الصين تهدد صفقة ماسك العملاقة المرتقبة
يواجه الملياردير الأميركي إيلون ماسك تحدياً تنظيمياً معقداً قد يعرقل خططه المحتملة لدمج شركتي «تسلا» و«سبيس إكس»، في ظل تضارب المصالح الاقتصادية والتكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين، وتصاعد حساسية الحكومتين تجاه البيانات والتقنيات المرتبطة بالأمن القومي.
وتكمن المعضلة الرئيسية في اعتماد «تسلا» على الصين باعتبارها مركزاً رئيسياً للتصنيع وسوقاً مهمة للسيارات الكهربائية، مقابل ارتباط «سبيس إكس» بعقود حكومية وعسكرية أميركية تتطلب مستويات مرتفعة من الحماية والرقابة.
وكان ماسك قد أعلن، الثلاثاء، تشكيل لجان خاصة في الشركتين لمناقشة الاندماج المحتمل، واصفاً الفكرة بأنها جيدة، دون الإعلان عن اتفاق نهائي أو تفاصيل مالية للصفقة.
وبحسب تقرير لوكالة «رويترز»، فإن تحويل الفكرة إلى واقع قد يتطلب إعادة تنظيم العمليات الصينية أو إنشاء ترتيبات قانونية وتقنية صارمة تمنع انتقال المعلومات الحساسة بين أنشطة الشركتين.
عقبة البيانات
تفرض السلطات الصينية على «تسلا» الاحتفاظ ببيانات المستخدمين التي تجمعها أنظمة القيادة الآلية داخل البلاد، وهي متطلبات تلتزم بها الشركة منذ عام 2021.
وتشمل هذه القيود المعلومات المرتبطة بالسائقين والمركبات، ما يجعل إدارة البيانات إحدى أبرز القضايا التي قد تواجه أي كيان يجمع أنشطة السيارات الكهربائية والفضاء والدفاع.
وفي المقابل، تعتمد «سبيس إكس» بصورة متزايدة على عقود حكومية وعسكرية أميركية، بما في ذلك أنشطة «ستارشيلد» المتخصصة في تطوير أنظمة الأقمار الاصطناعية للاستخدامات العسكرية والاستخباراتية.
ويعني ذلك أن الجهات الرقابية الأميركية قد تطلب ضمانات تحول دون وصول العمليات الصينية إلى أي تكنولوجيا أو معلومات مرتبطة بالمشروعات الدفاعية.
ويتمثل أحد الحلول المحتملة في إنشاء حواجز قانونية وتقنية داخل الشركة المندمجة، بحيث تظل أعمال «تسلا» الصينية منفصلة عن أنشطة «سبيس إكس» الحساسة.
وقال دانيال كولار، رئيس قطاع السيارات والتنقل لدى مجموعة «إنترالينك»، إن هذا النوع من الفصل ليس جديداً على الشركات متعددة الجنسيات، مستشهداً بتجارب مؤسسات مثل «إيرباص» و«هانويل».
ويمكن لهذا النموذج أن يسمح باستمرار الإنتاج والبحث والتطوير في الصين، مع فرض قيود على تبادل البيانات والوصول إلى التقنيات بين الوحدات المختلفة.
لكن نجاحه سيعتمد على قبول الجهات الرقابية في البلدين، ومدى قدرتها على التحقق من استقلال العمليات وحماية المعلومات.
مطالب متعارضة
تتجاوز التحديات مسألة حماية البيانات إلى احتمال ظهور مطالب تنظيمية وتجارية متعارضة بين بكين وواشنطن.
ويرى كريستوفر تانغ، الأستاذ المتخصص في سلاسل الإمداد العالمية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، أن السلطات الصينية قد تستخدم الاندماج المحتمل فرصة للتفاوض بشأن شروط إضافية قبل الموافقة عليه.
وقد تشمل هذه الشروط الحفاظ على الاستثمارات والطاقة الإنتاجية داخل الصين، أو تقديم التزامات تتعلق باستمرار العمليات المحلية.
وحدد إيوانيس كوكوريس، أستاذ قانون المنافسة والاقتصاد بجامعة كوين ماري في لندن، احتمال مطالبة بكين بإتاحة بعض التقنيات ذات الأهمية الاستراتيجية أمام الشركات الصينية.
غير أن أي ترتيبات تتعلق بنقل تكنولوجيا حساسة مرتبطة بأنشطة «سبيس إكس» العسكرية قد تواجه اعتراضات أميركية، ما يضع الشركتين أمام معادلة تنظيمية يصعب التوفيق بين أطرافها.
وفي هذا السياق، يرى مايكل دن، الرئيس التنفيذي لشركة «دن إنسايتس» الاستشارية، أن «تسلا» قد تتمكن من مواصلة العمل في الصين لسنوات بوصفها وحدة مستقلة.
ويتطلب ذلك الاحتفاظ بأنشطة محلية منفصلة للبحث والتطوير، إلى جانب اتفاقات ملزمة تضمن بقاء البيانات الصينية داخل البلاد.
وتبرز أهمية هذا السيناريو في أنه يسمح لماسك بالمحافظة على استثماراته الصناعية دون الاضطرار إلى التخلي عن سوق رئيسية، مع السعي إلى استيفاء المتطلبات الأمنية الأميركية.
ومع ذلك، فإن الفصل التشغيلي قد يضيف تكاليف إدارية وتقنية، ويحد من بعض المكاسب المحتملة التي قد تستهدفها الشركتان من الاندماج.
خيارات التخارج
في حال تعذر التوصل إلى ترتيبات مقبولة للجهات الرقابية، قد تواجه «تسلا» خيار تقليص ارتباطها المباشر بعملياتها الصينية أو التخارج منها.
وبحسب المحللين، تتضمن البدائل المطروحة فصل الأنشطة الصينية في شركة مستقلة مع احتفاظ «تسلا» بحصة اقتصادية أغلبية، أو بيع العمليات مع توقيع اتفاقات طويلة الأجل لترخيص العلامة التجارية.
أما السيناريو الثالث فيتمثل في التخارج الكامل عبر بيع الأصول الصناعية والتشغيلية إلى جهة أخرى، وهو الخيار الأكثر جذرية من حيث تأثيره المحتمل على حضور الشركة في السوق الصينية.
لكن تنفيذ عملية بيع قد يواجه صعوبات تتعلق بالعثور على مشترٍ مناسب وتحديد قيمة الأصول وشروط انتقال الملكية.
وقال لي يانوي، المحلل لدى جمعية تجار السيارات الصينية، إن شركات صناعة السيارات المحلية قد لا تكون مهتمة بالاستحواذ، نظراً إلى عدم حاجتها إلى طاقات إنتاجية إضافية.
كما تواجه شركات السيارات الأجنبية ضغوطاً مالية قد تحد من قدرتها على تنفيذ صفقة كبيرة للاستحواذ على هذه العمليات.
ويرى كولار أن البيع التدريجي قد يمثل خياراً أكثر مرونة بالنسبة إلى ماسك، لكنه رجح إمكانية استمرار «تسلا» في الصين ضمن هيكل ملكيتها الحالي.
ويعكس ذلك الأهمية الاقتصادية للعمليات الصينية بالنسبة إلى الشركة، مقابل التعقيدات التي قد تترتب على التخلي عنها بصورة كاملة.
لا يزال الاندماج بين «تسلا» و«سبيس إكس» في مرحلة المناقشات الأولية، دون اتفاق معلن بشأن التقييم أو هيكل الملكية أو الجدول الزمني للتنفيذ.
وتتمثل القضية الأساسية في قدرة الشركتين على الجمع بين أنشطة صناعية وتجارية واسعة في الصين ومشروعات فضائية ودفاعية حساسة في الولايات المتحدة، دون تعارض مع المتطلبات التنظيمية في البلدين.