الفائدة تختبر قدرة الاقتصاد على التوازن
خلال العامين المقبلين، قد تتحول أسعار الغذاء، ولا سيما اللحوم والبيض والحبوب والزيوت، إلى مصدر اهتمام متزايد للأسر الصينية، بالتزامن مع القلق التقليدي من التضخم. لكن السؤال الأهم لا يتعلق بارتفاع الأسعار في حد ذاته، بل بطبيعة هذا الارتفاع: هل يرتبط بعوامل مؤقتة في جانب العرض، أم يعكس تغيراً هيكلياً يمكن أن يمتد إلى بقية الاقتصاد؟ وهل يمكن أن تنتقل الضغوط من الغذاء إلى السلع والخدمات الأخرى، لتتحول في النهاية إلى موجة تضخم واسعة النطاق؟
تكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة في الاقتصاد الصيني، حيث تمثل المواد الغذائية وزناً مهماً داخل مؤشر أسعار المستهلكين. وبالتالي، فإن الارتفاع السريع في أسعار بعض المنتجات الغذائية يمكن أن يدفع المؤشر إلى مستويات مرتفعة لفترة محدودة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة نشوء موجة تضخمية مستدامة.
فارتفاع أسعار الغذاء قد يكون في بعض الحالات نتيجة اضطرابات قصيرة الأجل في الإمدادات الزراعية، سواء بسبب عوامل موسمية أو تطورات مفاجئة تؤثر في الإنتاج والعرض. وفي المقابل، لا يمكن استبعاد احتمال أن تكون بعض الزيادات انعكاساً لتحولات أعمق في هيكل الأسعار، خصوصاً إذا امتدت إلى قطاعات متعددة وارتبطت بتغيرات مستمرة في الأجور.
ويظهر التضخم الهيكلي عندما تصبح الزيادة في تكاليف الإنتاج، وعلى رأسها الأجور، عاملاً دائماً في تحديد مستويات الأسعار. فإذا ارتفعت أجور العمال بصورة مستمرة، فمن الطبيعي أن تنتقل نسبة من هذه الزيادة إلى أسعار السلع والخدمات، ما يجعل بيانات التضخم أعلى بصورة أكثر استدامة.
لكن بلوغ التضخم الهيكلي مستويات مرتفعة، مثل 5%، يفرض تحدياً مختلفاً على السياسة النقدية. ففي هذه الحالة، يصبح من الضروري أن تتحرك أسعار الفائدة المصرفية بما يتناسب مع ارتفاع الأسعار، وإلا تحولت أسعار الفائدة الحقيقية إلى مستويات سالبة، بما يشجع الاقتراض والاستهلاك والاستثمار، ويدفع الأموال نحو أسواق الأصول، ومنها العقارات والأسهم.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين ارتفاع مؤقت في الأسعار وموجة تضخم ذات جذور أعمق. فالمرحلة التي يتركز فيها الارتفاع في الغذاء تختلف عن مرحلة تنتقل فيها الضغوط إلى الأجور والإسكان والخدمات وبقية السلع الاستهلاكية.
وتشير التجربة الصينية خلال فترات النمو السريع إلى أن ارتفاع الأجور والأسعار يمكن أن يكون جزءاً طبيعياً من عملية التحول الاقتصادي، ولا سيما عندما ترتفع إنتاجية العمالة بوتيرة قوية. فالاقتصادات التي تحقق نمواً سريعاً في الإنتاجية يمكن أن تشهد ارتفاعاً تدريجياً في مستويات الأجور والأسعار، وليس بالضرورة أن يكون ذلك نتيجة ضخ كميات كبيرة من النقود في الاقتصاد.
وفي الاقتصادات المتقدمة، تستهدف المصارف المركزية عادة معدلات تضخم معتدلة، تتراوح في كثير من الحالات بين 2 و3%، مع الحرص على تجنب الانكماش. أما الاقتصاد الصيني، باعتباره اقتصاداً نامياً خلال تلك المرحلة، فلم يكن من الضروري أن يطابق معدلات التضخم في الاقتصادات المتقدمة، إذ إن ارتفاع الإنتاجية والتغيرات الهيكلية المصاحبة للنمو يمكن أن يفرضا مساراً مختلفاً للأسعار والأجور.
أجور تقود التضخم
يرتبط التضخم الهيكلي في الاقتصادات النامية بدرجة كبيرة بارتفاع الأجور. ومع انتقال الاقتصاد إلى مستويات أعلى من الإنتاجية والدخل، تصبح أجور العمال مرشحة للارتفاع بصورة مستمرة مقارنة بمستوياتها في الاقتصادات المتقدمة، وهو ما ينعكس تدريجياً على تكاليف الإنتاج والأسعار.
غير أن الحالة الصينية في تلك المرحلة لم تكن قابلة للتفسير من خلال العلاقة التقليدية بين الطلب والعرض وحدها. فالمؤشرات المرتبطة بالتجارة الخارجية كانت تشير إلى أن الطلب الإجمالي لم يكن يتجاوز العرض الإجمالي، بل كان أقل منه، في ظل الفائض التجاري الخارجي الكبير.
فإذا كان الطلب الكلي أقل من القدرة الإنتاجية للاقتصاد، فمن أين جاءت الضغوط السعرية؟
يكمن جزء من الإجابة في الاختلالات التي أصابت أسعار رأس المال وبعض المنتجات وعناصر الإنتاج. فقد ظلت أسعار الفائدة أقل من المستوى الذي كان يمكن أن تستجيب به للضغوط السعرية، الأمر الذي أوجد أسعار فائدة حقيقية شديدة الانخفاض، وأحياناً سالبة. وكان لذلك أثر مباشر في توجيه الأموال نحو العقارات والأسهم، فضلاً عن دعم الاستهلاك.
لكن هذا التحفيز لم يكن كافياً لخلق طلب إجمالي قادر على استيعاب فائض الإنتاج. ولو كان الطلب يتجاوز العرض بصورة مستدامة، من دون وجود اختلالات كبيرة في هيكل الأسعار، لكان من الممكن أن نشهد ارتفاعاً أكثر انتظاماً في الأجور، مصحوباً بتضخم مستقر وأقل حدة.
في المقابل، كان نمو الأجور في تلك المرحلة أبطأ بكثير من الزيادات التي شهدتها أسعار الغذاء والإسكان والأسهم. كما أن بعض أسعار الطاقة لم ترتفع بالسرعة التي كان يمكن أن تعكس بها ظروف السوق، نتيجة استمرار التنظيم الحكومي للأسعار، وهو ما ساهم في سوء تخصيص الموارد وضعف الحوافز لزيادة العرض الموجه إلى الاستهلاك والاستثمار.
وبذلك وجد الاقتصاد الصيني نفسه أمام صورة مركبة. فعلى مستوى الاقتصاد ككل، كان العرض يفوق الطلب، بينما أظهرت بعض القطاعات والأسواق مؤشرات على ارتفاع قوي في الأسعار وفرط النشاط.
ويرتبط هذا التباين بوجود أسعار لم تكن تعكس بصورة كاملة قيمتها الاقتصادية، سواء تعلق الأمر بأسعار الفائدة أو الطاقة أو بعض عناصر الإنتاج. كما أن أسعار بعض المواد الخام لم تتحرك بالقدر الكافي الذي كان يمكن أن تعكس به ندرتها أو تكلفتها الحقيقية.
وفي المقابل، هناك أسعار ينبغي أن تتحرك بحرية أكبر خلال فترات التضخم، ومن بينها أسعار المنتجات الزراعية. فارتفاع أسعار هذه المنتجات يرسل إشارة إلى المنتجين بوجود فرصة لزيادة الإنتاج، ومع ارتفاع العرض يمكن أن تتراجع الأسعار مجدداً. وهذه من الوظائف الأساسية التي يؤديها السوق في عملية إعادة التوازن بين العرض والطلب.
فائض الإنتاج
لم تكن المشكلة الصينية في تلك المرحلة تتمثل، وفق هذا التحليل، في تجاوز الطلب الإجمالي للعرض الإجمالي، بل في وجود ارتفاع هيكلي تدريجي في الأجور والأسعار مرتبط بالنمو المستمر في إنتاجية العمالة. وفي الوقت نفسه، ظلت قضية التوظيف من أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد.
ولهذا بدت الصورة أقرب إلى حالة من الضغوط الانكماشية على مستوى الاقتصاد الكلي، حيث تتجاوز الطاقة الإنتاجية حجم الطلب القادر على استيعابها. فقد امتلك الاقتصاد قدرات إنتاجية واسعة لم تكن مستخدمة بالكامل أو لم تكن توظف بأعلى كفاءة ممكنة، الأمر الذي شكل أحد التحديات الرئيسية أمام مسار النمو.
وكان جانب مهم من المشكلة يتعلق بكفاءة تخصيص الموارد على المستوى الجزئي. فعندما تنخفض أسعار الفائدة الحقيقية إلى مستويات شديدة الانخفاض، بالتزامن مع انخفاض تكاليف العمالة وضعف تطبيق بعض متطلبات الحماية البيئية وانخفاض أسعار الطاقة، تصبح بعض الأنشطة منخفضة العائد وقليلة الكفاءة قادرة على الاستمرار.
وفي المقابل، قد تجد الأنشطة ذات العوائد الأعلى والمنافع الاجتماعية الأكبر صعوبة في الحصول على الموارد بالقدر الكافي. وهنا لا تعود المشكلة مرتبطة فقط بحجم الإنتاج، وإنما بكيفية توزيع رأس المال والعمالة والطاقة بين الأنشطة المختلفة.
هذه الاختلالات تفسر جانباً من التناقض الظاهري بين اقتصاد يمتلك فائضاً في الطاقة الإنتاجية، وبين قطاعات تشهد في الوقت نفسه ارتفاعات حادة في الأسعار. فالمشكلة لم تكن بالضرورة نقصاً عاماً في الموارد، وإنما وجود أسعار غير متوازنة أدت إلى توجيه الموارد في اتجاهات لا تتطابق دائماً مع احتياجات الاقتصاد.
فائدة حقيقية
تظهر إحدى أهم النقاط في فهم التضخم الصيني عند النظر إلى أسعار الفائدة الحقيقية، وليس إلى مؤشر أسعار المستهلكين وحده.
فالدورة الاقتصادية في تلك المرحلة اتسمت بمستويات شديدة الانخفاض لأسعار الفائدة الحقيقية، وهو ما يظهر بصورة أوضح عند احتساب تكلفة التمويل العقاري مقارنة بمعدل ارتفاع أسعار المساكن.
ويُقصد بسعر الفائدة الحقيقي على الاستثمار العقاري الفرق بين معدل الفائدة على القروض العقارية ومعدل نمو أسعار المساكن. وبما أن معدلات الفائدة على الودائع والقروض كانت منخفضة، بينما بلغ متوسط النمو السنوي لأسعار المساكن على مدى سنوات طويلة نحو 10%، فإن الفارق بين تكلفة الاقتراض والعائد الناتج عن ارتفاع قيمة العقار أصبح سالباً بصورة كبيرة.
وبحسب هذا المنظور، وصل سعر الفائدة الحقيقي على الاستثمار العقاري إلى نحو سالب 4 إلى 5% في المتوسط على مدى عقدين. واستمرار هذا الوضع لفترة طويلة يمكن أن يخلق آثاراً واسعة على سلوك المدخرين والمستثمرين وعلى توزيع الثروة. فعندما تكون عوائد الودائع المصرفية منخفضة للغاية، بينما ترتفع أسعار المساكن بوتيرة أسرع بكثير، يصبح شراء العقار أكثر جاذبية من الاحتفاظ بالمدخرات في المصارف. وإذا كان تمويل شراء المسكن متاحاً بتكلفة منخفضة، فإن الاقتراض لشراء العقار قد يبدو أكثر جاذبية من الادخار التقليدي.
وتؤدي هذه المعادلة إلى نتيجة اجتماعية واقتصادية مهمة: أصحاب القدرة على شراء العقارات يمكن أن يستفيدوا من ارتفاع قيمتها، بينما يجد أصحاب المدخرات النقدية أنفسهم أمام عوائد لا تواكب ارتفاع أسعار المساكن.
وهكذا يتحول اختلال أسعار الفائدة والعقارات من مسألة مالية إلى قضية تتعلق بتوزيع الثروة أيضاً. كما أن انخفاض تكلفة الاقتراض يشجع المضاربة، ويدفع بعض المستثمرين إلى شراء أكثر من مسكن للاستفادة من الارتفاع المتوقع في الأسعار، ولهذا اكتسب تنظيم القطاع العقاري أهمية تتجاوز معالجة الأسعار وحدها، إذ أصبح مرتبطاً أيضاً بالحد من انتقال الأموال إلى أنشطة مضاربية وبمعالجة الاختلالات التي يمكن أن تنشأ عندما تصبح تكلفة رأس المال منخفضة بصورة مبالغ فيها.
سعر رأس المال
تكمن المشكلة الأوسع في أن رأس المال الرخيص يغير سلوك المستثمرين. فسعر رأس المال هو في جوهره سعر الفائدة الحقيقي، وهو أحد العناصر التي تحدد اتجاه الاستثمار وطبيعة الأنشطة التي تستقطب التمويل.
وعندما يتخذ المستثمر قراراً طويل الأجل، فإنه لا ينظر فقط إلى تكلفة الاقتراض الحالية، بل إلى العائد المتوقع في المستقبل بعد احتساب التضخم. ولذلك يصبح سعر الفائدة الحقيقي المتوقع عاملاً أساسياً في رسم صورة المستقبل بالنسبة للمستثمرين.
ويُحتسب سعر الفائدة الحقيقي المتوقع من خلال طرح معدل التضخم المتوقع من سعر الفائدة الاسمي المتوقع. ومن هنا تأتي أهمية إدارة توقعات التضخم، لأن سعر الفائدة الاسمي يمكن للسياسة النقدية التأثير فيه بصورة مباشرة، بينما لا يمكن التحكم بتوقعات التضخم بالطريقة نفسها.
وتصبح هذه التوقعات، بالتالي، عنصراً أساسياً في قرارات الأسر والشركات والمستثمرين. فإذا اعتقد المستثمرون أن التضخم سيظل مرتفعاً، فإن تكلفة رأس المال الحقيقية قد تبقى منخفضة أو سالبة حتى مع وجود أسعار فائدة اسمية موجبة، وهنا تتضح أهمية أسعار الفائدة الحقيقية في تفسير سلوك الاقتصاد الصيني خلال تلك المرحلة. فالقضية لم تكن مجرد ارتفاع أو انخفاض في مؤشر أسعار المستهلكين، وإنما كانت مرتبطة أيضاً بالطريقة التي تؤثر بها تكلفة رأس المال في الاستثمار، وتوزيع الموارد، وأسعار الأصول، وقرارات الأسر والشركات.
ومن هذه الزاوية، يصبح التعامل مع التضخم أكثر تعقيداً من مجرد مراقبة مؤشر واحد. فالمطلوب هو التمييز بين ارتفاع مؤقت في أسعار الغذاء، وارتفاع هيكلي في الأجور، واختلال في أسعار الأصول، وأسعار فائدة حقيقية شديدة الانخفاض.
وفي النهاية، كانت القضية الأساسية أمام الاقتصاد الصيني تتمثل في إعادة التوازن بين هذه العناصر، بحيث تعكس أسعار رأس المال والطاقة والمواد الخام والعمالة بصورة أكبر قيمتها الاقتصادية، بما يسمح بتوجيه الموارد نحو الأنشطة الأعلى إنتاجية والأكثر قدرة على دعم النمو على المدى الطويل.
وهكذا لم يكن التحدي مجرد السيطرة على التضخم، بل بناء آلية أكثر كفاءة لتحديد الأسعار وتوجيه رأس المال والموارد، بما ينسجم مع المرحلة الجديدة من مسار النمو الصيني.
على امتداد هذه السلسلة، تناولنا مسيرة الاقتصاد الصيني، وتوقفنا عند أبرز التحولات التي أعادت تشكيل بنيته، من القطاع الخاص والاستثمار الأجنبي وأسواق رأس المال، إلى الإنتاج والأسعار والفائدة وتخصيص الموارد.
وفي ختام هذه الرحلة، تبقى التجربة الصينية نموذجاً اقتصادياً واسعاً يستحق الدراسة، لما أحدثته من تغيرات عميقة في مسار النمو ومكانة الصين في الاقتصاد العالمي.