النفط يهوي لأدنى مستوياته منذ مارس مع رهانات السلام
شهدت أسواق النفط العالمية خلال الأسبوع الماضي واحدة من أكثر موجات التراجع حدة منذ أشهر، بعدما تحول اهتمام المستثمرين والمتعاملين من المخاوف الجيوسياسية المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز وتعطل الإمدادات إلى احتمالات التوصل لاتفاق سياسي بين الولايات المتحدة وإيران قد يفضي إلى إنهاء التوترات العسكرية في منطقة الخليج وإعادة فتح الممرات البحرية الحيوية أمام حركة التجارة والطاقة العالمية. وقد انعكس هذا التحول السريع في المزاج الاستثماري على أسعار النفط التي تعرضت لضغوط بيعية قوية دفعت خام برنت إلى أدنى مستوياته منذ أوائل مارس، بينما سجل الخام الأميركي أكبر خسارة أسبوعية منذ فترة طويلة، في إشارة واضحة إلى أن الأسواق بدأت بالفعل في تسعير سيناريو أكثر تفاؤلاً يتعلق بعودة الاستقرار إلى المنطقة.
تحولات سريعة
جاءت التحركات الأخيرة في سوق النفط لتؤكد مجدداً أن العوامل السياسية لا تزال تمثل المحرك الرئيسي للأسعار في المرحلة الحالية، حيث شهدت الأسواق خلال فترة قصيرة انتقالاً من حالة القلق المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز وتهديد تدفقات الطاقة إلى موجة تفاؤل واسعة بشأن قرب التوصل إلى تفاهمات سياسية قد تنهي التوترات القائمة. وقد ساهمت التصريحات المتبادلة والتقارير التي تحدثت عن احتمالات توقيع مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في تغيير توقعات المستثمرين بصورة ملحوظة، ما أدى إلى تقليص علاوات المخاطر التي كانت قد أضيفت إلى أسعار النفط خلال الأسابيع الماضية.
وتعكس هذه التطورات مدى حساسية الأسواق النفطية للأحداث السياسية في منطقة الخليج، باعتبارها المنطقة الأكثر تأثيراً في توازنات الطاقة العالمية. فعندما ترتفع احتمالات الاستقرار تنخفض أسعار النفط سريعاً، بينما تؤدي أي مؤشرات على التصعيد أو تعطل الإمدادات إلى قفزات فورية في الأسعار. ومن هذا المنطلق، جاء الهبوط الأخير نتيجة مباشرة لإعادة تقييم المستثمرين لاحتمالات المخاطر المستقبلية وليس بسبب تغير جذري وفوري في أساسيات السوق.
خسائر ثقيلة
أنهى خام برنت تداولاته عند مستوى 87.33 دولاراً للبرميل بعد تراجع يومي تجاوز ثلاثة دولارات، فيما بلغت خسائره الأسبوعية أكثر من 6 %، وهي نسبة كبيرة تعكس حجم التحول في توقعات الأسواق خلال فترة زمنية قصيرة. كما سجل خام غرب تكساس الوسيط الأميركي مستوى 84.88 دولاراً للبرميل متراجعاً بأكثر من 6 % خلال الأسبوع، ليصل إلى أدنى مستوياته منذ منتصف أبريل.
وتبرز هذه الأرقام حجم الضغوط التي تعرض لها قطاع الطاقة خلال الأيام الماضية، إذ فضلت الصناديق الاستثمارية والمضاربون تقليص مراكزهم المرتبطة بارتفاع الأسعار تحسباً لمرحلة جديدة قد تتراجع فيها المخاطر الجيوسياسية تدريجياً. كما أن تراجع الأسعار بهذه الوتيرة يشير إلى أن الأسواق أصبحت أكثر اقتناعاً بأن فرص التوصل إلى تفاهم سياسي باتت أكبر من احتمالات التصعيد العسكري الواسع.
رهان السلام
تستند النظرة الحالية للأسواق إلى فرضية أساسية مفادها أن أي اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران سيؤدي في نهاية المطاف إلى إعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل وضمان تدفق صادرات النفط والغاز دون انقطاع. ويعد هذا العامل بالغ الأهمية نظراً لأن المضيق يمثل أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال المتجهة إلى الأسواق العالمية.
ويرى العديد من المتعاملين أن مجرد اقتراب الأطراف من التوصل إلى تفاهم سياسي كافٍ لخفض علاوة المخاطر الجيوسياسية التي دعمت الأسعار سابقاً. فالسوق لا تنتظر عادة حدوث التغيير فعلياً، بل تقوم بتسعير التوقعات المستقبلية مسبقاً، وهو ما يفسر موجة التراجع الأخيرة رغم استمرار بعض عناصر التوتر وعدم توقيع الاتفاق بصورة نهائية حتى الآن.
كما ساعدت الإشارات الصادرة من الجانبين الأميركي والإيراني بشأن استمرار المفاوضات وإحراز تقدم في بعض الملفات على تعزيز هذه القناعة، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى الاعتقاد بأن فرص الانفراج أصبحت أكبر من احتمالات التصعيد.
هرمز والعالم
على الرغم من التفاؤل السائد، فإن أهمية مضيق هرمز لا تزال تجعل الأسواق في حالة ترقب دائم. فالمضيق يمثل شرياناً رئيسياً للتجارة النفطية العالمية، وأي اضطراب في حركة الملاحة عبره ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة في مختلف أنحاء العالم.
وقد أظهرت الأحداث الأخيرة كيف يمكن لتطورات محدودة في المضيق أن تؤدي إلى تقلبات حادة في الأسعار خلال ساعات قليلة فقط. لذلك يرى عدد من المحللين أن الأسواق قد تكون بالغت جزئياً في تسعير سيناريو التفاؤل، خاصة أن تنفيذ أي اتفاق وضمان استقرار حركة الملاحة يحتاجان إلى ترتيبات عملية قد تستغرق وقتاً.
كما أن شركات الشحن والتأمين البحري ستحتاج بدورها إلى فترة من الثقة والاستقرار قبل العودة الكاملة إلى مستويات النشاط الطبيعية، وهو ما يعني أن المخاطر لن تختفي بشكل فوري حتى في حال توقيع تفاهمات سياسية رسمية.
مخزونات منخفضة
رغم تراجع الأسعار، لا تزال أساسيات السوق النفطية تقدم دعماً مهماً للأسعار على المدى المتوسط. فالمخزونات التجارية في العديد من المناطق الرئيسية حول العالم لا تزال عند مستويات منخفضة نسبياً مقارنة بالمتوسطات التاريخية، الأمر الذي يحد من قدرة الأسعار على مواصلة الهبوط الحاد لفترات طويلة.
ويؤكد محللون أن انخفاض المخزونات يمثل أحد أهم العوامل التي تمنع حدوث انهيار سعري واسع، إذ إن أي تحسن في الطلب أو أي اضطراب جديد في الإمدادات قد يؤدي بسرعة إلى تشديد أوضاع السوق مجدداً. كما أن إعادة بناء المخزونات التجارية تحتاج إلى تدفقات مستقرة ومستمرة لفترة طويلة نسبياً، وهو ما لم يتحقق بعد بشكل كامل.
ويضيف خبراء الطاقة أن الأسواق تراقب عن كثب مستويات المخزون في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، باعتبارها مؤشرات مهمة على التوازن الحقيقي بين العرض والطلب خلال الأشهر المقبلة.
توقعات البنوك
بدأت المؤسسات المالية العالمية في إعادة تقييم توقعاتها لسوق النفط في ضوء المتغيرات الأخيرة. فبعض البنوك الاستثمارية الكبرى خفضت توقعاتها طويلة الأجل للأسعار نتيجة توقعات بزيادة المعروض العالمي واستمرار التحديات التي تواجه نمو الطلب في بعض الاقتصادات الكبرى.
ومع ذلك، فإن هذه المؤسسات لا تتوقع انهياراً حاداً للأسعار، بل ترى أن النفط سيظل مدعوماً بعوامل عديدة تشمل استمرار الحاجة إلى إعادة بناء المخزونات ووجود علاوات مخاطر مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية التي قد تعود للظهور في أي وقت.
وتعكس هذه الرؤية حالة التوازن التي تسود توقعات السوق حالياً، حيث تتنافس عوامل الضغط الناجمة عن زيادة المعروض مع عوامل الدعم المرتبطة بالمخزونات المنخفضة والمخاطر السياسية والطلب الموسمي المرتفع.
نقطة التحول
يتفق عدد متزايد من المحللين على أن أواخر يوليو قد يمثل نقطة تحول مهمة في مسار سوق النفط العالمية. فإذا نجحت الجهود السياسية في إعادة تدفقات النفط بشكل طبيعي واستمرت حركة الملاحة البحرية دون اضطرابات، فقد تستقر الأسعار عند مستويات أقل من تلك التي شهدتها خلال ذروة التوترات.
أما إذا تعثرت المفاوضات أو واجهت المنطقة موجة جديدة من التصعيد، فإن انخفاض المخزونات العالمية وارتفاع الطلب الصيفي قد يدفعان الأسعار إلى الارتفاع مجدداً بوتيرة سريعة. ولهذا السبب تبقى الأسواق في حالة ترقب دقيقة لكل تطور سياسي أو عسكري أو اقتصادي يمكن أن يؤثر في معادلة العرض والطلب.
وفي المحصلة، يبدو أن أسواق النفط دخلت مرحلة جديدة يحكمها الرهان على الدبلوماسية أكثر من الرهان على المخاطر العسكرية. وبينما نجحت احتمالات السلام في دفع الأسعار إلى أدنى مستوياتها منذ أشهر، فإن الطريق نحو استقرار كامل لا يزال يتطلب خطوات عملية تضمن استمرارية تدفقات الطاقة العالمية وتبدد المخاوف التي هيمنت على الأسواق خلال الفترة الماضية. ومع اقتراب موعد الحسم في المفاوضات، ستبقى أسعار النفط رهينة للتطورات السياسية بقدر ارتباطها بأساسيات العرض والطلب، ما يجعل المرحلة المقبلة من أكثر الفترات حساسية بالنسبة للمتعاملين في أسواق الطاقة العالمية.