الفيدرالي يرفع الفائدة ويحمي شرايين السيولة
يحاول الاحتياطي الفيدرالي تنفيذ واحدة من أكثر عمليات السياسة النقدية دقة: جعل النقود أكثر تكلفة لكبح التضخم من دون السماح بأن تصبح نادرة إلى درجة تعطل النظام المالي. وتشبه المهمة رفع أسعار الكهرباء لتقليل الاستهلاك مع ضمان استمرار الشبكة في العمل؛ فالفيدرالي يريد أن تؤثر الفائدة المرتفعة في الاقتراض والإنفاق، لكنه لا يريد أن يؤدي التشديد إلى نقص مفاجئ في السيولة أو اضطراب أسواق التمويل. وتفسر هذه المعادلة ما بدا تناقضاً في تحركات سبتمبر، عندما أوقف بنك نيويورك الفيدرالي مشتريات جديدة لأغراض إدارة الاحتياطيات، قبل أن يرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الفائدة 25 نقطة أساس إلى نطاق بين 3.75 و4 %.
رسالة السيولة
قرر بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك في 14 سبتمبر عدم إجراء مشتريات جديدة لأغراض إدارة الاحتياطيات للشهر الثاني على التوالي، لكن ذلك لا يعني توقف البنك المركزي عن شراء سندات الخزانة بالكامل. فقد استمرت عمليات إعادة الاستثمار بنحو 15.6 مليار دولار، وهي تختلف عن المشتريات التي تستهدف إضافة احتياطيات جديدة إلى النظام المصرفي. وقد يبدو قرار «صفر مشتريات» قبل اجتماع الفيدرالي رسالة للأسواق بأن البنوك تمتلك سيولة كافية لتحمل رفع الفائدة، إلا أن توقيت الإعلان يتفق أيضاً مع الجدول التشغيلي المعتاد لبنك نيويورك، ما يضعف فرضية أنه صُمم خصيصاً لطمأنة المستثمرين.
ومع ذلك، حمل القرار دلالة مهمة، إذ بلغت احتياطيات النظام المصرفي نحو 3.04 تريليون دولار، بينما ظلت ظروف التمويل قصير الأجل مستقرة نسبياً، وتداول معدل التمويل المضمون لليلة واحدة «SOFR» عند أو دون سعر الفائدة على أرصدة الاحتياطيات خلال جزء كبير من الفترة. وبذلك، فإن عدم الحاجة إلى إضافة احتياطيات جديدة يعكس عملياً أن السيولة لا تزال عند مستويات مريحة.
دعم التداول
وفي الوقت نفسه، تحركت وزارة الخزانة في اتجاه قد يبدو للوهلة الأولى معاكساً، بعدما رفعت الحدود القصوى لعمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل. وزادت عمليات إعادة الشراء في شرائح آجال 10 إلى 20 عاماً و20 إلى 30 عاماً من ملياري دولار إلى أربعة مليارات دولار على الأقل للعملية الواحدة، ووصلت إحدى العمليات لاحقاً إلى ستة مليارات.
ولا تعني هذه التحركات بالضرورة أن الحكومة تحاول خفض عوائد السندات أو دعم أسعارها. فالخزانة تستهدف أساساً تحسين سيولة الإصدارات القديمة الأقل تداولاً، وتوفير منفذ منتظم للمستثمرين الراغبين في التخلص من الأوراق التي خرجت من نطاق الإصدارات القياسية الأحدث.
وتدعم حركة السوق هذا التفسير؛ فعائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات واصل الصعود مقترباً من 5 %، بينما تحرك عائد الثلاثين عاماً حول 5.35%. ولو كانت عمليات إعادة الشراء تستهدف منع ارتفاع العوائد، فإن استمرار صعودها يكشف محدودية تأثير الأداة في هذا الجانب.
كما أن حجم العمليات صغير مقارنة باحتياجات الاقتراض، إذ تتوقع الخزانة اقتراضاً صافياً بنحو 739 مليار دولار خلال الربع الجاري، مقابل نحو 45 مليار دولار فقط من عمليات إعادة الشراء. وبالتالي، لا تحاول الوزارة بالضرورة منع المستثمرين من المطالبة بعائد أعلى، وإنما الحفاظ على قدرة سوق السندات نفسها على التداول بكفاءة.
أدوار مختلفة
ويصبح المشهد أكثر وضوحاً عند الفصل بين وظائف المؤسسات المختلفة. فمجلس الاحتياطي الفيدرالي يستخدم سعر الفائدة لمواجهة التضخم، بينما يدير بنك نيويورك مستوى الاحتياطيات لضمان عدم تحول السيولة المصرفية إلى ندرة، في حين تعمل وزارة الخزانة على تحسين ظروف التداول في أجزاء من سوق الدين الحكومي.
وفي نظام «الاحتياطيات الوفيرة» الذي يعمل به الفيدرالي، لا يحتاج البنك المركزي إلى خلق نقص في الأموال بين البنوك حتى يرفع سعر الفائدة. ويمكنه بدلاً من ذلك رفع الفائدة التي يدفعها على أرصدة الاحتياطيات واستخدام أدواته الأخرى لتوجيه أسعار التمويل قصيرة الأجل.
درس 2019
وتعود أبرز تلك التجارب إلى سبتمبر 2019، عندما انخفضت احتياطيات البنوك الأميركية إلى نحو 1.34 تريليون دولار بالتزامن مع مدفوعات ضرائب وتسويات لإصدارات سندات حكومية استنزفت قدراً كبيراً من السيولة في فترة قصيرة.
ورغم ضخامة الاحتياطيات ظاهرياً، قفز معدل «SOFR» إلى نحو 5.25 % من 2.43 % خلال يوم واحد، وسجلت بعض معاملات إعادة الشراء «الريبو» أسعاراً أعلى بكثير. واضطر الفيدرالي إلى التدخل عبر ضخ السيولة، ثم بدأ شراء أذون خزانة بنحو 60 مليار دولار شهرياً لإعادة الاحتياطيات إلى مستويات أكثر راحة.
وكان الدرس الأهم أن البنك المركزي لا يستطيع الاعتماد على رقم ثابت لتحديد المستوى الذي تتحول عنده الاحتياطيات من الوفرة إلى الندرة. فالكمية الإجمالية قد تبدو كبيرة، لكن البنوك قد لا تكون مستعدة لإقراض جانب منها نتيجة القيود التنظيمية أو متطلبات السيولة الداخلية.
مخزن يتقلص
وتتجاوز احتياطيات البنوك حالياً مثلي مستواها المسجل خلال أزمة 2019، لكن حجم النظام المالي نفسه ازداد، كما توسع اعتماده على التمويل قصير الأجل. وفي الوقت ذاته، تقلص بصورة كبيرة أحد مخازن امتصاص السيولة المتمثل في أرصدة صناديق أسواق المال لدى تسهيل إعادة الشراء العكسي.
وكانت هذه الأموال قادرة على استيعاب جانب من إصدارات أذون الخزانة الجديدة من دون استنزاف احتياطيات البنوك مباشرة. ومع تقلصها، أصبحت تحركات حساب الخزانة وإصدارات الدين أكثر قدرة على التأثير سريعاً في حجم الاحتياطيات المصرفية.
التشديد دون كسر الأسواق
لا توجد أدلة كافية على وجود تنسيق خفي بين الفيدرالي والخزانة يستهدف حماية الأسواق من تداعيات رفع أسعار الفائدة، إذ يتفق توقيت إعلان بنك نيويورك مع إجراءاته المعتادة، كما تظل عمليات إعادة شراء الخزانة محدودة مقارنة بحجم سوق الدين، فضلاً عن استمرار العوائد في الارتفاع. لكن تحركات سبتمبر تكشف بنية مالية صُممت للسماح للسياسة النقدية بالتشدد عبر سعر الفائدة من دون أن يتحول ذلك إلى أزمة غير مقصودة في أسواق الريبو أو تداول سندات الخزانة.