القطاع المصرفي الكويتي الأكثر استقراراً في المنطقة
يظلّ القطاع المصرفي الكويتي أحد الأعمدة الراسخة لمسار الإصلاح الاقتصادي، إذ سجّل نموًّا في صافي الأرباح بنسبة 0.279 % خلال الربع الأول من 2026 ليصل إلى 409.363 ملايين دينار مقارنة بالفترة المماثلة من العام 2025، مع تمثيل التمويل الإسلامي نحو نصف أصول القطاع، فضلًا عن عمليات اندماجٍ واستحواذٍ أخيرة عزّزت مكانة كبرى المصارف فيه.
وفي حديث خاص لـ «عالم الاقتصاد» أكد الدكتور حمد الحساوي الأمين العام الأسبق لاتحاد مصارف الكويت وعميد كلية الحوكمة والأنظمة في كلية القانون الكويتية العالمية أن القطاع المصرفي الكويتي يواصل ترسيخ مكانته كأحد أكثر القطاعات المصرفية استقراراً على المستوى الإقليمي، مستنداً إلى متانة مراكزه المالية وقدرته على الحفاظ على مستويات قوية من الربحية والنمو الائتماني وذلك رغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
وإليكم تفاصيل اللقاء:
● كيف تقيمون الحالة المالية والمصرفية في الكويت في الوقت الراهن؟ وهل يتمتع القطاع المصرفي بمستويات كافية من الاستقرار والمرونة؟
يتمتع القطاع المصرفي الكويتي، بمستويات مرتفعة نسبياً من الاستقرار مقارنةً بالقطاعات المصرفية في الدول الإقليمية، كما تحافظ البنوك المحلية على معدلات ربحية ونمو ائتماني متينة، رغم المخاطر الجيوسياسية والبيئة الإقليمية المضطربة منذ فبراير 2026.
ولإعطاء مثال على ذلك، سجل بنك الكويت الوطني خلال الربع الأول من عام 2026 ارتفاعاً في إجمالي موجوداته، لتصل إلى نحو 46 مليار دينار. كذلك ارتفع إجمالي القروض ليبلغ نحو 27 مليار دينار.
وهذا مثال يؤكد تماسك النتائج التشغيلية للقطاع المصرفي في ظل الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية، ولا سيما في ظل الحرب مع إيران والتوترات المرتبطة بمضيق هرمز. كما يعكس ذلك مستوى عالياً من المرونة التشغيلية، إلى جانب الدعم الفاعل الذي يقدمه بنك الكويت المركزي للقطاع المصرفي في الكويت.
● ماذا عن جودة أصول البنوك الكويتية وقدرتها على امتصاص الصدمات، وأبرز المخاطر التي تواجه القطاع المصرفي؟
فيما يتعلق بجودة الأصول لدى البنوك الكويتية، وكما ذكرنا، فإن النسب الحالية للتعثر تبلغ نحو 1.1%، في حين تتجاوز نسبة تغطية المخصصات 250%. وهذه المؤشرات، بحد ذاتها، تضع الكويت في مصاف الأنظمة المصرفية الأكثر تحفظاً وأماناً على المستويين الإقليمي والعالمي.
ويأتي ذلك مدعوماً بأصول مصرفية إجمالية بلغت قرابة 300 مليار دولار بنهاية عام 2024، بما يمثل نحو 8.4% من إجمالي الأصول المصرفية في دول الخليج.
أما فيما يتعلق بالمخاطر التي تواجه القطاع المصرفي في الكويت، فيمكن الإشارة إلى عدد من الجوانب الرئيسية:
أولاً: مخاطر التركز القطاعي والجغرافي:
الخطر الأول يتمثل في التركز القطاعي والجغرافي، إذ يوجد اعتماد كبير نسبياً على قطاعي العقار والتجارة، إلى جانب تركّز جغرافي نسبي داخل السوق المحلي، رغم وجود بعض التوسع الإقليمي في أسواق مثل تركيا والبحرين والسعودية وماليزيا.
ثانياً: مخاطر أسعار النفط والتوترات الجيوسياسية:
هناك أيضاً مخاطر مرتبطة بأسعار النفط والتوترات الجيوسياسية، خصوصاً في ظل السيناريوهات التي قد تشهد تراجعاً في إنتاج النفط بنحو 50%، إلى جانب تصاعد التوترات مع إيران واضطرابات حركة الملاحة في مضيق هرمز، وينعكس ذلك بصورة غير مباشرة على السيولة الحكومية ومستويات الإنفاق العام، اللذين يمثلان في الأساس محركاً مهماً لجزء كبير من النشاط الاقتصادي والمصرفي.
ثالثاً: مخاطر أسعار الفائدة:
ناهيك عن مخاطر أسعار الفائدة، في ظل التقلبات المرتبطة بمسار السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي الأميركي، فعلى الرغم من ارتباط الدينار الكويتي بسلة من العملات، فإنه يتأثر أيضاً باتجاهات السياسة النقدية الأميركية، وهو ما انعكس في خفض بنك الكويت المركزي لسعر الخصم مرتين في أواخر عام 2025.
رابعاً: مخاطر التوسع الائتماني السريع:
هناك، من جانب آخر، مخاطر مرتبطة بسرعة التوسع الائتماني، في ظل نمو التسهيلات الائتمانية بمعدلات تصل إلى 11% سنوياً. ولذلك، فإن هذا النمو يستوجب مراقبة دقيقة، حتى لا يتحول مستقبلاً إلى مصدر للمخاطر، خصوصاً مع دخول القطاع المصرفي بصورة أكبر في مجال التمويل العقاري للأسر.
خامساً: مخاطر السيولة المرتبطة بالمالية العامة:
تمثل مخاطر السيولة المرتبطة بالمالية العامة جانباً مهماً أيضاً، في ظل تصاعد عجز الموازنة والحاجة المتكررة إلى الاقتراض من خلال إصدار السندات الدولية، كما شهدنا مؤخراً، إلى جانب اللجوء إلى احتياطي الأجيال القادمة. وقد يؤدي استمرار تراجع الإيرادات النفطية لفترة طويلة إلى خلق ضغوط غير مباشرة على ودائع القطاع العام لدى البنوك.
وبشكـل عـام، أعتقد أن القطاع المصرفي الكويتـي يظـل من أكثر القطاعـات استقراراً فـي المنطقة، استناداً إلى مؤشـرات فنية قوية، مـن بينهـا كفـايــة رأس المـال، وجودة الأصول، وارتفاع مستويات تغطية المخصصات، فضلاً عن تمتعه بمظلة ماليـة سياديـة استثنائيـة توفر لـه مستويات عالية من الدعم والقوة.
ولكن ما أراه هو أن استدامة هذا الاستقرار على المدى المتوسط ترتبط بشكل كبير بقدرة الحكومة على معالجة عجز الموازنة بصورة هيكلية، من خلال تنويع مصادر الإيرادات غير النفطية، وتطبيق ضريبة الشركات الجديدة، وغيرها من الإجراءات الإصلاحية.
كما ترتبط هذه الاستدامة بفعالية الأطر الرقابية الاحترازية في ضبط وتيرة التوسع الائتماني المرتقب، ولا سيما في قطاع التمويل العقاري في دولة الكويت.
● إلى أي مدى تعكس مؤشرات السيولة وكفاية رأس المال قوة المراكز المالية للبنوك الكويتية؟
فيما يتعلق بمؤشر كفاية رأس المال، بلغت نسبة كفاية رأس المال الإجمالي نحو 15.8%، وهي أعلى بنحو 2.8 نقطة مئوية من الحد الأدنى الرقابي البالغ 13%، وهذا يشكل هامشاً وقائياً يمنح البنوك قدرة استيعابية جيدة في مواجهة أي صدمات ائتمانية محتملة في المستقبل.
أما فيما يتعلق بجودة الأصول، فقد سجلت نسبة صافي القروض المتعثرة مستوى منخفضاً، حيث بلغت نحو 1.1% في الربع الثاني من عام 2026، مع نسبة تغطية بالمخصصات بلغت 276%، وهو ما يعكس متانة جودة الأصول وقدرة البنوك على امتصاص الخسائر المحتملة، كما يتفوق بشكل ملحوظ على العديد من المعايير الدولية والإقليمية.
وفيما يتعلق بالسيولة باعتبارها أحد المؤشرات الفنية الرئيسية، تخضع البنوك المحلية لتعاميم ومعايير رقابية صارمة من بنك الكويت المركزي، خصوصاً فيما يتعلق بمعايير تغطية السيولة، بالتزامن مع نمو ملموس في حجم الودائع، فقد ارتفع رصيد إجمالي ودائع المقيمين بنحو 9.4%، ليصل إلى حوالي 56 مليار دينار في نهاية يونيو 2026، مقابل نحو 51 مليار دينار في الفترة نفسها من عام 2025.
وبشكل عام، فإن هذه المؤشرات مجتمعة، والمتمثلة في ارتفاع كفاية رأس المال فوق الحد الأدنى الرقابي، وانخفاض مستويات التعثر الائتماني، وارتفاع نسبة تغطية المخصصات، تشكل ما يمكن وصفه بـ«مصدات فنية» تمنح البنوك الكويتية قدرة أكبر على استيعاب الصدمات الاقتصادية والتعامل معها بكفاءة، وبمستويات تتجاوز في العديد من الجوانب متوسط نظيراتها من البنوك الإقليمية.
● صدر مرسوم بقانون يجيز للحكومة الاقتراض من صندوق الأجيال القادمة، كيف تنظرون إلى هذه الخطوة؟ وهل ترون أنها ضرورة مالية مؤقتة؟
صدر مرسوم بقانون رقم 81 لسنة 2026، بتعديل المرسوم بقانون رقم 106 لسنة 1976 بشأن احتياطي الأجيال القادمة، بما يتيح للحكومة الاقتراض من الاحتياطي لدعم الاحتياطي العام للدولة، وفق ضوابط محددة.
ويشترط المرسوم صدور قرار من مجلس الوزراء، بناءً على عرض الوزير المختص، وموافقة مجلس إدارة الهيئة العامة للاستثمار، على أن يُسجَّل القرض كأصل مستحق لصالح الصندوق، مع منحه أولوية السداد عند تحقيق فائض مالي، وحظر شطبه أو تخفيضه إلا بموجب قانون.
وفيما يتعلق بكون هذه الخطوة ضرورة مالية مؤقتة، فإن المؤشرات المالية تدعم هذا التوصيف بشكل واضح؛ إذ تتوقع وزارة المالية تسجيل عجز بنحو 9.8 مليار دينار خلال السنة المالية 2026/2027، بارتفاع يقارب 54.7% مقارنة بالموازنة السابقة، وذلك مع إيرادات مقدرة بنحو 16 مليار دينار، مقابل مصروفات تبلغ نحو 26 مليار دينار.
وهناك أيضاً توقعات باتساع العجز المالي المعلن إلى نحو 19% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنة المالية 2026، نتيجة انخفاض إنتاج النفط، إلى جانب استمرار الإنفاق على الأجور والدعوم.
وبالتالي، فإن هذه الخطوة تمثل استجابة هيكلية مؤقتة لضغط تمويلي حاد، ناتج عن انخفاض إيرادات النفط في ظل الأوضاع الجيوسياسية التي تمر بها المنطقة، وليست تحولاً دائماً في سياسة إدارة الثروة السيادية، خصوصاً في ظل تصميم القانون بما يحمي أصل الصندوق ويحافظ على حقوقه المالية.
وبالتالي، لا شك في أن هذه الخطوة تأتي في إطار ضرورة مالية مؤقتة، تفرضها الظروف المالية الراهنة.
أما فيما يتعلق بكونها سابقة تاريخية، فنعم، سبق السحب من صندوق الأجيال القادمة في عام 1990، وكانت تلك المرة الأولى التي لجأت فيها الكويت إلى الصندوق، وذلك خلال فترة الغزو العراقي الغاشم والتحضير لتحرير الكويت.
ولم يكن من الممكن حينها السحب من الصندوق إلا بموجب صلاحية تشريعية جديدة، وهو ما يفسر وصف الخطوة الحالية بأنها خطوة استثنائية، في ظل الظروف المالية والاقتصادية الراهنة.
أتمت الكويت إصدار سندات مقوّمة بالدولار بقيمة 6 مليارات دولار، كيف ترون هذه الخطوة؟ وإلى ماذا يعكس تجاوز إجمالي طلبات الاكتتاب 18 مليار دولار ؟
أصدرت وزارة المالية سندات سيادية دولية مقوّمة بالدولار بقيمة 6 مليارات دولار، عبر ثلاث شرائح؛ توزعت بواقع 3 مليارات دولار لأجل ثلاث سنوات، ومليار ونصف المليار دولار لأجل خمس سنوات، ومليار ونصف المليار دولار أخرى لأجل عشر سنوات، وبهوامش تسعير نهائية تراوحت بين 70 و75 و85 نقطة أساس فوق عوائد سندات الخزانة الأمريكية المماثلة.
هذا الإصدار جاء بعد عودة الكويت إلى أسواق الدين الدولية في أكتوبر 2025، بعد غياب استمر ثماني سنوات، وخلال تلك الفترة تم جمع 11.25 مليار دولار، مقابل طلبات اكتتاب قاربت 30 مليار دولار، وهذا بالطبع يؤسس لسابقة تمويلية متكررة، تعزز حضور دولة الكويت في أسواق الدين العالمية.
أما فيما يتعلق بما يعكسه تجاوز إجمالي طلبات الاكتتاب 18 مليار دولار، رغم التوترات الإقليمية التي نشهدها اليوم، فهناك دلالات فنية واقتصادية مهمة، فبحسب تصريحات وزير المالية، بلغ حجم الإقبال نحو ثلاثة أضعاف حجم الإصدار، وهو ما يمثل مؤشراً قوياً على ارتفاع مستوى التغطية، ويعكس في الوقت نفسه ثقة المستثمرين الدوليين بالملاءة السيادية لدولة الكويت.
أيضاً، فيما يتعلق بتراجع هوامش التسعير من المستويات الاسترشادية الأولية، التي تراوحت بين 95 و110 نقاط أساس، إلى المستويات النهائية التي انتهى إليها الإصدار، والتي تراوحت بين 70 و85 نقطة أساس، فنحن نتحدث عن انخفاض يقارب 25 نقطة أساس. وهذا يعني أن الكلفة التمويلية على الحكومة الكويتية جاءت أقل من المستويات الاسترشادية الأولية، وهو ما يعكس قدرة تفاوضية قوية لدولة الكويت مع الأسواق العالمية، فضلاً عن قوة الطلب على السندات الكويتية.
وبجانب ذلك، هناك جزئية مهمة تتعلق بتوقيت الإصدار، إذ جاء في توقيت استراتيجي، رغم تصاعد التوترات الإقليمية التي نشهدها اليوم. وهذا يؤكد أن المستثمرين الدوليين ينظرون إلى المخاطر الجيوسياسية باعتبارها مخاطر انتقالية أو عابرة، ويفصلون بينها وبين متانة الملاءة المالية الهيكلية لدولة الكويت، التي تستند إلى احتياطياتها السيادية الضخمة وانخفاض مستويات الدين العام نسبياً.
وبالتالي، فإن نجاح الإصدار، وحجم الطلب عليه، إلى جانب انخفاض هوامش التسعير عن المستويات الاسترشادية الأولية، كلها مؤشرات تعكس ثقة الأسواق الدولية بالوضع المالي والائتماني لدولة الكويت، حتى في ظل البيئة الجيوسياسية الإقليمية الحالية.
● ما دلالة تأكيد الوكالات العالمية الكبرى، احتفاظ الكويت بتصنيفاتها الائتمانية القوية، مع نظرة مستقبلية مستقرة؟
بكل تأكيد، فإن تثبيت التصنيف الائتماني من قبل وكالات التصنيف العالمية، رغم اتساع العجز المالي المتوقع، يعكس أن هذه الوكالات تميز بين التدفقات المالية، التي قد تشهد تراجعاً مؤقتاً في الموازنة السنوية نتيجة انخفاض إنتاج النفط وأسعاره والتوترات الجيوسياسية، وبين المخزون، أي رصيد الأصول السيادية الضخمة التي تمتلكها دولة الكويت، والتي تمثل أحد أهم عناصر القوة في مركزها المالي.
وبعبارة أخرى، يمكن القول إن الملاءة المالية الهيكلية طويلة الأجل للكويت لا تزال أقوى بكثير من التحديات الدورية قصيرة الأجل الناجمة عن التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسعار وإنتاج النفط.
كما أن قوة الأصول السيادية والاحتياطيات المالية تمنح الكويت قدرة كبيرة على امتصاص الصدمات والحفاظ على متانة مركزها الائتماني، وهو ما يفسر استمرار التصنيفات الائتمانية المرتفعة والنظرة المستقبلية المستقرة، رغم ارتفاع العجز المالي المتوقع.
وفي المقابل، أشارت وكالات التصنيف إلى أن أي ترقية مستقبلية للتصنيف ستكون مرتبطة بدرجة أكبر بتنفيذ إصلاحات مالية وهيكلية، وتعزيز الانضباط المالي، وتنويع الاقتصاد، وتطوير أسواق رأس المال المحلية، أكثر من ارتباطها بالتقلبات قصيرة الأجل في إنتاج وأسعار النفط الناتجة عن التوترات الجيوسياسية الحالية.