الكويت تفتح أبواب التمويل لتسريع إنجاز الحلم الإسكاني
تدفع الكويت بملف الإسكان إلى مرحلة جديدة، تتكامل فيها حلول التمويل مع تطوير التشريعات وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، سعياً إلى تقليص انتظار المواطنين وتحويل الخطط العمرانية إلى مشروعات متكاملة الخدمات. ومع استهداف إنشاء نحو 170 ألف وحدة سكنية خلال السنوات العشر المقبلة، تتحرك الجهود الحكومية على مسارات متوازية تشمل إتاحة أدوات تمويلية إضافية، وتأهيل تحالفات استثمارية، وتسريع البنية التحتية، وتعزيز التعاون الدولي، بما يدعم استدامة الرعاية السكنية ويرفع كفاءة تنفيذ المشروعات.
وتعكس القرارات الأخيرة توجهاً إلى معالجة حلقات الملف الإسكاني بصورة مترابطة، بدءاً من توفير الأراضي وتنظيم التطوير، مروراً بتمويل شراء الوحدات وبناء القسائم، وصولاً إلى تشغيل الخدمات وصيانتها. ويمنح هذا التكامل المشروعات المقبلة إطاراً أوسع للتنفيذ، مع التركيز على جودة الحياة واحتياجات الأسرة الكويتية، والاستفادة من الخبرات العالمية في بناء مجتمعات عمرانية تراعي المتغيرات الاقتصادية وتحافظ على خصوصية المجتمع.
التمويل يوسّع الخيارات
ويمثل مشروع المرسوم بقانون بشأن التمويل العقاري لمستحقي الرعاية السكنية، الذي أقره مجلس الوزراء في 22 سبتمبر الماضي، أحدث حلقات الإصلاح التشريعي في هذا القطاع. ويستهدف المشروع دعم استدامة توفير السكن الكريم للمواطنين، من خلال أدوات تمويلية إضافية تساند المشروعات الإسكانية القادمة، وتساعد على تقليص مدة انتظار المستحقين، إلى جانب تنشيط القطاع العقاري وتعزيز قدرته على مواكبة متطلبات التنمية العمرانية.
وقال وزير الدولة لشؤون البلدية ووزير الدولة لشؤون الإسكان عبداللطيف المشاري إن مشروع القانون يتضمن 15 مادة، موضحاً أن المادة الثانية تحدد نطاق تطبيق أحكامه. ويشمل ذلك شراء وحدة سكنية من المطور العقاري، أو بناء القسيمة الحكومية المخصصة من المؤسسة العامة للرعاية السكنية، وفق الشروط والضوابط التي تضعها المؤسسة، في المشروعات التي تم تنفيذها أو التي يجري تنفيذها.
ويتيح هذا النطاق ربط التمويل بمسارين أساسيين لتلبية الاحتياجات السكنية، أولهما تملك وحدة يقدمها المطور العقاري، وثانيهما بناء قسيمة حكومية مخصصة للمستفيد. وتبرز أهمية المشروع في مواكبة تنوع المنتجات والمشروعات التي تعمل الجهات المختصة على توفيرها، بحيث تصبح الأدوات التمويلية جزءاً من منظومة متكاملة تدعم حصول المواطنين على المسكن وتواكب مراحل تطوير المدن والمناطق الجديدة.
مرونة بضوابط واضحة
وتناولت المادة الرابعة الأحكام الخاصة بالتمويل العقاري المدعوم وغير المدعوم وآلية سداده، وقررت جواز الجمع بينهما وفق الضوابط والإجراءات التي يضعها بنك الكويت المركزي. وتمنح هذه الأحكام إطاراً لتنظيم الاستفادة من خيارات التمويل المختلفة، مع إبقاء آليات الجمع والسداد مرتبطة بالقواعد المقررة، بما يوضح المسار التنظيمي الذي يستند إليه تطبيق هذه الأدوات في خدمة مستحقي الرعاية السكنية.
ويتكامل المسار التمويلي مع الإصلاحات التي طالت تشريع المطور العقاري، إذ أتاح المرسوم بقانون رقم 89 لسنة 2025، المعدل لبعض أحكام القانون رقم 118 لسنة 2023 بشأن تأسيس شركات إنشاء مدن أو مناطق سكنية وتنميتها اقتصادياً، تنوع أشكال الشركات التي تنشئها المؤسسة العامة للرعاية السكنية ورؤوس أموالها، بما يتناسب مع طبيعة المشروعات ودراسات الجدوى الخاصة بكل منها.
المطور شريك التنفيذ
ويعد تشريع المطور العقاري، الذي دخل حيز التنفيذ رسمياً مطلع أغسطس 2025، محوراً رئيسياً لتطوير القطاع الإسكاني وتحقيق استدامته. ويمتد دوره إلى المساهمة في بناء مجتمعات عمرانية متكاملة، تستجيب لاحتياجات المواطنين وتطلعاتهم، من خلال تعزيز مشاركة القطاع الخاص في تنفيذ المشروعات، وتوفير مساحة أكبر لتقديم حلول سكنية تتلاءم مع تنوع الأسر المستفيدة وقدراتها ومتطلباتها.
وأعطى القانون المطورين حرية أكبر لعرض منتجات سكنية متنوعة بمساحات مختلفة، كما مكّن المؤسسة من وضع الضوابط والمعايير والمواصفات الفنية للمباني والضواحي والمناطق والأحياء، لكل مشروع على حدة. وتستهدف هذه الصلاحيات تحقيق التكامل في التصميم وجودة الحياة، وربط تنوع المعروض السكني بمتطلبات التخطيط والتنفيذ، بما يدعم بناء مناطق تستوعب الاحتياجات السكنية والخدمية ضمن رؤية عمرانية متناسقة.
خمسة آلاف وحدة
وفي أولى مراحل برنامج المطور العقاري، برزت ثلاث فرص استثمارية تضم خمسة آلاف وحدة سكنية في مدن المطلاع وسعد العبدالله وجابر الأحمد. ويشكل تجهيز هذه الفرص تطبيقاً لأحكام القانون، وخطوة عملية لدعم النمو العمراني وتعزيز القدرة على تجاوز تحديات الملف الإسكاني، عبر نقل الشراكة مع القطاع الخاص إلى مشروعات محددة المواقع والنطاق.
وسبقت هذه الخطوات دراسات جدوى تفصيلية وشاملة أجرتها المؤسسة العامة للرعاية السكنية لأول المشروعات التي ستنفذ وفق برنامج المطور العقاري. وشملت الأعمال اختيار المواقع الثلاثة الأولى بعناية، وإعداد التصاميم الأولية للمنازل والمناطق للتأكد من جدوى المشروع، بما يربط التقدم في إجراءات الطرح بأسس تخطيطية وفنية واقتصادية تساند التنفيذ وتحدد ملامح المنتجات السكنية المستهدفة.
تحالفات تتقدم للمنافسة
وأعلنت المؤسسة نهاية أغسطس الماضي تأهيل 22 تحالفاً تضم 41 شركة كويتية وعالمية، للمشاركة في المرحلة التالية من إجراءات طرح ثلاثة مشروعات إسكانية كبرى. وتمثل هذه الخطوة تقدماً في مسار تطبيق برنامج المطور العقاري، وتدعم تسريع إجراءات تنفيذ المشروعات، من خلال إتاحة المشاركة أمام تحالفات تجمع شركات محلية ودولية ضمن الإطار المحدد للطرح.
وقال نائب المدير العام لشؤون الاستثمار ومشاريع القطاع الخاص بالتكليف في المؤسسة، المهندس أحمد الأنصاري، إن تأهيل التحالفات يأتي تنفيذاً لتوجيهات مجلس الوزراء. وأوضح أن الخطوة تسهم في تطوير مشروعات إسكانية متكاملة تلبي احتياجات المواطنين وتواكب أهداف الدولة في التنمية العمرانية، بما يعكس ارتباط إجراءات التأهيل بالأولويات الحكومية لتسريع توفير الرعاية السكنية.
أولوية وطنية ثابتة
ويحظى الملف الإسكاني باهتمام ودعم القيادة السياسية، باعتباره أولوية وطنية ثابتة، وفق ما أكده الوزير المشاري خلال ملتقى الكويت الثاني لمشروعات الدولة التنموية «ENCON5»، المنعقد منتصف يونيو الماضي. وأشار إلى أن عمل المؤسسة انصب خلال الفترة السابقة، بوتيرة سريعة، على تعديل عدد من السياسات والقوانين المهمة، بما يساند تطوير آليات العمل ويواكب احتياجات المرحلة المقبلة.
ويوازي هذا النشاط التشريعي تحرك تنفيذي تقوده اللجنة الحكومية التنسيقية لمتابعة تنفيذ الخدمات المرتبطة بالمشروعات الإسكانية، المشكلة بقرار من مجلس الوزراء. وتتولى اللجنة توحيد جهود الجهات المعنية لتنفيذ الخدمات الخاصة بالمشروعات، وضمان إنجازها وفق أفضل معايير الاستدامة وتسريع وتيرة التنفيذ، بما يعزز التنسيق المطلوب بين أعمال الإسكان والمرافق والخدمات الحكومية المرتبطة بها.
الخدمات على مسار الإنجاز
وتختص اللجنة باتخاذ التدابير والإجراءات التي تسرّع إنجاز المشروعات ذات الصلة بالشأن الإسكاني، وتذليل العقبات التي قد تظهر أثناء العمل. كما تنسق بين الجهات لوضع الخطط المشتركة وتحديد آليات توفير وتشغيل وصيانة الخدمات في المدن والضواحي القائمة والمستقبلية، وهو دور يمتد إلى مراحل التشغيل والمحافظة على كفاءة الخدمات بعد إنجازها.
وتشمل مسؤولياتها تحديد الجهات المسؤولة عن تسلم المباني أو الخدمات التابعة للجهات الحكومية، بما يتوافق مع البرنامج الزمني للمشروعات المختلفة، ومتابعة جهود الجهات المعنية. وتشارك في هذه المنظومة جهات ترتبط أعمالها بالتمويل والأشغال والكهرباء والماء والطاقة المتجددة والمواصلات والبلدية والزراعة والائتمان، بما يتيح معالجة المتطلبات المتداخلة للمشروعات الإسكانية من خلال تنسيق حكومي مشترك.
الصين تدعم التعاون
وعلى المسار الدولي، تواصل اللجنة الوزارية لمتابعة الموقف التنفيذي للاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة بين حكومتي الكويت والصين العمل على دفع المشروعات التنموية المشمولة بالتعاون الثنائي. ويأتي التطوير الإسكاني ضمن المجالات التي تستهدفها مذكرات التفاهم، بما يفتح مجالاً للاستفادة من الخبرات والإمكانات في تطوير المدن وتسريع وتيرة توفير الرعاية السكنية للمواطنين.
وتستهدف المذكرة الخاصة بهذا المجال توسيع التعاون المتبادل وإرساء تواصل استراتيجي طويل الأمد، وتعزيز الإمكانات اللازمة لتطوير مدن إسكانية متكاملة ومتطورة. وبالتوازي، يتابع مجلس الوزراء بصورة مباشرة أعمال الجهات في المشروعات الإسكانية ويدعمها لضمان قدرتها على تنفيذ الالتزامات المنوطة بها، بما يربط التعاون الخارجي بمتابعة تنفيذية للجهات المسؤولة عن تحويل التوجهات إلى مشروعات.
الاستدامة تقود التوسع
وتكشف التقارير الدورية للمؤسسة العامة للرعاية السكنية عن تقدم ملحوظ في نسب الإنجاز، مع استمرار أعمال البنية التحتية والمباني في عدد من المدن الإسكانية. وتندرج هذه الأعمال ضمن جهود تستهدف إنشاء نحو 170 ألف وحدة خلال السنوات العشر المقبلة، موزعة على مناطق عدة، مع تبني نماذج أكثر مرونة وكفاءة تستفيد من الخبرات العالمية وتراعي متطلبات الأسرة الكويتتية.
وأفردت الخطط التنموية برنامجين لتشييد بنية تحتية متماسكة وإيجاد مناطق معيشية متناغمة بيئياً، تتضمن سياساتهما بناء مدن صديقة للبيئة وفق مبادئ المباني الخضراء والبنية التحتية الخضراء والتكنولوجيا الذكية. كما تشمل تحسين إدارة الأراضي والمرافق، وإيجاد بدائل مستدامة لنظام الإسكان الحالي، بما يجعل الاعتبارات البيئية والتقنية جزءاً من التخطيط العمراني للمشروعات المستقبلية.
وتتركز التوجهات الحكومية كذلك على توفير الأراضي ورفع كفاءة المنظومة الإدارية وعمليات التنفيذ، من خلال تفعيل دور القطاع الخاص وضمان معايير معيشية عالية الجودة. وتتلاقى هذه المسارات مع الإصلاحات التمويلية والتشريعية لتشكيل إطار عمل يستهدف تسريع الإنجاز واستدامة الخدمات، وتوسيع القدرة على تلبية الطلب السكني ضمن مشروعات متكاملة تراعي احتياجات المواطنين وتطلعاتهم.