الكويت حققت تقدما نوعيا في مسار التحول الرقمي
تخطو دولة الكويت خطوات متسارعة نحو دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن خططها الاستراتيجية، حيث دخلت رسمياً قائمة الدول المطبقة لهذه التقنيات مؤسسياً، وتشمل الجهود الوطنية استثمارات ضخمة في البنية التحتية، وتطوير الخدمات الحكومية الذكية، وبناء القدرات الوطنية،
وفي حديث خاص لـ «عالم الاقتصاد» أكد الدكتور أنور الحربي المتخصص في تكنولوجيا المعلومات أن تسريع التحول الرقمي وبناء بيئة تقنية متكاملة تسهم في انتقال البنية التحتية الرقمية الكويتية من النماذج التقليدية إلى بيئة سحابية أكثر مرونة وكفاءة، بما يعزز الابتكار ويهيئ بيئة جاذبة للشركات التقنية العالمية والناشئة، ويدعم نمو منظومة تقنية متكاملة.
وإليكم تفاصيل اللقاء:
● ما أبرز مؤشرات تطور الخدمات الحكومية الإلكترونية في الكويت، وكيف أسهمت في تحسين جودة الخدمات وتسريع إنجاز المعاملات؟
حققت دولة الكويت تقدماً نوعياً في مسار التحول الرقمي الحكومي، مدفوعة بالتوسع في الخدمات الإلكترونية وتبني حلول الدفع الرقمي، بما عزز كفاءة الخدمات الحكومية ورفع مستوى الاعتماد على القنوات الرقمية في إنجاز المعاملات.
وتعكس لغة الأرقام حجم هذا التحول، إذ بلغ إجمالي المبالغ المسددة إلكترونياً عبر خدمة «تسديد» التابعة للبوابة الإلكترونية الرسمية نحو 992.8 مليون دينار، من خلال أكثر من 16.4 مليون عملية دفع، في مؤشر واضح على تنامي اعتماد المواطنين والمقيمين على القنوات الرقمية الرسمية.
وشكل تطبيق «سهل» الحكومي الموحد للخدمات نقلة مهمة في هذا المسار، من خلال دمج خدمات عشرات الجهات الحكومية ضمن منصة واحدة، الأمر الذي أسهم في تبسيط إجراءات إنجاز المعاملات واختصار الوقت والجهد، وتحويل العديد من الخدمات التي كانت تتطلب أياماً أو أسابيع إلى خطوات رقمية محدودة عبر الهواتف الذكية.
وانعكس هذا التحول بصورة مباشرة على كفاءة وجودة الخدمات الحكومية، مع تراجع البيروقراطية المرتبطة بالحضور المكاني، وخفض الهدر والتكاليف الإدارية، سواء في المعاملات الحكومية البينية أو الخدمات المقدمة للجمهور.
كما أسهم الربط الإلكتروني وقواعد البيانات المركزية في تعزيز الشفافية وسرعة اتخاذ القرار، وتقليص هامش الأخطاء البشرية، إلى جانب إتاحة متابعة حالة المعاملات بصورة أكثر سهولة وسرعة، بما يدعم تحسين تجربة المستفيدين.
المدفوعات الرقمية تتجاوز 36.8 مليار دينار
ولا يقتصر التحول الرقمي على الخدمات الحكومية، بل يمتد بقوة إلى سلوك المستهلكين والنشاط التجاري، حيث تظهر البيانات الحديثة حجم الانتشار الكبير للمدفوعات الإلكترونية والتجارة الرقمية في الكويت.
وبلغ إجمالي الإنفاق الاستهلاكي عبر القنوات المصرفية خلال عام 2025 نحو 45.96 مليار دينار، فيما سجل الإنفاق عبر نقاط البيع والمواقع الإلكترونية نحو 36.86 مليار دينار، بما يعادل قرابة 80 % من إجمالي الإنفاق الاستهلاكي، مقابل نحو 9.1 مليارات دينار للسحوبات النقدية.
وفي قطاع التجارة الإلكترونية، بلغ إجمالي المشتريات عبر المواقع الإلكترونية نحو 17.49 مليار دينار خلال 2025، بمتوسط إنفاق يومي يقارب 47.92 مليون دينار.
واستحوذ الإنفاق داخل الكويت علـى نحـو 91.96 % من إجمالي المشتريات الإلكترونية، بما يعادل 16.08 مليار دينار، مقابل نحو 1.4 مليار دينار للإنفاق عبر المواقع خارج الكويت، بنسبة 8.04 %.
وتؤكد هذه المؤشرات أن الكويت قطعت شوطاً متقدماً نحو اقتصاد رقمي أقل اعتماداً على النقد، مع ترسخ المدفوعات الإلكترونية كجزء أساسي من سلوك المستهلك، بالتوازي مع توسع التجارة الإلكترونية والمتاجر الرقمية وخدمات التوصيل.
كما يعكس انتشار الدفع الإلكتروني حتى في المعاملات اليومية الصغيرة اتساع قاعدة الشمول المالي وتسارع التحول الرقمي، بما يعزز كفاءة النشاط الاقتصادي ويدعم توجه الكويت نحو بناء اقتصاد أكثر اعتماداً على التكنولوجيا والخدمات الرقمية.
● ما هي أهداف ومحاور الشراكة الاستراتيجية بين غوغل كلاود والكويت؟ وانعكاس ذلك على التحول الرقمي في الكويت؟
تمثل الشراكة الاستراتيجية بين الحكومة الكويتية و«غوغل كلاود» ركيزة مهمة في مسار التحول الرقمي ودعم مستهدفات «كويت جديدة 2035»، بما يعزز توجه الدولة نحو بناء اقتصاد قائم على البيانات والتقنيات الرقمية. وترتكز الشراكة على عدد من المحاور الرئيسية، أبرزها: إنشاء منطقة سحابية متطورة والتي تشمل الاستثمار في إطلاق منطقة للتخزين والحوسبة السحابية داخل الكويت، بما يعزز السيادة الرقمية، ويرفع مستويات حماية البيانات الوطنية الحساسة للقطاعين الحكومي والخاص، وفق أعلى المعايير العالمية.
رقمنة الخدمات الحكومية ورفع الإنتاجية لوضع خارطة طريق متكاملة لتسريع رقمنة الخدمات المقدمة للمواطنين، مع التركيز على القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها الرعاية الصحية والتعليم والتجارة والتعافي من الكوارث والمدن الذكية.
تمكين الكوادر الوطنية وتنمية المهارات بالتعاون مع الجهاز المركزي لتكنولوجيا المعلوما وهيئة تشجيع الاستثمار المباشر لتنفيذ برامج تدريبية متخصصة لتأهيل الكوادر الحكومية في مجالات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، بما يدعم بناء الكفاءات الوطنية ويفتح المجال أمام وظائف تقنية ذات قيمة مضافة.
تسريع التحول الرقمي وبناء بيئة تقنية متكاملة وذلك للإسهام في انتقال البنية التحتية الرقمية الكويتية من النماذج التقليدية إلى بيئة سحابية أكثر مرونة وكفاءة، بما يعزز الابتكار ويهيئ بيئة جاذبة للشركات التقنية العالمية والناشئة، ويدعم نمو منظومة تقنية متكاملة.
● كيف يمكن لاتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين الكويت ومايكروسوفت أن تنقل الكويت من مستهلك للذكاء الاصطناعي إلى مركز إقليمي فعلي للابتكار وتطوير حلول الذكاء الاصطناعي؟
لا تقتصر الشراكة الاستراتيجية المتقدمة بين الكويت وشركة مايكروسوفت على إنشاء منطقة سحابية متطورة مدعومة بالذكاء الاصطناعي ، أو تعزيز استخدام التقنيات الحديثة محلياً، بل تمثل خطوة نوعية لإعادة صياغة موقع الكويت في منظومة الاقتصاد الرقمي إقليمياً، من خلال بناء بنية تحتية متقدمة، وتوطين حلول الذكاء الاصطناعي، وتنمية القدرات الوطنية، وجذب الاستثمارات التقنية، فضلا عن بنية تحتية متقدمة للذكاء الاصطناعي لتوفير مراكز بيانات وحوسبة سحابية متطورة تتيح معالجة البيانات الضخمة وتشغيل تقنيات التعلم الآلي محلياً، بما يمنح الشركات والمطورين والناشئة في الكويت بيئة متقدمة لتطوير وتدريب نماذج ذكاء اصطناعي تلبي احتياجات الأسواق الخليجية والعربية.
وتسهم حلول «مايكروسوفت» للذكاء الاصطناعي التوليدي، وفي مقدمتها «Microsoft Copilot»، في دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في العمليات الحكومية والخدمات اليومية، بما يرفع كفاءة الأداء ويعزز سرعة اتخاذ القرار، ويدفع بالقطاع الحكومي من الاعتماد على الأنظمة التقليدية إلى حلول أكثر ذكاءً واستباقية، إضافة إلى إتاحة المجال لإنشاء مراكز متخصصة للبحث والتطوير والابتكار بالتعاون مع الجهات الحكومية المعنية، بما فيها الهيئة العامة للاتصالات وتقنية المعلومات، وتعزيز دور الكفاءات الوطنية في تصميم وتطوير حلول تقنية محلية، بدلاً من الاقتصار على استخدام التطبيقات والمنتجات الجاهزة.
وتنسجم هذه الشراكات مع توجه الكويت نحو تنويع الاقتصاد وتعزيز مكانتها كمركز رقمي إقليمي، خصوصاً مع تنامي الاستثمارات في البنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي، ومن شأن ذلك تعزيز جاذبية الكويت لشركات التكنولوجيا العالمية، وتحفيز الاستثمارات في الاقتصاد الرقمي، وخلق فرص جديدة للقطاع الخاص، بما يدعم مسار تنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط.
● ما أثر انضمام الصندوق السيادي الكويتي لمبادرة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على استثمارات الكويت الرقمية؟
يمثل انضمام الصندوق السيادي الكويتي إلى مبادرة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تحولاً استراتيجياً في توجهات الاستثمارات الكويتية نحو الاقتصاد الرقمي، ويمكن إبراز ذلك من خلال عدة محاور:
حجم المبادرة التي تصل الاستثمارات المستهدفة إلى نحو 100 مليار دولار عالمياً، بقيادة «مايكروسوفت» و«بلاك روك» و«غلوبال إنفراستركتشر بارتنرز».
وأصبحت الهيئة العامة للاستثمار الكويتية أول مستثمر مالي رئيسي غير مؤسس ينضم إلى المبادرة، بما يعكس الثقة العالمية بدورها الاستثماري وقدرتها على المشاركة في القطاعات المستقبلية.
ويعكس دخول الصندوق السيادي تحولاً تدريجياً من الاستثمار المالي التقليدي في الأسهم والسندات والعقارات إلى الاستثمار في البنية التحتية للاقتصاد الرقمي، حيث ضخ الصندوق أكثر من 9 مليارات دولار في مجالي الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي خلال السنوات الخمس الماضية، ومن شأن هذه الخطوة تعزيز مكانة الكويت كممول رئيسي للبنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي، ودعم حضور رأس المال السيادي الكويتي في أحد أسرع القطاعات نمواً على مستوى العالم.
● كيف تنظرون إلى السوق الكويتي اليوم مقارنة بأسواق المنطقة من حيث سرعة تبني التحول الرقمي والتقنيات المتقدمة؟ وأين ترون أكبر الفرص المستقبلية في هذا السوق؟
يُعد السوق الكويتي اليوم من أكثر الأسواق الخليجية جاهزية للتحول الرقمي، مدفوعاً بارتفاع معدلات استخدام الإنترنت والهواتف الذكية، وانتشار حلول الدفع الإلكتروني، إلى جانب وجود شريحة واسعة من المستهلكين الشباب الأكثر تقبلاً للتقنيات الحديثة. كما يشهد السوق نمواً متواصلاً في التجارة الإلكترونية، وتسارعاً في التحول نحو الخدمات الرقمية في القطاعين الحكومي والخاص.
وعلى الرغم من تمتع بعض أسواق المنطقة بحجم أكبر أو باستثمارات رقمية أوسع، فإن الكويت تمتلك ميزة مهمة تتمثل في سرعة تبني المستخدمين للتقنيات الحديثة وسهولة الوصول إلى الخدمات الرقمية، ما يجعلها بيئة مناسبة لاختبار الابتكارات الجديدة وتطبيقها والتوسع فيها.
وتتركز أبرز الفرص المستقبلية في عدد من المجالات الرئيسية، من بينها الذكاء الاصطناعي لتوظيفه في خدمة العملاء وتحليل البيانات ودعم اتخاذ القرار، إضافة إلى التجارة الإلكترونية لتطوير منصات متخصصة وحلول رقمية داعمة لقطاع التجزئة.
والتقنيات المالية للتوسع في المدفوعات الرقمية والمحافظ الإلكترونية والحلول المالية المبتكرة، كذلك الأمن السيبراني لحماية البيانات والبنية التحتية الرقمية في ظل النمو المتسارع للخدمات الإلكترونية، والحوسبة السحابية لدعم أتمتة الأعمال وتسريع التحول الرقمي في المؤسسات، والمدن الذكية تطوير حلول متقدمة للمدن والخدمات الحكومية الرقمية.
كما تبرز فرص واعدة في قطاعات نوعية، أبرزها الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي من خلال التشخيص المبكر وتحليل بيانات المرضى، والأمن السيبراني لحماية البنية التحتية الحيوية وتعزيز أمن الأنظمة الرقمية إلى جانب التجارة الرقمية عبر تطوير منصات محلية وإقليمية قادرة على المنافسة والتوسع، والتعليم الإلكتروني من خلال منصات تعليمية ذكية تقدم محتوى باللغة العربية.
● كم يصل معدل الإنفاق على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الكويت؟
تتجه الكويت إلى تعزيز إنفاقها على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، مع توقعات بأن يقترب من 5.71 مليار دولار بحلول عام 2026، وفقاً لمؤسسة البيانات الدولية« IDC » ويعكس هذا النمو توجه الدولة نحو تحقيق مستهدفات رؤية الكويت 2035، ودعم التحول الرقمي وتعزيز الاقتصاد القائم على المعرفة.
وفي موازاة ذلك، يشهد قطاع التجارة الإلكترونية نمواً قوياً، إذ تجاوزت تعاملاته 7.1 مليار دينار خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، مدفوعة بانتشار الهواتف الذكية، وتوسع استخدام أنظمة الدفع الرقمية، وارتفاع ثقة المستهلكين بالخدمات الإلكترونية.
ورغم هذا النمو، يواجه القطاع عدداً من التحديات، أبرزها كفاءة الخدمات اللوجستية، والأمن السيبراني، واستمرار بعض أنماط الثقافة الشرائية التقليدية، ومع ذلك، تشير التوقعات إلى أن التجارة الإلكترونية ستظل واحدة من أسرع القطاعات نمواً في الكويت خلال السنوات المقبلة.
● ما هي عوامل النمو في التجارة الإلكترونية في الكويت؟
تشهد التجارة الإلكترونية في الكويت نمواً متسارعاً، مدفوعاً بمجموعة من العوامل التي أسهمت في تعزيز انتشارها وترسيخ حضورها في السوق المحلي، وفي مقدمتها ارتفاع معدلات استخدام الإنترنت والهواتف الذكية، وتوسع قاعدة المستخدمين المتصلين رقمياً، ما يوفر بيئة مواتية لنمو التسوق الإلكتروني.
كما أسهم التطور المتسارع في وسائل الدفع الإلكتروني والمحافظ الرقمية في تسهيل عمليات الشراء وتعزيز ثقة المستهلكين بالمعاملات الإلكترونية، بالتزامن مع توسع خدمات التوصيل السريع وتحسن البنية التحتية اللوجستية، بما انعكس على سرعة وصول المنتجات ورفع جودة تجربة العملاء.
ويُعد ارتفاع نسبة الشباب، إلى جانب الاستخدام المكثف للتقنيات الرقمية وتطبيقات الهواتف الذكية ومنصات التسوق الإلكتروني، من أبرز محركات نمو القطاع، فضلاً عن الدعم الحكومي المتواصل للتحول الرقمي وتطوير البنية التحتية الرقمية في إطار رؤية «كويت جديدة 2035»، بما يعزز بيئة الأعمال ويدعم نمو الاقتصاد الرقمي.
● هل التجارة الإلكترونية عززت من الإنفاق الاستهلاكي في السوق الكويتية؟ وتوقعاتك المستقبلية للقطاع؟
تسهم التجارة الإلكترونية بصورة متزايدة في إعادة تشكيل أنماط الإنفاق الاستهلاكي في الكويت، مع تنامي الاعتماد على المعاملات الرقمية وتوسع قاعدة المتسوقين عبر الإنترنت، وفي عام 2025، استحوذت المعاملات الرقمية على نحو 80 % مـن إجمـالي الإنفـاق الاستهلاكي، مقابل 20 % للمدفوعات النقدية.
وبلغ حجم سوق التجارة الإلكترونية في الكويت نحو 1.95 مليار دولار في 2026، وسط توقعات بارتفاعه إلى 2.49 مليار دولار بحلول 2031، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ نحو 5 %..
ويعزز هذا التوسع مستويات الإنفاق الاستهلاكي، مدفوعاً بسهولة الوصول إلى المنتجات والخدمات، وتنوع الخيارات المتاحة، إلى جانب العروض الترويجية والخصومات التي توفرها المنصات الرقمية.
وتشير التوقعات إلى استمرار التجارة الإلكترونية كأحد القطاعات الأسرع نمواً خلال السنوات المقبلة، بدعم من تسارع التحول الرقمي، وتطور الخدمات اللوجستية وحلول التوصيل، فضلاً عن تنامي ثقة المستهلكين بالشراء والدفع إلكترونياً، ومن المؤكد أن يظل القطاع أحد أسرع القطاعات نمواً، مدفوعاً بالتحول الرقمي، الابتكار في الخدمات اللوجستية، وزيادة ثقة المستهلكين.
● ما مدى جاهزية الجهات المعنية لتفعيل خطط الاستجابة للحوادث السيبرانية ؟
تمتلك الكويت البنية المؤسسية الأساسية للاستجابة للحوادث السيبرانية، لكن الجاهزية الحقيقية لا تقاس بوجود خطة مكتوبة، بل بقدرة الجهات على اكتشاف الهجوم واحتوائه ومواصلة الخدمات أثناءه، وهذا جوهر مفهوم المرونة السيبرانية (Cyber Resilience).
ويتولى مركز الأمن الوطني السيبراني مراقبة التهديدات، وجمع ونشر معلوماتها، ودعم الاستجابة للحوادث والتنسيق مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص، كما شاركت الكويت في تمارين Cyber Drill بالتعاون مع الاتحاد الدولي للاتصالات والمركز العربي الإقليمي للأمن السيبراني.
وتتمثل الخطوة المقبلة في الانتقال من «لدينا خطة استجابة» إلى «اختبرنا الخطة، وزمن الاستجابة، وحددنا نقاط الضعف وأعدنا الاختبار»، عبر محاكاة سيناريوهات تشمل هجمات الفدية، واختراق الأطراف الثالثة، وتسريب البيانات الحساسة، وهجمات DDoS، واختراق الحسابات الإدارية، والهجمات على البنية التحتية الحيوية، وانقطاع مراكز البيانات، والهجمات المركبة التي تجمع الاختراق وتسريب البيانات والتضليل الإعلامي.
كما يتطلب التصدي للهجمات الكبرى هيكلاً واضحاً لقيادة الحوادث السيبرانية يحدد مسؤوليات الاكتشاف والإبلاغ واتخاذ القرار وعزل الأنظمة والتنسيق والتواصل الإعلامي.
وسيكون من أهم مؤشرات النضج السيبراني في الكويت سرعة تبادل المعلومات والتنسيق بين الجهات، إلى جانب قوة الأنظمة التقنية.
ووفق مؤشر الأمن السيبراني للاتحاد الدولي للاتصالات 2024، تمتلك 139 دولة فريق CIRT وطنياً أو ما يعادله، بما يعكس أهمية الاستجابة الوطنية في منظومة الأمن السيبراني الحديثة، فالهدف ليس منع كل الهجمات، وهو أمر غير واقعي، بل اكتشاف الاختراق بسرعة، وعزله، واحتواء آثاره، واستعادة الخدمات بأسرع وقت؛ وهذه هي المرونة السيبرانية.
● يحظى الأمن السيبراني في القطاع المصرفي الكويتي باهتمام بالغ ورقابة صارمة من بنك الكويت المركزي.. كيف ترى ذلك؟
أرى أن القطاع المصرفي الكويتي انتقل فعلياً من مفهوم الأمن السيبراني التقليدي إلى المرونة السيبرانية، فقد وضع بنك الكويت المركزي منذ 2020 إطاراً للأمن السيبراني يركز على الحوكمة وإدارة المخاطر والاستجابة للحوادث وتبادل معلومات التهديدات، ثم أطلق في ديسمبر 2025 إطار المرونة السيبرانية والتشغيلية (CORF)، بما يعكس انتقالاً من الامتثال الأمني إلى ضمان استمرارية الخدمات أثناء الهجمات.
ويشمل الإطار تقييم الثغرات، والاستجابة للحوادث والتحقيق الجنائي الرقمي، واحتواء الهجمات والتعافي وإدارة الهوية والمخاطر والمرونة التشغيلية، إلى جانب تبادل معلومات التهديدات بين البنوك، بما يتيح الاستفادة من أي هجوم لمنع تكراره في مؤسسات أخرى.
وتدعم المتانة المالية هذه المنظومة، إذ بلغت كفاية رأس المال 19.1 % والسيولة التنظيمية 22.3 % في 2025، ما يعكس قدرة جيدة على مواجهة المخاطر.
وبالتالي، لم يعد الأمن السيبراني شأناً تقنياً فقط، بل أصبح جزءاً من حماية الاستقرار المالي واستمرارية الخدمات والثقة بالاقتصاد الرقمي، مع تقدم الكويت في بناء منظومة وطنية للمرونة والاستجابة للتهديدات.