السندات المرتفعة تضرب أسهم التكنولوجيا الأميركية
اختتمت الأسهم الأميركية تعاملات الثلاثاء على انخفاض جماعي، مع تعرض قطاع التكنولوجيا لضغوط بيعية قادتها شركات أشباه الموصلات، بعدما امتدت تداعيات الضبابية السياسية في الشرق الأوسط إلى سوق السندات الأميركية، ودفعت العوائد طويلة الأجل إلى مستويات لم تشهدها منذ سنوات. وأعاد هذا التحرك إلى الواجهة مخاوف المستثمرين من ارتفاع تكلفة الاقتراض وتجدد الضغوط التضخمية، في وقت تحاول فيه الأسواق تقييم المسار المستقبلي للسياسة النقدية الأميركية.
وتعرض مؤشر «ناسداك» لأكبر خسارة بين المؤشرات الرئيسية الثلاثة، في انعكاس مباشر لحساسية شركات التكنولوجيا تجاه ارتفاع عوائد السندات، بينما سجل «ستاندرد آند بورز 500» تراجعاً أقل حدة، وانخفض «داو جونز» بصورة محدودة نسبياً. وأظهرت تحركات الجلسة انتقال أثر التوترات الجيوسياسية سريعاً من أسواق الطاقة إلى الدخل الثابت ثم إلى الأسهم، في سلسلة من الضغوط المترابطة.
هبوط جماعي
وتشير البيانات الأولية إلى تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» عند الإغلاق بمقدار 51.97 نقطة، أو ما يعادل 0.67 %، لينهي الجلسة عند 7692.10 نقطة، متأثراً بصورة رئيسية بضعف أسهم التكنولوجيا وارتفاع عوائد سندات الخزانة.
وكانت الخسائر أكثر وضوحاً في «ناسداك» المجمع الذي تراجع 350.45 نقطة، أو 1.31 %، ليصل إلى 26294.46 نقطة، مع تعرض أسهم شركات التكنولوجيا وأشباه الموصلات لضغوط قوية. أما مؤشر «داو جونز» الصناعي فانخفض 115.93 نقطة، أو 0.22 %، إلى 53343.85 نقطة.
ويكشف الفارق بين أداء المؤشرات الثلاثة عن طبيعة الضغوط التي سيطرت على الجلسة، إذ تركزت الخسائر في الشركات التي ترتبط تقييماتها بدرجة أكبر بتوقعات أسعار الفائدة والعوائد المستقبلية، في حين كان تأثيرها أقل نسبياً على الأسهم التقليدية المدرجة في مؤشر «داو جونز».
صدمة السندات
وكان العامل الأكثر تأثيراً في أداء الأسهم هو القفزة الجديدة في عوائد سندات الخزانة الأميركية، بعدما ارتفع عائد السندات لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوياته منذ عام 2007، بينما وصل عائد السندات لأجل عشر سنوات إلى أعلى مستوى منذ يناير 2025.
ويمثل بلوغ عائد الثلاثين عاماً أعلى مستوى في نحو عقدين إشارة مقلقة بالنسبة إلى أسواق المال، لأنه يعكس ارتفاع تكلفة التمويل طويلة الأجل، كما يؤثر في مجموعة واسعة من الأنشطة الاقتصادية، بدءاً من قروض الشركات والتمويل العقاري وصولاً إلى القرارات الاستثمارية وتقييم الأصول.
أما عائد سندات العشر سنوات، الذي يمثل أحد أهم المؤشرات المرجعية عالمياً لتسعير الأصول، فإن ارتفاعه يزيد جاذبية السندات مقارنة بالأسهم، ويؤدي في الوقت نفسه إلى رفع معدل الخصم المستخدم في احتساب القيمة الحالية للأرباح المستقبلية للشركات.
وتزداد أهمية هذه العلاقة بالنسبة إلى أسهم النمو والتكنولوجيا، لأن جانباً كبيراً من تقييماتها يعتمد على توقعات تحقيق أرباح مرتفعة في المستقبل. وكلما ارتفعت العوائد، تراجعت القيمة الحالية لتلك الأرباح، ما يجعل المستثمرين أقل استعداداً لدفع تقييمات مرتفعة مقابلها.
دومينو الأسواق
وتعود بداية سلسلة الضغوط التي واجهتها وول ستريت إلى الشرق الأوسط، بعدما أدى تراجع الآمال في التوصل إلى تسوية تنهي الصراع إلى ارتفاع أسعار النفط، وهو ما عزز المخاوف من عودة الضغوط التضخمية إلى الاقتصاد الأميركي والعالمي.
ووصف بيرنز ماكيني، مدير محافظ الاستثمار في مجموعة «إن.إف.جيه»، ما يحدث بأنه أقرب إلى «تأثير الدومينو»، إذ يؤدي انهيار المفاوضات إلى صعود أسعار النفط، ثم تنتقل الزيادة إلى توقعات التضخم، قبل أن تنعكس بدورها على عوائد السندات.
وتوضح هذه السلسلة مدى ارتباط الأسواق في المرحلة الحالية. فتطور سياسي أو عسكري في الشرق الأوسط يمكن أن يرفع سعر برميل النفط، ثم يعيد المستثمرون بناء توقعاتهم بشأن التضخم والفائدة، لتتحرك سوق السندات، قبل أن تنتقل التداعيات في النهاية إلى تقييمات الأسهم الأميركية.
ويعني ذلك أن المستثمرين في وول ستريت لم يعودوا يراقبون فقط أرباح الشركات والبيانات الاقتصادية المحلية، بل أصبح مسار النفط والتطورات الجيوسياسية جزءاً أساسياً من عملية تقييم اتجاه السوق.
مخاوف التضخم
ويشكل ارتفاع أسعار الطاقة تحدياً إضافياً أمام الأسواق، نظراً إلى قدرة النفط على الانتقال إلى مستويات الأسعار في قطاعات واسعة من الاقتصاد. فزيادة أسعار الخام يمكن أن ترفع تكلفة البنزين والنقل والشحن والإنتاج، قبل أن تظهر تدريجياً في أسعار السلع والخدمات التي يتحملها المستهلك النهائي.
وتخشى الأسواق أن يؤدي استمرار النفط عند مستويات مرتفعة إلى إبطاء مسار تراجع التضخم، وهو ما قد يدفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى الحفاظ على سياسة نقدية أكثر تشدداً لفترة أطول مما كان المستثمرون يتوقعون.
كما أن ارتفاع عوائد السندات يمثل في حد ذاته تشديداً للأوضاع المالية حتى دون اتخاذ البنك المركزي قراراً جديداً بشأن أسعار الفائدة. فالشركات التي تحتاج إلى الاقتراض لتمويل التوسع أو الاستثمار ستواجه تكلفة أعلى، كما ترتفع تكلفة التمويل بالنسبة إلى الأسر والمستهلكين.
ويضع ذلك المستثمرين أمام معادلة صعبة تجمع بين ارتفاع أسعار الطاقة والعوائد وتكاليف التمويل، وهي عوامل يمكن أن تضغط في الوقت نفسه على النمو الاقتصادي وهوامش أرباح الشركات وتقييمات الأسهم.
تكنولوجيا حساسة
وكانت شركات التكنولوجيا، وفي مقدمتها أسهم أشباه الموصلات، الأكثر تأثراً بهذه البيئة خلال جلسة الثلاثاء. وتتمتع شركات القطاع عادة بتقييمات مرتفعة مقارنة بقطاعات أخرى، ما يجعلها أكثر حساسية للتحولات السريعة في عوائد السندات.
وقال ماكيني إن أسهم التكنولوجيا تتأثر بصورة غير متناسبة في كل مرة ترتفع فيها عوائد السندات، وهي العلاقة التي ظهرت بوضوح في أداء «ناسداك»، الذي فقد أكثر من 1 % خلال الجلسة.
وتتعرض شركات أشباه الموصلات إلى عامل إضافي يتمثل في ارتفاع توقعات المستثمرين تجاه نموها المستقبلي، خصوصاً مع الطفرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والإنفاق على البنية التحتية الرقمية. ولذلك، فإن أي ارتفاع كبير في معدل الخصم المستخدم لتقييم أرباح السنوات المقبلة يمكن أن يترك تأثيراً قوياً على أسعار أسهمها.
كما أن عمليات البيع في الشركات الكبرى يمكن أن تنتقل سريعاً إلى بقية السوق بسبب الأوزان الضخمة التي تتمتع بها شركات التكنولوجيا في المؤشرات الأميركية الرئيسية، وهو ما يفسر جانباً من تراجع «ستاندرد آند بورز 500».
تكلفة التمويل
ولا تقتصر تداعيات صعود عوائد السندات على تحركات الأسهم اليومية، إذ إن استمرار العوائد عند مستويات مرتفعة يمكن أن يتحول إلى عامل ضغط مباشر على الاقتصاد والشركات. فارتفاع تكلفة الاقتراض يهدد بتقليص الاستثمارات الجديدة، ويزيد تكلفة إعادة تمويل الديون المستحقة، خصوصاً بالنسبة إلى الشركات ذات المديونية المرتفعة.
وفي المقابل، تمنح العوائد المرتفعة المستثمرين بديلاً أكثر جاذبية وأقل مخاطرة من الأسهم، إذ يمكنهم الحصول على عوائد قوية من سندات الخزانة الأميركية دون تحمل التقلبات المرتبطة بأسواق الأسهم. وكلما ارتفع العائد الخالي من المخاطر، أصبحت التقييمات المرتفعة لبعض الأسهم أكثر صعوبة في التبرير.
ومن هنا، فإن بقاء عوائد السندات الطويلة قرب أعلى مستوياتها منذ سنوات قد يفرض إعادة تقييم أوسع للمحافظ الاستثمارية، ويزيد عمليات التحول من بعض أسهم النمو إلى أدوات الدخل الثابت أو القطاعات الأقل حساسية لأسعار الفائدة.