المركزي الأوروبي يرفع الفائدة إلى 2.5 %
رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية في اجتماعه الخميس، في ثاني زيادة خلال العام الجاري، في خطوة تعكس تصاعد القلق من تحول صدمة أسعار الطاقة الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط إلى موجة تضخمية أكثر اتساعاً داخل منطقة اليورو.
وبموجب القرار، ارتفع سعر الفائدة على الودائع إلى 2.5 % من 2.25 %، ليصل إلى الحد الأعلى من النطاق الذي يعتبره صانعو السياسة النقدية محايداً تقريباً، أي لا يحفز الاقتصاد بقوة ولا يفرض عليه قيوداً شديدة.
ويأتي التحرك بعدما تجاوز التضخم في منطقة اليورو 3 % خلال الصيف، متخطياً هدف البنك البالغ 2 %، في وقت دفعت فيه اضطرابات إمدادات الطاقة أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الغاز.
صدمة الطاقة
المشكلة الرئيسية أمام المركزي الأوروبي لا تقتصر على ارتفاع أسعار الوقود مباشرة، وإنما تتمثل في خطر انتقال هذه الزيادة تدريجياً إلى تكلفة الإنتاج والنقل، ثم إلى أسعار السلع والخدمات التي يدفعها المستهلك.
وهذا السيناريو يفسر التحرك الاستباقي نحو رفع الفائدة. فكلما طالت فترة بقاء الطاقة عند مستويات مرتفعة، زادت احتمالات تمرير الشركات تكاليفها الإضافية إلى المستهلكين، بما قد يجعل التضخم أكثر صعوبة في الاحتواء.
ورفع البنك توقعاته للتضخم في 2027 إلى 2.5 %، مقابل 2.3 % في تقديرات يونيو، بينما يتوقع وصول المعدل إلى 3 % في المتوسط خلال 2026. كما رفع توقعاته للتضخم الأساسي العام المقبل إلى 2.6 % من 2.5 %.
ورغم هذه الضغوط، لم تظهر حتى الآن موجة واسعة من الآثار غير المباشرة لارتفاع الطاقة، إذ تباطأ التضخم الأساسي مؤخراً، كما استمر نمو الأجور في الاعتدال، وهو ما يقلل خطر الدخول في دوامة متبادلة بين الأجور والأسعار.
المفارقة أن تشديد السياسة النقدية يأتي في وقت يظهر فيه اقتصاد منطقة اليورو قدرة على تحمل صدمة الطاقة بصورة أفضل من المخاوف السابقة. فقد رفع المركزي الأوروبي توقعه لنمو الاقتصاد خلال 2026 إلى 0.9 % من 0.8 %، كما رفع تقديراته لعام 2027 إلى 1.4 % من 1.2 %.
ويعني هذا الصمود أن البنك يمتلك مساحة أكبر لمواجهة التضخم دون الخوف من دفع الاقتصاد سريعاً نحو انكماش حاد، خصوصاً مع استمرار الاستهلاك والاستثمار والإنتاج الصناعي عند مستويات أفضل من المتوقع.
لكن ارتفاع الفائدة سيزيد في المقابل تكلفة التمويل على الشركات والأسر، وقد يضغط على الاقتراض والاستثمار والقطاع العقاري إذا استمرت دورة التشديد لفترة أطول.
يراهن المركزي الأوروبي على أن زيادة تكلفة الاقتراض ستحد من الطلب وتمنع صدمة الطاقة من التحول إلى تضخم دائم. لكن المهمة تبدو أكثر تعقيداً لأن مصدر الضغوط الحالي خارجي بدرجة كبيرة، وبالتالي لا تستطيع الفائدة وحدها خفض أسعار النفط أو الغاز.
وتتمثل وظيفة السياسة النقدية هنا في منع الصدمة من الانتشار إلى بقية الاقتصاد، والحفاظ على توقعات التضخم قريبة من هدف 2 %.
الفائدة تواجه اختبار الطاقة
يدخل المركزي الأوروبي مرحلة دقيقة بعد الزيادة الثانية هذا العام، إذ لم يعد السؤال مقتصراً على مستوى التضخم الحالي، بل على المدة التي ستستمر خلالها أزمة الطاقة ومدى انتقالها إلى الأسعار الأساسية.
وإذا بقي النفط والغاز مرتفعين وبدأت الشركات تمرير تكاليفها إلى المستهلك، فقد تصبح زيادة الخميس مجرد خطوة ضمن دورة تشديد أطول. أما انحسار صدمة الطاقة مع استمرار اعتدال الأجور فقد يسمح للبنك بالتريث قبل التحرك مجدداً.
وبذلك أصبحت السياسة النقدية الأوروبية مرتبطة بدرجة كبيرة بمسار الحرب وأسواق الطاقة، فيما يوازن البنك بين خطرين متعاكسين: ترك التضخم يترسخ فوق المستهدف، أو الإفراط في رفع الفائدة بما يهدد النمو الذي أثبت حتى الآن قدرة أكبر من المتوقع على الصمود.