الصكوك الحكومية تفتح قنوات تمويل لدعم الإصلاح الاقتصادي
لا اعتراض على تنظيم إدارة شئون التمويل الحكومي، ولا اعتراض على تأسيس شركة ذات غرض خاص لتتولى تلك المهمة رغم ارتفاع نسبة البطالة المقنعة المواطنة في الجهاز الحكومي، ولعل المقصود هو نقل موظفي اختصاص من أماكن عملهم الحكومية إلى تلك الشركة، الاعتراض هو تصدر شئون الاقتراض العام أولوية متقدمة. فبعد إقرار المرسوم بقانون رقم 60 لسنة 2025 في شأن التمويل والسيولة، ثم المرسوم بقانون رقم 81 لسنة 2026 في شأن الاقتراض من احتياطي الأجيال القادمة، وبعد التوسع الكبير في الاقتراض الحكومي حتى تضاعف حجمه أكثر من سبعة أضعاف في سنتين ماليتين وربع السنة، بات الاهتمام الحكومي مركزاً على توفير المزيد من قنوات الاقتراض وإدارة أوراقه، بدلاً من أولوية برنامج إصلاح حكومي أو قانون يلزم الحكومة باستخدام حصيلة التمويل في ردم الفجوات الهيكلية الاقتصادية الثلاث، الفجوة الإنتاجية، أو بدائية محركات الاقتصاد المحلي، والفجوة المالية ومؤشرها تنامي متصل في عجز الموازنة مع سيطرة كاملة للإنفاق الجاري على نفقاتها، وفجوة ميزان العمالة المواطنة غير المستدامة، وهناك نحو 800 ألف مواطن ومواطنة أعمارهم دون الـ 24 سنة قادمين إلى سوق العمل.
خلال أزمة جائحة كورونا في عام 2020، وبعد أشهر قليلة من بدايتها، بدأت مؤشرات ضعف القدرة على تمويل النفقات العامة الضرورية تظهر إلى العلن، حتى أن وزيرَي المالية والنفط اشتبكا على مواقع التواصل الاجتماعي في أيهما أحق في 7 مليار دولار أمريكي سيولة لدى مؤسسة البترول الكويتية. وشكلت الحكومة بعدها لجنة لاحتواء تداعيات تلك الأزمة على القطاع المصرفي وعلى قطاع الأعمال، أي منع انتقال الأزمة إلى الاقتصاد الحقيقي، وقامت اللجنة بعمل جيد. وكان المفروض بعد انفراج تلك الأزمة، وأهم مبررات انفراجها سبب استثنائي لا يتكرر وهو بدء الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير من عام 2022، كان المفروض استيعاب الدرس القاسي واجتناب تكراره، ولكننا نعيش نفس حالة الاضطراب في غياب أي تحوط بالإفادة من أزمة الجائحة.
وتعدد قنوات التمويل للحكومة وتنظيمها أمر لا بأس به لو كانت حصيلة التمويل تذهب في جزء كبير منها لعملية البناء، عدا عن ذلك، كل المصطلحات المستخدمة في تسويق قوانين أو قرارات التمويل على أنها من أجل ضمان الاستدامة المالية والاقتصادية لا معنى لها.
ومن باب المقاربة فقط، المستهدف رقم 1 في رؤية الكويت 2035 ينص على تحقيق «الاقتصاد المتنوع المستدام» وبعد 10 سنوات على تبني تلك الرؤية، محركات الاقتصاد الكويتي أضعف وأبعد من الاستدامة مما كانت عليه، وحقق الحساب الختامي للموازنة العامة عجزاً مالياً متنامياً في 9 سنوات مالية منها. مثلها مستهدف الرؤية رقم 6 الذي ينص على «خلق رأس مال بشري إبداعي»، وفي آخر تصريح لوزير التربية يذكر أن هناك 32,268 معلماً فائضاً لا حاجة لهم، أو نحو 36 % من إجمالي عدد المعلمين، وهناك نحو 13 ألف معلم فائض في مجالي التربية الإسلامية والتربية البدنية، والمعلم هو من يصنع رأس المال البشري الإبداعي بينما أكثر من ثلثهم لا حاجة لهم، ولتوفير رواتب بنحو 42 مليون دينار كويتي سنوياً، تم تسريح 7,019 معلماً غير كويتي بشكل مفاجئ، ولا نعرف تأثير ذلك سلباً أو إيجاباً على الارتقاء بمستوى إبداع رأس المال البشري. وإن استمر التسويق للاقتراض على أنه مشروع استدامة اقتصادية ومالية، فسوف يتكرر ما حدث مع مستهدفات رؤية 2035، وسوف تصحو الكويت بعد فترة من الزمن وهي مضطرة لرهن أصولها من أجل مواجهة ما قد تفرضه عليها مصيدة الاقتراض من عواقب.