المخاوف النقدية تهز سوق العملات المشفرة
دخلت سوق العملات المشفرة مرحلة من الحذر والترقب مع اقتراب إعلان مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي قراره بشأن أسعار الفائدة، في وقت يراقب فيه المستثمرون عن كثب أي مؤشرات قد تحدد اتجاه السياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة. ويأتي هذا الترقب بعدما أصبحت العملات الرقمية أكثر ارتباطاً بالمتغيرات الاقتصادية العالمية، إذ لم تعد تتحرك فقط وفق تطورات قطاع الأصول المشفرة، بل باتت تتأثر أيضاً بمعدلات التضخم، وأسعار الفائدة، وأداء الدولار الأميركي، وهو ما انعكس على حركة التداولات خلال الجلسات الأخيرة.
وتراجعت أسعار العملات المشفرة مع اتجاه المستثمرين إلى تقليص مراكزهم في الأصول عالية المخاطر، انتظاراً لقرار الاحتياطي الفيدرالي، الذي يُنظر إليه على أنه أحد أبرز الأحداث الاقتصادية القادرة على تغيير اتجاه الأسواق العالمية خلال الفترة الحالية.
خسائر متواصلة
وتعرضت العملات الرقمية الكبرى لضغوط بيعية واضحة، إذ انخفضت عملة البيتكوين، الأكبر عالمياً من حيث القيمة السوقية، بأكثر من 2% لتسجل أدنى مستوياتها في أحد عشر يوماً، بينما هبطت الإيثريوم بأكثر من 3%، كما تراجعت الريبل بالتزامن مع موجة بيع شملت معظم العملات المشفرة.
وأظهرت بيانات التداول أن سعر البيتكوين بلغ 63469.50 دولاراً، بانخفاض قدره 1431.88 دولاراً أو ما يعادل 2.21 %، فيما هبطت الإيثريوم إلى 1884.90 دولاراً بخسارة 63 دولاراً أو 3.23 %، بينما تراجعت الريبل إلى 1.0586 دولار بانخفاض نسبته 2.89 %.
ويرى محللون أن هذه الخسائر تعكس توجه المستثمرين إلى تقليص المخاطر مؤقتاً قبل صدور القرار الأميركي، أكثر من كونها تعبر عن تغير جذري في النظرة المستقبلية لسوق العملات المشفرة، التي ما زالت تستقطب اهتمام المستثمرين رغم ارتفاع مستويات التقلب.
رهان السياسة
وتتجه أنظار الأسواق إلى اجتماع الاحتياطي الفيدرالي المقرر الأربعاء، وسط توقعات واسعة بأن يبقي البنك المركزي أسعار الفائدة دون تغيير، إلا أن الاهتمام الأكبر يتركز على تصريحات رئيسه كيفن وارش، التي قد تكشف ملامح السياسة النقدية خلال ما تبقى من العام.
ويبحث المستثمرون عن أي إشارات توضح ما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي يقترب من إنهاء دورة التشديد النقدي، أم أنه لا يزال يرى ضرورة الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول من أجل ضمان عودة التضخم إلى مستهدفاته.
ورغم أن غالبية التوقعات تشير إلى تثبيت الفائدة، فإن شركة «سيتادل سيكيوريتيز» خالفت هذا الاتجاه، إذ توقعت رفع أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية، معتبرة أن هذه الخطوة ستعزز مصداقية رئيس الاحتياطي الفيدرالي في مواجهة الضغوط التضخمية، حتى وإن جاءت مفاجئة للأسواق.
ويؤكد خبراء أن مجرد الإشارة إلى استمرار التشدد النقدي قد تكون كافية لإبقاء الضغوط على العملات المشفرة، لأن ارتفاع أسعار الفائدة يزيد جاذبية أدوات الاستثمار التقليدية، مثل السندات، مقارنة بالأصول الرقمية التي تعتمد بصورة كبيرة على تدفقات السيولة وشهية المستثمرين للمخاطرة.
تغير المعادلة
وخلال السنوات الأخيرة، تغيرت طبيعة العلاقة بين العملات المشفرة والاقتصاد العالمي بصورة كبيرة. ففي السابق كانت تحركات البيتكوين والإيثريوم ترتبط بشكل أساسي بالأخبار الخاصة بالقطاع، مثل تحديثات شبكات البلوك تشين أو اعتماد العملات الرقمية من قبل الشركات والمؤسسات.
أما اليوم، فقد أصبحت قرارات البنوك المركزية والبيانات الاقتصادية الأميركية من أهم المحركات لاتجاه السوق، خاصة بعد دخول الصناديق الاستثمارية والمؤسسات المالية الكبرى إلى سوق العملات المشفرة، ما جعلها جزءاً من المحافظ الاستثمارية العالمية، تخضع للعوامل نفسها التي تؤثر في الأسهم والسلع والعملات.
كما أن ارتفاع أسعار الفائدة يؤدي عادة إلى سحب جزء من السيولة من الأسواق، ويزيد تكلفة الاقتراض، وهو ما يقلص الإقبال على الأصول ذات المخاطر المرتفعة، في حين تستفيد العملات المشفرة غالباً عندما تتراجع الفائدة وتتوافر السيولة بصورة أكبر.
اتجاه السوق
ويرى محللون أن الأيام المقبلة ستكون حاسمة بالنسبة للعملات الرقمية، إذ سيتحدد اتجاه السوق وفق الرسائل التي سيبعث بها الاحتياطي الفيدرالي أكثر من القرار نفسه. فإذا أشار البنك المركزي إلى اقتراب نهاية دورة التشديد النقدي، فقد تستعيد العملات المشفرة جزءاً من خسائرها مع تحسن شهية المستثمرين للمخاطرة.
أما إذا حملت تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي نبرة متشددة، أو ألمحت إلى احتمال رفع الفائدة مستقبلاً، فقد تتواصل الضغوط على البيتكوين وبقية العملات الرقمية، مع استمرار انتقال السيولة نحو الأصول الأقل مخاطرة.
وفي جميع الأحوال، يتوقع مراقبون أن تبقى التقلبات مرتفعة خلال الفترة المقبلة، مع استمرار المستثمرين في إعادة تقييم مراكزهم الاستثمارية وفق التطورات الاقتصادية والنقدية، خصوصاً أن سوق العملات المشفرة باتت أكثر حساسية من أي وقت مضى تجاه قرارات السياسة النقدية الأميركية، التي أصبحت المحرك الرئيسي لاتجاهات الأصول الرقمية والأسواق