسح الغطاء الرسوبي لاستكشاف خامات اليورانيوم من مصادرها التقليدية، بما يوسع قاعدة البيانات الجيولوجية ويحدد فرص التطوير التجاري المستقبلية.
سلسلة متكاملة
لا تقتصر الاستراتيجية السعودية على استخراج الخام، إذ تستهدف المملكة بناء سلسلة قيمة محلية للمعادن الاستراتيجية تشمل المعالجة والفصل والتكرير وصولاً إلى إنتاج اليورانيوم المصاحب و«الكعكة الصفراء»، بما يقلل الاعتماد على سلاسل الإمدادات الخارجية.
وتعزز هذا المسار خلال زيارة ولي العهد إلى الولايات المتحدة في نوفمبر 2025، عندما وقع البلدان إطاراً للتعاون في المعادن الحرجة وتأمين سلاسل الإمدادات، أعقبته شراكة بين «معادن» السعودية و«إم بي ماتيريالز» الأميركية لتطوير قدرات معالجة وفصل المعادن الأرضية النادرة وإنتاج اليورانيوم المصاحب.
ويجمع التوجه السعودي بذلك بين هدفين استراتيجيين: تطوير الطاقة النووية باعتبارها أحد مكونات مزيج الطاقة المستقبلي، وتحويل الثروات المعدنية المحلية إلى قاعدة صناعية قادرة على توفير المواد الضرورية لهذا القطاع.
اليورانيوم يدعم تحول الطاقة
تضع هذه التحركات اليورانيوم ضمن الموارد الاستراتيجية في خطط السعودية لتنويع الاقتصاد والطاقة، مع انتقال المملكة تدريجياً من مرحلة استكشاف الموارد إلى بناء القدرات الصناعية والتقنية اللازمة للاستفادة منها.
ومن شأن نجاح المسارات الثلاثة أن يمنح السعودية قاعدة محلية تدعم برنامجها النووي وتوسع حضورها في سلاسل إمدادات المعادن الحرجة عالمياً، في وقت تتزايد فيه المنافسة الدولية على اليورانيوم والمعادن الأرضية النادرة مع تسارع الاستثمار في الطاقة النووية والتقنيات المتقدمة.