الصين تكسر قاعدة التنمية التقليدية وتعيد رسم خريطة التصنيع العالمي
في عالم الاقتصاد والتنمية، سادت لعقود طويلة قناعة بأن الدول الصناعية الكبرى تترك تدريجياً الصناعات البسيطة عندما ترتفع مستويات الدخل والأجور فيها، لتنتقل تلك الصناعات إلى دول أقل نمواً تبحث عن موطئ قدم في مسار التصنيع. وقد شكل هذا النموذج أساساً لتجارب اقتصادية ناجحة في شرق آسيا، حيث انتقلت الصناعات كثيفة العمالة من اليابان إلى كوريا الجنوبية وتايوان ثم إلى اقتصادات آسيوية أخرى، ما أتاح فرصاً متتالية للنمو واللحاق بركب التنمية.
نظرية قديمة
تستند هذه الفكرة إلى ما يُعرف بنظرية «الإوز الطائر» التي صاغها الاقتصادي الياباني أكاماتسو كانامه خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. وتقوم النظرية على تشبيه التنمية الصناعية بحركة أسراب الإوز التي تطير في تشكيلات منظمة على شكل حرف «V»، حيث تقود دولة متقدمة السرب ثم تفسح المجال تدريجياً للدول التي تليها كي تتولى الصناعات التي لم تعد مجدية اقتصادياً بالنسبة لها.
ولسنوات طويلة اعتقد كثير من الاقتصاديين أن الصين ستتبع المسار ذاته، خاصة بعد التحولات الاقتصادية الهائلة التي شهدتها خلال العقود الأربعة الماضية. فمع ارتفاع الأجور وتحسن مستويات المعيشة والتوسع في الصناعات التكنولوجية المتقدمة، كان من المتوقع أن تتراجع تدريجياً عن الصناعات منخفضة القيمة المضافة، لتفسح المجال أمام دول نامية أخرى في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
مفاجأة صينية
غير أن الواقع سار في اتجاه مختلف تماماً. فالصين لم تكتفِ بالحفاظ على موقعها في الصناعات التقليدية، بل عززت حضورها فيها بالتوازي مع توسعها في الصناعات المتقدمة. ووفقاً لدراسات اقتصادية حديثة، ما زالت البلاد تحتفظ بحصة استثنائية من الصناعات منخفضة التقنية رغم تحولها إلى واحدة من أكبر القوى التكنولوجية والصناعية في العالم.
وتظهر البيانات أن الصين تمكنت بين عامي 2010 و2024 من زيادة حصتها من الصادرات العالمية في جميع الفئات الصناعية تقريباً، سواء كانت صناعات منخفضة التقنية أو متوسطة أو عالية التقنية، إضافة إلى الصناعات المرتبطة بالموارد الطبيعية. وهذا يعني أن بكين لم تتخل عن أي جزء من السلسلة الصناعية العالمية، بل وسعت نفوذها عبر مختلف المستويات الإنتاجية.
ويثير هذا التوجه تساؤلات متزايدة لدى الدول النامية التي كانت تراهن على انتقال جزء من القاعدة الصناعية الصينية إليها مع مرور الوقت. فبدلاً من حصولها على فرص جديدة في الصناعات التقليدية، تجد نفسها في مواجهة منافسة صينية مستمرة ومتنامية.
نفوذ يتجاوز الصادرات
ولا تقتصر القوة الصناعية الصينية على حجم الصادرات النهائية فقط، بل تمتد إلى السيطرة على أجزاء مهمة من سلاسل التوريد العالمية. فالكثير من المنتجات التي تصدرها دول نامية إلى الأسواق الدولية تعتمد في تصنيعها على مكونات ومواد وسيطة قادمة من الصين.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن الصين توفر نحو ثلثي القيمة المضافة المضمنة في صادرات الملابس والمنسوجات والمنتجات الجلدية لعدد كبير من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل. ويعني ذلك أن بكين لا تهيمن فقط على الإنتاج النهائي، بل تسيطر أيضاً على حلقات أساسية من عملية التصنيع نفسها.
هذا النفوذ الواسع يجعل من الصعب على الاقتصادات الناشئة منافسة الصين أو الاستفادة من انتقال الصناعات التقليدية إليها بالشكل الذي حدث في تجارب التنمية الآسيوية السابقة.
عملاق متعدد الاقتصادات
ويعزو بعض الاقتصاديين هذا الوضع إلى الحجم الاستثنائي للصين. فبخلاف الاقتصادات الآسيوية التي سبقتها، تمتلك الصين سوقاً داخلية ضخمة وتنوعاً اقتصادياً هائلاً يجعلها أقرب إلى مجموعة اقتصادات متجاورة داخل دولة واحدة.
ففي الوقت الذي تتمتع فيه بعض المدن الصينية بمستويات دخل تفوق نظيراتها في الدول الصناعية المتقدمة، لا تزال مناطق أخرى أقرب إلى مستويات الدخل الموجودة في اقتصادات نامية مثل فيتنام. وهذا التفاوت يمنح الصين مرونة فريدة تسمح لها بالحفاظ على صناعات متنوعة تخدم مستويات مختلفة من الدخل والإنتاجية داخل البلاد.
كما أن انتقال العمالة بين المقاطعات الصينية يساهم في تخفيف الضغوط التي كانت تدفع عادة إلى خروج الصناعات منخفضة القيمة نحو الخارج. فبدلاً من انتقال المصانع إلى دول أخرى، تنتقل أحياناً إلى مناطق صينية أقل تكلفة، ما يسمح بالحفاظ على القدرة التنافسية داخل الحدود الصينية نفسها.
رهان الأتمتة
إلى جانب ذلك، تبنت الصين استراتيجية واضحة تقوم على تحديث الصناعات التقليدية بدلاً من التخلي عنها. فقد شددت القيادة الصينية خلال السنوات الأخيرة على أهمية تطوير هذه القطاعات ورفع كفاءتها، رافضة النظر إليها باعتبارها صناعات متدنية القيمة يجب التخلص منها.
ولتحقيق ذلك، توسع بكين استثماراتها في الأتمتة والروبوتات والتقنيات الذكية داخل المصانع، ما يساعد على تعويض ارتفاع تكاليف العمالة ويمنح الشركات الصينية قدرة أكبر على المنافسة. وبدلاً من إنتاج السلع التقليدية بالأساليب القديمة، يجري تصنيعها اليوم باستخدام تقنيات متقدمة تقلل التكاليف وترفع الإنتاجية. ويبدو أن هذه الاستراتيجية ستواصل إعادة تشكيل المشهد الصناعي العالمي خلال السنوات المقبلة. فبينما كانت نظرية «الإوز الطائر» تفترض انتقال الصناعات تدريجياً بين الدول، تكشف التجربة الصينية عن نموذج مختلف تماماً يقوم على الاحتفاظ بمعظم حلقات الإنتاج داخل الاقتصاد نفسه. وفي ظل هذا الواقع الجديد، قد تجد الدول النامية نفسها مضطرة للبحث عن مسارات تنموية جديدة وأكثر ابتكاراً إذا أرادت تعزيز حضورها في الاقتصاد العالمي ومنافسة العملاق الصناعي الصيني المتنامي.